استطلاع اللواء الإسلامي يكشف المفارقة :90٪ يطالبون بالدمج.. ويفضلون انتظام المصابين في «مدارس خاصة»

التوحد: قلوب تتعاطف وواقع يفرض العزلة

د. مها هلالي - د. محمد الحناوى
د. مها هلالي - د. محمد الحناوى

تتزامن احتفالات العالم بشهر أبريل للتوعية باضطراب طيف التوحد مع حاجة مجتمعية ملحة لتجاوز سرد القصص الإنسانية، والانتقال إلى تشخيص حقيقي لوعي الشارع المصري. فرغم الجهود المبذولة، ونتيجة غياب الوعي بطبيعة التوحد واختلاط المفاهيم بينه وبين الإعاقة الذهنية، لا تزال آلاف الأسر تواجه تحديات يومية تبدأ من تأخر التشخيص، وتمر بالبحث المضني عن خدمات موثوقة، والوقوع فريسة لمراكز العلاج الوهمية، ولا تنتهي عند حدود الوصمة الاجتماعية وسوء الفهم المجتمعي. 
ولأن مواجهة الوصمة تبدأ من الفهم الصحيح، في السطور التالية تعرض «اللواء الإسلامي» مبادرة استقصائية نفذتها لقياس واقع الوعي بالتوحد من خلال استطلاع رأي شمل عينة جغرافية متنوعة، ليكون هذا العمل بمثابة نقطة انطلاق نحو تشخيص حقيقي لوعي المجتمع نفسه.

د. مها هلالي : المدارس الطبيعية حق
د. الحناوي يصف روشتة «الدمج الآمن» 

وفقًا لتعريف منظمة الصحة العالمية، فإن التوحد هو اضطراب نمائي يؤثر على مهارات التواصل والسلوك، ويظهر في مراحل مبكرة من الطفولة، ويتسم بتنوع كبير في الأعراض والقدرات، ما يجعله “طيفًا” واسعًا وليس حالة واحدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل وصل هذا التعريف العلمي إلى وعي المجتمع؟ الإجابة، كما يكشفها الاستطلاع، ليست مطمئنة بالكامل.. استهدف الاستطلاع قياس الوعي المجتمعي من خلال خمسة أسئلة رئيسية تناولت طبيعة فهم التوحد، ومصادر المعرفة، ومستوى الاحتكاك المباشر، والمواقف من التعليم، والاستعداد للدمج. واتسمت العينة بتنوع جغرافي واجتماعي واضح، شمل محافظات الصعيد (أسوان، قنا، بني سويف)، إلى جانب القاهرة والوجه البحري وبعض المناطق الساحلية والحدودية، فضلًا عن تنوع ثقافي واقتصادي ومستوى التعليم، وهو ما يمنح النتائج بعدًا تحليليًا يتجاوز محدودية العدد.
خلل في الفهم
أظهرت نتائج الاستطلاع أن 47.4% فقط من المشاركين يدركون أن التوحد «اضطراب طيف»، وأن 36.8% يعتقدون أنه إعاقة ذهنية، و15.8% يرونه مرضًا. هذه الأرقام تعني ببساطة أن أكثر من نصف المشاركين لديهم تصور غير دقيق لطبيعة التوحد، وهو ما يمثل أزمة مفاهيمية حقيقية. خطورة هذا الخلط لا تكمن في كونه خطأً نظريًا فحسب، بل في انعكاساته العملية، حيث يؤدي إلى تأخر اكتشاف الحالة، وسوء اختيار طرق العلاج، والتعامل مع الطفل بشكل غير مناسب، وتعزيز الوصمة الاجتماعية. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الوعي بطبيعة التوحد هو الخطوة الأولى نحو التدخل المبكر، الذي يمثل العامل الأهم في تحسين حياة المصابين.
الإعلام… المصدر الأول
كشف الاستطلاع أن 68.4% من المشاركين يعتمدون على وسائل الإعلام كمصدر رئيسي للمعلومات، و15.8% على وسائل التواصل الاجتماعي، و10.5% فقط على تجربة شخصية مباشرة. هذه النتيجة تضع وسائل الإعلام في موقع بالغ الحساسية؛ فهي المصدر الأول للمعرفة، لكنها في الوقت ذاته لم تنجح بالكامل في تصحيح المفاهيم. وهنا تبرز إشكالية مزدوجة: اعتماد الجمهور على الإعلام مقابل قصور بعض المحتوى الإعلامي في تقديم معلومات دقيقة ومبسطة. وتشير تقارير اليونيسف إلى أن ضعف التوعية المتخصصة في المجتمعات النامية يؤدي إلى انتشار مفاهيم غير دقيقة حول التوحد، وهو ما يتسق مع نتائج هذا الاستطلاع.
غياب الاحتكاك
من بين النتائج الأكثر دلالة أن 94.7% من المشاركين لا يعرفون شخصًا مصابًا بالتوحد في محيطهم القريب. وهذا الغياب شبه الكامل للاحتكاك المباشر يعكس حالة من “العزلة الاجتماعية”، حيث لا يحظى الأشخاص ذوو التوحد بفرص كافية للاندماج في الحياة اليومية. وفي ظل غياب التجربة المباشرة، يصبح من الطبيعي أن تتشكل الصور الذهنية من مصادر غير دقيقة، ويزداد التردد في التعامل، وتستمر الوصمة الاجتماعية، وهي ظاهرة تشير إليها منظمة الصحة العالمية باعتبارها أحد أكبر التحديات التي تواجه الأسر. عند سؤال المشاركين عن البيئة التعليمية الأنسب، كانت الإجابات أن 89.5% فضلوا المدارس المتخصصة، و10.5% فقط أيدوا المدارس العادية. هذه النتائج تكشف عن مفارقة مهمة؛ فالمجتمع يرفض عزل الطفل داخل المنزل، لكنه لا يثق في قدرته على الاندماج داخل المدارس العادية. هذا التوجه يعكس ضعف الوعي بمفهوم الدمج التعليمي، الذي تؤكد اليونسكو أنه يمثل حقًا أساسيًا، ويسهم في تطوير مهارات التواصل، وتعزيز التفاعل الاجتماعي، وتقليل العزلة. وبالتالي فإن تفضيل المدارس المتخصصة قد يكون نابعًا من رغبة في الحماية، لكنه قد يؤدي – دون قصد – إلى تكريس العزلة.
مفارقة لافتة
رغم كل ما سبق، جاءت نتيجة بالغة الأهمية، وهي أن 89.5% من المشاركين أبدوا استعدادًا لتقبل ودمج الأشخاص ذوي التوحد. هذه النتيجة تمثل نقطة ضوء حقيقية، وتكشف أن المجتمع لا يعاني من رفض، بل من نقص في الفهم. بمعنى آخر، هناك أرضية إنسانية خصبة يمكن البناء عليها، إذا ما تم تزويدها بالمعرفة الصحيحة. عند الربط بين النتائج، تتضح صورة أكثر شمولًا: المجتمع يعتمد على الإعلام، لكنه لا يحصل على معرفة دقيقة، ولا يمتلك تجربة مباشرة، فيعتمد على تصورات غير مكتملة. ويرغب في الدمج، لكنه لا يعرف كيف يطبقه. وهنا تتشكل الأزمة الحقيقية: فجوة بين النية والمعرفة، بين التعاطف والفهم.
أخطر ما تكشفه النتائج
يمكن تلخيص أبرز التحديات في: الخلط بين التوحد والإعاقة الذهنية، الاعتماد على مصادر معلومات غير متخصصة، ضعف الوعي بمفهوم الدمج، غياب الاحتكاك المباشر، وقابلية بعض الأسر للوقوع ضحية مراكز غير موثوقة.
وفي قراءة متأنية لنتائج استطلاع الرأي الذي أجرته «اللواء الإسلامي»، يبرز تناقض مجتمعي يحتاج إلى تدخل وتصحيح عاجل من المتخصصين؛ فبينما أبدى الأغلبية العظمى (91% من المشاركين) رغبة صادقة في تقبل مصابي التوحد ودمجهم، اختار العدد ذاته مسار العزل بتفضيل إلحاقهم بـ»مدارس متخصصة» لاعتقادهم الخاطئ بأن التعليم النظامي لن يستوعبهم. هنا تتدخل السيدة مها هلالي، مستشار وزير التضامن السابق لشئون الإعاقة، وعضو المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، ورئيسة الجمعية المصرية لتقدم الأشخاص ذوي الإعاقة والتوحد، لتصحح هذه المفاهيم وتضع خريطة طريق واضحة للدمج الحقيقي. ففي رد عملي على التخوف المجتمعي من الدمج التعليمي، تؤكد «هلالي» بلغة الأرقام أن المدارس النظامية هي المكان الطبيعي للمصابين متى توفر الدعم، موضحة أن «التشخيص والتدخل المبكر يرفعان من قدرات الأطفال بشكل ملحوظ؛ فمن بين كل 5 أطفال يلتحقون ببرامج التدخل المبكر، ننجح – بفضل الله – في تأهيل 3 منهم للدمج الكامل في المدارس النظامية».

الدمج العكسي
ولعلاج إشكالية «العزلة المجتمعية» التي كشف عنها الاستبيان —حيث أقر 95% من المشاركين بعدم وجود أي احتكاك مباشر لهم مع مصابين بالتوحد— تطرح «هلالي» حلولاً مبتكرة لكسر هذه الحواجز، مثل تطبيق «الدمج العكسي» الذي يسمح بتواجد وتفاعل الأطفال غير المعاقين مع أقرانهم من ذوي التوحد. ولا يتوقف طموح الدمج عند التعليم، بل يمتد وفقاً لتصريحاتها إلى الدمج المهني وتوفير فرص عمل مؤسسية تضمن استقلاليتهم، لتؤكد في النهاية أن «تمكين ذوي التوحد هي مسئولية مجتمعية، والدمج الحقيقي لهم يعزز من قوة المجتمع واستقراره»، وهو ما يضعنا أمام ضرورة تحويل نوايا «التقبل المجتمعي» العاطفية التي أظهرها الاستبيان، إلى ممارسات دمج فعلية وواعية. وفي قراءة متأنية للنتيجة الأبرز في الاستطلاع، والتي كشفت عن تخوف الغالبية العظمى من التعليم النظامي وميلهم إلى إلحاق الأطفال ذوي التوحد بـ «مدارس متخصصة» كخيار آمن، يبرز دور الخبراء لتصحيح هذا المسار التربوي وتبديد هذه المخاوف المجتمعية. وهنا يوضح د. محمد الحناوي، خبير التعليم الدمجي، أن الدمج التعليمي والمجتمعي هو الأساس للوصول بأبنائنا إلى «أفراد فاعلين في المجتمع يتمتعون بكافة حقوقهم».
أطراف المنظومة
ولأن مخاوف الأسر والمجتمع مشروعة وتتطلب حلولاً عملية، يضع الدكتور «الحناوي» روشتة علمية لنجاح الدمج المدرسي؛ مشيراً إلى أن الأمر يتطلب تكاملاً بين أطراف المنظومة عبر دعم «دور ولي الأمر لاستكمال دور الأخصائي في المراكز التخصصية والمعلم في المدرسة الدامجة». ولتحقيق هذه المعادلة، يقود الحناوي مبادرات رائدة لتدريب أسر الأطفال ذوي التوحد المدمجين بالمدارس النظامية، مشدداً على أهمية «الاكتشاف المبكر، وتطبيق مراحل التدخل الطبي والحسي والسلوكي لتنمية القدرات، جنباً إلى جنب مع المتابعة الأكاديمية لأبنائنا في التعليم الدامج، وخاصة في المواد التأسيسية كالقراءة والكتابة والحساب».
وبهذا الطرح المتخصص، يتضح للقارئ أن الإشكالية لا تكمن في قدرة الطفل على استيعاب التعليم النظامي كما يعتقد البعض، بل في حاجتنا الماسة لتأهيل البيئة المدرسية وتدريب الكوادر والأسر لضمان نجاح تجربة الدمج، وهو ما يدحض الاعتقاد السائد بضرورة عزلهم في مدارس منفصلة.

معالجة إعلامية
يخلص فريق إجراء الاستطلاع ووفق كل ما سبق إلى أن هذه النتائج تفرض على المؤسسات الإعلامية، تبني مقاربة مختلفة، تقوم على تصحيح المفاهيم عبر تقديم محتوى علمي مبسط يشرح طبيعة التوحد بوضوح، وإشراك الخبراء في مجالات الطب، والتربية، وعلم النفس، والفقه، وإبراز النماذج الناجحة لدمج الأشخاص ذوي التوحد في التعليم والعمل، وحماية الأسر من خلال نشر معلومات موثوقة حول التشخيص والعلاج.
مظلة التشريع.. حين يتحول «التعاطف المجتمعي» إلى «حق ملزم»
إذا كانت نتائج استطلاع «اللواء الإسلامي» قد كشفت بوضوح عن مفارقة مجتمعية تتمثل في الرغبة العاطفية في الدمج مقابل غياب الوعي بآلياته —خاصة في تفضيل نحو 90% من المشاركين عزل ذوي التوحد في «مدارس متخصصة»— فإن هذا التناقض يضعنا مباشرة أمام حتمية «التدخل التشريعي». فالوعي المجتمعي وحده، مهما بلغ نضجه أو تعاطفه، لا يكفي لتحقيق دمج حقيقي ما لم تظلله نصوص قانونية صارمة تحول هذه النوايا الطيبة إلى حقوق مكتسبة واجبة النفاذ، وتجبر المؤسسات على فتح أبوابها التي يخشى المجتمع طَرْقها.
تاريخياً وعالمياً، أرست الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، التي صدقت عليها مصر، مبادئ جوهرية غيرت النظرة تجاه الإعاقة من منظور «الرعاية الخيرية» إلى منظور «حقوق الإنسان». وقد ألزمت الاتفاقية الدول بضمان الحق في التعليم الدامج والعمل دون تمييز. هذا الالتزام الدولي انعكس جلياً في الدستور المصري لعام 2014، وتحديداً في المادة (81)، التي ألزمت الدولة بضمان حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة صحياً واقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً، وتهيئة المرافق والبيئة المحيطة لضمان دمجهم الشامل، وهو ما يرد بشكل قاطع دستورياً على فكرة «العزل التربوي» التي مالت إليها عينة الاستطلاع.
وتتويجاً لهذه الاستحقاقات، جاء القانون رقم 10 لسنة 2018 ولائحته التنفيذية ليمثل العصر الذهبي للتشريعات الداعمة، وليشتبك مباشرة مع المخاوف التي رصدها الاستطلاع. فبينما يرى أغلبية المستطلعين أن المدارس المتخصصة هي الحل الآمن، جاء القانون ليقر الحق في «التعليم الدامج»، ملزماً المدارس والجامعات بقبول الأشخاص ذوي الإعاقة ومجرماً رفضهم بأي حجة. كما حمل القانون مكتسبات جوهرية لأسر التوحد، شملت الحق في التشخيص المبكر، والتغطية بالتأمين الصحي، وحق الجمع بين معاشين، وخفض ساعات العمل للمصاب أو لمن يرعاه، والالتزام باستيفاء نسبة 5% في التوظيف، مع تغليظ عقوبات التنمر التي تُعد —وفقاً للاحتكاك المجتمعي— أحد أهم أسباب تخوف الأسر من دمج أبنائها.

احتياجات تشريعية عاجلة
ورغم هذه الترسانة التشريعية القوية، فإن الخلط المفاهيمي لدى 52% من المشاركين في الاستطلاع حول طبيعة التوحد، يفرض احتياجات تشريعية ورقابية ملحة لسد بعض الفجوات التنفيذية المتبقية، وأبرزها:
• تقنين مراكز التأهيل وتغليظ العقوبات: فغياب الوعي المجتمعي بطبيعة «الطيف» يجعل الأسر فريسة سهلة لما يُعرف بـ «مراكز التخاطب غير المرخصة»، التي تستنزفهم مالياً ونفسياً وتتطلب تدخلاً تشريعياً حاسماً لرقابتها وتجريم غير المتخصصين. 
• التقنين الوظيفي لـ «معلم الظل»: لكي نُقنع الـ 90% الرافضين للتعليم النظامي بجدوى الدمج، يجب تدخل المشرع بقرارات ملزمة لتنظيم عمل مرافق الطالب (Shadow Teacher) داخل المدارس، وتحديد الجهة المسؤولة عن تأهيله وتحمل تكلفته بدلاً من تركه لابتزاز بعض المؤسسات التعليمية الخاصة. 
• التأهيل المهني المخصص: نحتاج إلى تشريعات تلزم قطاعات العمل بتوفير برامج تدريب مهني (ورش محمية) تتناسب مع تباين القدرات النمائية لذوي التوحد، مع منح حوافز ضريبية للشركات الدامجة.  في النهاية، يؤكد الاستطلاع أن النص القانوني —مهما بلغ رُقيه— يظل رهناً بآليات تطبيقه ووعي المجتمع به. فاكتمال دائرة الدمج الحقيقي لا يحتاج فقط إلى تشريع يحمي، بل يتطلب مجتمعاً يفهم ويتقبل، وإعلاماً يوجه بوصلة الوعي نحو تطبيق القانون، لا مجرد استدرار التعاطف.

المجتمع في منتصف الطريق
تكشف نتائج الاستطلاع أن المجتمع المصري يقف في منطقة “منتصف الطريق”، يمتلك استعدادًا إنسانيًا حقيقيًا للتقبل، لكنه يفتقر إلى المعرفة التي توجه هذا الاستعداد نحو سلوك صحيح. وبينما يواصل العالم جهوده خلال شهر التوعية بالتوحد، يبقى التحدي الأكبر ليس في تكرار الرسائل، بل في تحويل المعرفة إلى وعي… والوعي إلى ممارسة يومية.
واللواء الإسلامي إذ تقدم هذه التجربة لقارئها العزيز فهي تستهدف أن تمثل مبادرتها الصحفية خطوة أولى نحو هذا الهدف، حيث لا تكتفي الصحافة بدورها التقليدي في نقل الواقع، بل تسهم في إعادة تشكيله… نحو مجتمع أكثر فهمًا، وعدلًا، واحتواءً.

 

 

ترشيحاتنا