تقرير: صابررمضان
المدرسة المصرية فى تلاوة القرآن الكريم مدرسة عريقة تضرب بجذورها فى أرض الإسلام من المشرق إلى المغرب، ليس كمثلها شئ، يقرأ من يقرأ ويحفظ من يحفظ، ويبقى للقراء المصريين والحفظة الكرام من أهل مصرمذاق خاص، نبع صافٍ رقراق، تنطلق حناجر الكبار الذهبية بقراءات القرآن الكريم كاملة مرتلة ومجودة، من الشيخ على محمود والكبير محمد رفعت والعملاق مصطفى إسماعيل والباكى محمد صديق المنشاوى والمدقق محمود خليل الحصري، وصوت مكة الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، والصوت الحنون محمود على البنا وغيرهم كثر من العمالقة على امتداد السنين ومر الأيام، تبقى أصواتهم خالدة مادامت الدنيا، ملوك على عرش التلاوة وإن رحلوا بأجسادهم تبقى حناجرهم الذهبية تصعد بالقرآن الكريم إلى عنان السماء، وعلى امتداد مدرسة التلاوة المصرية أجيال وراء أجيال، ومن بين سدنة القرآن فى مصر فضيلة القارئ الشيخ عبدالعاطى ناصف رحمه الله، ذلك الزاهد المتواضع المحب لأهل القرآن، من القرية بدأ وفى الأزهر قرأ وإلى العالمية وصل، فهو من أهم القراء العظماء الذين تربعوا على عرش دولة التلاوة المصرية، وقد تفرد عدد من رموز دولة التلاوة المصرية بلقب اشتهر به وعرف عنه، ومن بين هؤلاء الشيخ عبدالعطى ناصف الملقب بقارئ الأولياء.
«اللواء الإسلامى» التقت أسرة فضيلة الشيخ عبدالعاطى ناصف رحمه الله لتستعرض رحلته مع التلاوة من الميلاد إلى الممات رحمه الله.
الميلاد والنشأة
فى البداية يقول أحمد عبد العاطى(المحامى بالنقض) نجل فضيلة الشيخ عبدالعاطى –رحمه الله- ولد أبي الشيخ عبدالعاطى حسن على ناصف بحارة سيدى العريان بمركز ومدينة شبين القناطر بمحافظة القليوبية فى 13 يناير 1933، وفى عام 1944 توفى والده فتولى جده أمر تعليمه وتربيته وتحفيظه القرآن الكريم، وفى إحدى المرات استمع له ناظر المدرسة الأستاذ (عبدالخالق) وهو يقرأ القرأن الكريم، من قول الله تعالى( والسماء والطارق) فطلب منه مقابلة ولى أمره وأثناء مقابلته أخبره بضرورة مواصلة حفظه للقرآن وتعلم التجويد ، وبالفعل حفظ القرآن فى الثانية عشرة من عمره، ثم أتم التجويد والقراءات على يد الشيخ على أبو أحمد بقرية الأحراز مركز شبين القناطر بالقليوبية، دون مقابل وذلك إعجابًا بصوته وتقديرًا منه لموهبته.، وبدأ يقرأ القرآن فى مرحلة الصغر من سن(12-15) سنة ، وفى يوم من الأيام ذهب مع جده رحمه الله لأداء واجب العزاء فى أحد أهالى شبين القناطر وقرأ القرآن الكريم فجذب القلوب، وخلال تواجده بالمسجد الكبير لأداء صلاة الجمعة طلب منه شيخ المسجد قراءة قرآن الجمعة فأعجب به الدكتور هلال عبدالوهاب مدير مستشفى القناطر وطلب منه قراءة القرآن فى بيته طوال شهر رمضان، وعرفه الناس وبدأوا يطلبونه لإحياء المناسبات الدينية وفى سرادقات العزاء ، وقد قرأ بالفعل فى مناسبات عديدة وذاعت شهرته فى كل محافظات مصر.وبدأ يتردد على مسجد سيدنا الشيخ الشبراوى بالدراسة منذ عام 1955 وقابل الشيخ الشبراوى الذى رأى رؤيه له بأنه سوف يعتمد بالإذاعة.
الإذاعة
ويستكمل نجل القارئ الكبير: تقدم والدى للإذاعة ثلاث مرات حتى تم اعتماده ، وكا حكى هو بشخصه رحمه الله، إنه تقدم فى عام 1957 لأول مرة ولم يقبل، ثم فى عام 1962 للمرة الثانية ولم يقبل أيضًا وظل حتى عام 1974 ثم تقدم للإذاعة حتى تم اعتماده بالفعل ليقرأ بالبرنامج العام مباشرة ، وكانت أول قراءة له فى الاستديو من سورة البقرة بدءا من قول الله تعالى:» ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب فثم وجه الله» لمدة نصف الساعة، ثم قرأ فى 11 ربيع الأول عام 1974 أول فجر من قوله تعالى:» وإذا نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة» من مسجد سيدنا الحسين وتوالت القراءات، وكانت أول قراءة لقرآن الجمعة من مسجد الرفاعى بحى القلعة بالقاهرة، وقد سجل الكثير من التسجيلات للإذاعة قبل أن يكمل عامه الخامس والعشرين.
الزواج والأبناء
وعن زواج فضيلة الشيخ عبدالعاطي يقول نجله: تزوج والدى رحمه الله وعمره خمسة وعشرين عامًا من والدتى وكانت قريبة له، وقد رزقه الله من الأبناء ذكورًا وإناثًا، أما الذكور فهم ( عبدالخالق،موجه بالتربية والتعليم وهو الابن الأكبرله، ثم الشيخ حسن الذى توفى فى حادث، ثم أنا ثم الشيخ حسين والذى سار على نهج والده فى قراءة القرآن بعد حصوله على بكالوريوس التجارة، وقد فاز بالمركز الأول فى مسابقة حفظ القرآن الكريم، وانضم إلى نقابة القراء د.مصطفى أستاذ بمركز البحوث الزراعية، أما البنات فهنَّ الحاجة زينب زوجة الدكتور مصطفى الطنطاوى والحاجة فاطمة زوجة الكيميائي محمد بدر والصغرى الحاجة هدى وهى موظفة بوزارة العدل زوجة المستشار علاء فتح الباب رئيس محكمة جنايات القاهرة).
ارتباطه بمساجد الأولياء
ويضيف نجله: ارتبط والدى بمسجد الشيخ الشبراوى بعد وفاة نجله حسن فى حادث، عام 1982أثناء دراسته بالفرقة الثالثة بكلية أصول الدين،جامعة الأزهر، مما كان له الأثر السيئ فى نفس الشيخ عبدالعاطى ناصف، فاتجه إلى التصوف وملازمة مساجد آل البيت مثل مسجد السيدة عائشة والسيدة زينب والإمام الشافعى، واستقر به المقام فى مسجد الشيخ الشبراوى بالدراسة، وكان يرفض السفر، حيث جاءته دعوات للسفر إلى جميع دول العالم، لكنه كان يرفض، وكان لايخرج من مسجد الشبراوى إلا مرتين فى الشهر لرؤيتنا، وعند القراءة فقط، وظل هكذا حتى عام 2002، وفى إحدى المرات اضطر إلى أن يحل مكان المبتهل الذى غاب خلال صلاة الفجر معه وكانت الصلاة مذاعة على الهواء فقام بالتلاوة ثم أدى الابتهالات ليجمع بين الأمرين.
الشعراوى وطنطاوى
ربطت الشيخ عبدالعاطى ناصف علاقة قوية بإمام الدعاة الشيخ محمد متولى الشعراوى الذى رافقه فى كثير من التسجيلات ، حتى أن الشيخ «الشعراوى» أوصى قبل وفاته بأن يقرأ الشيخ عبدالعاطى ناصف والشيخ على حجاج السويسى فى سرادق العزاء الخاص به، حتى أن الشيخ عبدالعاطى ظل يقرأ فى السرادق المقام أمام مسجد الإمام الحسين لمدة خمسة أيام وأبلغه بوصية إمام الدعاة الشيخ شعبان الغرباوى وكيل وزارة الأوقاف بالقاهرة وقتها.
أما علاقته بفضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر رحمه فقد كلفه بالقراءة فى الجامع الأزهر الشريف أسبوعيًا بالتناوب مع القارئ الشيخ محمد محمود الطبلاوى.
الجيل الذهبي
يستكمل الحديث صهره المستشار علاء فتح الباب(رئيس محكمة جنايات القاهرة) قائلا: الشيخ عبدالعاطى ناصف رمز من رموز التلاوة فى العالم الإسلامى، وعلى المستوى الشخصي كنت أحبه مثل والدى، فقد كان رجلا تقيًا، يمتاز بالتواضع الشديد جدًا مع كل الناس، وقد تقدمت لخطبة كريمته 1999 وكان ذلك اليوم هو أول يوم قرأ فيه مولانا فى الأزهر الشريف فى شهر سبتمبر 1999 وكنت من مرتادى مساجد آل البيت وهو كان عاشقًا لها، وكل يوم جمعة كنت أصلي معه، وفى أحيان كثيرة كنت أصلي معه يوم الجمعة فى شبين القناطر، وقد حضرت معه أمسيات كثيرة، وكان الشيخ الطبلاوى يقول عنه»كان ماهرًا بالقرآن يقرأ القرآن كما أنزل.
ومما يذكر للشيخ عبدالعاطى أنه كان يشعر بالتجلى حينما يقرأ قول الله تعالى:» يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب» (المائدة: 109) و أنه كان يحب قراءة الشيخ كامل يوسف البهتيمى والذى كان يحيي ليالي كثيرة معه، وكان يستمع للشيخ طه الفشنى أيضًا، وكان يعجبه الشيخ شعبان الصياد، والشيخ محمد الصيفي، وقد قرأ معه مرة واحدة فى أحد العزاءات.
الرحيل
وعن الرحيل يقول صهره المستشار علاء فتح الباب: فى أواخر حياته كان قد تقدم فى السن إلا أنه لم يشك من أى مرض، حتى عاد فى أواخر أيامه إلى بلدته بشبين القناطر ولم يستمر طويلًا حتى توفاه الله، يوم الأحد 8-6-2014 عن عمر يناهز الثمانين عامًا بعد حياة حافلة بالعطاء لكتاب الله ، وتم تشييع جنازته الاثنين 9-6-2014 من المسجد الكبير بشبين القناطر ودفن بمقابر الأسرة، وقد حضر العزاء جموع غفيرة من محبيه من كل الدول والبلدان، وقرأ فى عزائه مقرئون كثر منهم الشيخ محمود الخشت والشيخ عبدالفتاح الطاروطى والشيخ محمد محمود الطبلاوى نقيب القراء.



