شاشةٌ بيننا وبين أنفسنا: هل ضاعت أخلاقنا في "زحام السيبرانية"؟

د. إبراهيم نجم
د. إبراهيم نجم

بقلم: د. إبراهيم نجم
المستشار العام لمفتي الجمهورية

قرأت مؤخرًا كتابًا يحمل عنوان "التأثير السيبراني" للدكتورة "ماري آيكن"، وهي عالمة نفس متخصصة في هذا المجال. وبينما كنت أطالع صفحاته، وجدت نفسي أردد: "لا حول ولا قوة إلا بالله"؛ فالكتاب لا يتحدث عن التكنولوجيا كآلات، بل يتحدث عنا نحن، عن نفوسنا، وكيف تغيرت وتبدلت حين وقفنا خلف تلك الشاشات الزجاجية.

اقرأ أيضاً| رسالة العيد في زمن التحديات

أول ما لفت نظري في هذا الكتاب هو ما تسميه المؤلفة "تأثير عدم التحفظ"، وهي فكرة، لو تأملتم، لوجدتموها تمس جوهر ديننا.

فنحن في "الحياة الواقعية"، حين نسير في شوارع القاهرة أو نجلس في مساجدنا، يحكمنا "الحياء"، وتضبطنا "المروءة". لكن ماري آيكن تقول إن الإنسان حين يدخل الإنترنت يرتدي "قناعًا" يجعله يتجرأ على ما لم يكن يجرؤ عليه من قبل.

فترى الشاب الذي كان خجولًا في محيطه يتحول إلى "متنمر" أو "سليط اللسان" خلف لوحة المفاتيح، وترى من كان يغض بصره ينساق وراء فتن ما كان ليدخلها لولا هذا الشعور الزائف بأن "لا أحد يراه". ولكننا نقول لهؤلاء: "ألم يعلم بأن الله يرى"؟

إن التكنولوجيا قد وفرت لنا "خلوة" مع الشاشة، ولكنها خلوة كشفت عن معادن النفوس؛ فمنهم من اتخذها سبيلًا للعلم والبر، ومنهم من سقط في فخ "التأثير السيبراني" ففقد وقاره وأدبه.

تقول المؤلفة في كتابها إن الإنترنت ليس مجرد وسيلة اتصال، بل هو "مُضاعِف" للسلوك البشري، فإذا كان في قلب الإنسان ذرة من غل أو تطرف، فإن الخوارزميات السيبرانية تأخذ هذا الغل وتنفخ فيه حتى يصبح نارًا تحرق المجتمع.

نحن في مصر نعتز بترابطنا، لكن انظروا ماذا فعلت بنا مواقع التواصل؛ لقد جعلت من "الخلاف" صراعًا، ومن "وجهة النظر" حربًا شعواء. والكتاب يوضح أن الإنترنت يجمع أصحاب الميول المتطرفة أو الشاذة في "غرف مغلقة"، فيظن الواحد منهم أن العالم كله مثله، فتنمو الأفكار الغريبة وتتضخم بعيدًا عن نور الحقيقة وضوابط المجتمع السوي، وهذا هو عين ما نراه من هجمة على قيمنا الأسرية والدينية تحت مسميات "الحرية" و"التريند".

وهنا، يا أحبابي، أقف وقفة حزينة عند أهم فكرة ساقتها الدكتورة آيكن؛ إذ تقول المؤلفة بوضوح: "إن الإنترنت لم يُصمم للأطفال". لقد بُني هذا العالم الرقمي من أجل البالغين ولأغراض تجارية وبحثية، ولكننا - وبكل أسف - ارتكبنا "جريمة" في حق أبنائنا حين تركناهم يسبحون في هذا البحر الهائج دون قارب أو شراع.

إنها تشبه الأمر بـ"المقامرة"، فكل مرة نترك فيها طفلًا مع هاتف متصل بالإنترنت دون رقابة، نحن نراهن على براءته ونقاء روحه. إن التأثير السيبراني على عقول الأطفال أخطر مما نتخيل؛ فهو يعيد صياغة أدمغتهم، ويجعلهم عرضة للتحرش الرقمي، وللمشاهد الخادشة التي تدمر فطرتهم السليمة قبل أن تنضج.

يا أيها الآباء والأمهات، إن "المرونة" التي تظنون أن أطفالكم يكتسبونها من التكنولوجيا هي في الحقيقة "تآكل" لقيم التركيز والحياء.

إننا مسؤولون أمام الله عن هذه الأمانة، ولا يعقل أن نحمي أطفالنا من برد الشتاء ونتركهم لـ"صقيع" المواقع الإباحية والأفكار الهدامة في غرفهم المظلمة.

تختم ماري آيكن كتابها بالدعوة إلى "قوانين سيبرانية" تحمي البشرية، وتشبه الفضاء الرقمي بالبحار والمحيطات التي تحتاج إلى خرائط وقوانين تنظمها. ونحن نقول من منبر هذه الجريدة الغراء: إن القانون الأسمى هو "وازع الضمير".

لقد أصبحنا نعيش في عالم "اللا مكان"، حيث يغيب الرقيب البشري؛ لذا فإن حاجتنا إلى تقوية الإيمان في قلوب أبنائنا أصبحت اليوم أوجب من أي وقت مضى.

إن "التأثير السيبراني" يحاول أن يسلبنا "إنسانيتنا"، ويحولنا إلى مجرد أرقام ومستهلكين، تتقاذفنا الأمواج الرقمية كيفما تشاء.

التكنولوجيا نعمة إذا أحسنا لجامها، ونقمة إذا أفلح سحرها في تغيير طباعنا. لا تجعلوا الشاشة حاجزًا بينكم وبين أبنائكم، ولا تجعلوا "الإعجابات" و"المشاركات" هي معيار قيمتكم عند الله أو عند الناس.

كتاب "التأثير السيبراني" يخبرنا بالحقيقة المُرّة من منظور العلم، ونحن نؤكدها لكم من منظور الدين: النفس البشرية ضعيفة أمام الفتن، والإنترنت هو "أكبر فتنة" عرفها هذا العصر. فكونوا على حذر، واستعيدوا سيطرتكم على بيوتكم وعقولكم.

اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واحفظ بلادنا وأبناءنا من كل سوء ومكروه.
 

 

ترشيحاتنا