رعاية الإسلام لليتامى «٢»

 د. سلامة داود
 د. سلامة داود

بقلم: د. سلامة داود

رئيس جامعة الأزهر

نستأنف ما ذكرنا فى المقال السابق عن حق اليتيم؛ لم يُذكر أكل النار فى الكتاب العزيز إلا مع أكل أموال اليتامى ظلمًا، وكتمان اليهود ما أنزل الله تعالى فى التوراة من صفة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مقابل ثمن قليل من المال، فى قول الله سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» (البقرة: 174).
فالمال الذي يتسبب فى أكل النار فى البطون فى آية النساء مال يتامى يأكله الأوصياء ظلمًا وعدوانًا، وفى آية البقرة مال يأكله أحبار يهود مقابل كتم العلم الموجود فى التوراة واستحفظهم الله تعالى عليه. فهذا المال الذي يغذي أبدان الظلمة من الأوصياء وعلماء يهود إنما هو سُحت تنبت به لحومهم التي تسكنها النار يوم القيامة وتأكلها؛ ولعل قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ» ناظرٌ إلى هاتين الآيتين.
ومن التشابه بين الآيتين فى البناء التركيبي بناؤهما على الجملة الاسمية المفتتحة والمؤكَّدة بـ«إنَّ»، يليها الاسم الموصول «الذين»، وصلته جملة فعلية فعلها مضارع «يأكلون – يكتمون». وتأمل هذا التشابه: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى» – «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ.»
ومن التشابه أيضًا بناء جملة المجاز على أسلوب القصر فى قوله: «إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا» – «مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ». وأسلوب القصر قاطع بأنهم لا يأكلون إلا النار؛ أي إن هذا المال الحرام لا يكون فى بطونهم إلا سببًا فى النار التي تسكن بطونهم وتملؤها.
وجاء القصر بـ«إنما» مع أكل أموال اليتامى ظلمًا للدلالة على أن تسبب النار عنه أمر معلوم ظاهر لا يخفى على أحد، وهذا يعني أنهم حين أكلوا أموال اليتامى كان ظلمهم بيِّنًا ظاهرًا معلومًا مكشوفًا، ولم يأبهوا به، ولم يردهم عنه ظهور جريمتهم النكراء على مرأى ومسمع من الناس، ولم يردهم عنه إنكار الناس؛ فكانوا كمن يجاهرون الله تعالى بالعصيان.
وجاء القصر فى آية البقرة بالنفى والاستثناء، الذي يُستعمل فى الأمر الذي يجهله المخاطب وينكره، قطعًا للشبهة التي قد يحتج بها أحبار يهود من أن المال الذي أخذوه إنما هو فى مقابل العلم والتعليم، لا فى مقابل كتمان العلم.
ويُلاحظ أن عقاب آكلي مال اليتامى ظلمًا إنما هو نار يأكلونها فى بطونهم، أما عقاب آكلي المال لكتم العلم وتضليل الناس وتزييف الحقائق، فهو عقاب زائد على عقاب آكلي مال اليتامى بعقاب آخر أشد، وهو غضب الله جل جلاله عليهم، الذي كَنَتْ عنه الآية بقوله تعالى: «وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ».
فليحذر أهل العلم عقاب كتمانه وتزييفه وتحريفه؛ فإنه عند الله أشد من أكل مال اليتامى، لأنه يشترك مع أكل مال اليتامى فى الاستقواء على حق الضعفاء: إما بالقوة والسطوة المحسوسة فى أكل مال اليتامى، وإما بالقوة والاستطالة على الناس بطيلسان أهل العلم، وتغرير الناس باسم العلم، وخداعهم، وتضليلهم به؛ فينطلي على الناس ذلك لثقتهم فى أهل العلم وفيمن ينتسبون إليه.
وكان جرم كتمان العلم وأخذ المال فى مقابل كتمانه أشد لكثرة مفاسده؛ ففيه فساد ذمم هؤلاء العلماء الذين أخذوا المال بغير حقه، وفيه هوان العلم عليهم حتى فضَّلوا عليه ثمنًا زهيدًا من المال، وفيه كتمان الحق وإشاعة الباطل مكانه؛ فهذه وغيرها خطايا مركبة، وظلمات بعضها فوق بعض، وموبقات بعضها فوق بعض.
ولذا كان عقابهم أشد من عقاب آكلي أموال اليتامى ظلمًا؛ ويُفهم من فحوى هذا أن إصلاح التعليم فى البلاد يكون بإصلاح المعلم أولًا، وتحصينه بأخلاق العلم وآداب حمله.
هذا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

ترشيحاتنا