رسالة العيد في زمن التحديات

 د. إبراهيم نجم
 د. إبراهيم نجم

بقلم:  د. إبراهيم نجم
المستشار العام لمفتي الجمهورية

 

فى كل عام يأتي العيد حاملاً معه رسالةً عميقة، تتجاوز حدود المظاهر لتصل إلى جوهر الرسالة الإسلامية التي تقوم على الرحمة والتراحم والتكافل بين الناس. 
غير أن العيد هذا العام يحلّ على منطقتنا فى ظل ظروف إقليمية مضطربة، حيث تتزاحم الأزمات وتتعالى أصوات الألم فى أكثر من ساحة، وفىمثل هذه اللحظات، يصبح استحضار المعنى الحقيقي للعيد ضرورة أخلاقية وروحية، لا مجرد مناسبة اجتماعية عابرة.
لقد علّمنا الإسلام أن الفرح في العيد ليس غفلةً عن آلام الآخرين، بل هو إعلانٌ متجددٌ عن قدرة الإنسان على التمسك بالأمل رغم الشدائد. فالرسالة العميقة للعيد هي أن الإيمان يمنح الإنسان قوةً روحية تجعله قادراً على تجاوز المحن، وأن المجتمعات التي تتماسك حول قيم الرحمة والتكافل تستطيع أن تتجاوز العواصف مهما اشتدت.
وإذا نظرنا إلى واقع منطقتنا اليوم، فإننا نجد أن ما يحيط بنا من صراعات وتوترات يضع على عاتق المؤسسات الدينية والفكرية مسئولية مضاعفة. فالدين في مثل هذه اللحظات يجب أن يكون صوتاً للحكمة، وجسراً للأمل، ومصدراً لإحياء القيم التي تحفظ المجتمعات من الانزلاق إلى اليأس أو الفوضى. وليس من رسالة العيد أن يؤجج الغضب أو يوسّع دوائر الانقسام، بل أن يذكّر الناس بأن الرحمة والتكافل هما الطريق الحقيقي لبناء السلام.
ومن هنا فإننا، ونحن نستقبل أيام العيد المباركة، يجب أن نتوقف قليلاً لنتأمل في معنى الأخوة التي أكدها الإسلام تأكيداً واضحاً. فالمسلم لا يفرح لنفسه وحده، بل يرى في فرحته مسئولية تجاه الآخرين. ولهذا ارتبط العيد في تقاليدنا الإسلامية بالصدقة والزكاة وصلة الرحم ومواساة المحتاجين، لأن الفرح الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يتسع ليشمل المجتمع كله.
إن مصر، بتاريخها الحضاري ودورها في العالمين العربي والإسلامي، كانت دائماً صوتاً للعقل والاعتدال، وركيزةً للاستقرار في محيط إقليمي كثير الاضطراب. 
ومن هذا المنطلق، فإن الرسالة التي ينبغي أن يحملها خطابنا الديني في هذه الأيام هي التأكيد على قيم البناء لا الهدم، وعلى منطق الإصلاح لا الفوضى، وعلى ثقافة الحياة لا ثقافة الكراهية.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تنجرف وراء خطاب الغضب والانفعال تفقد قدرتها على رؤية المستقبل بوضوح. أما المجتمعات التي تتمسك بالحكمة والتوازن، فإنها تستطيع أن تحول حتى الأزمات الكبرى إلى فرص للتجديد والبناء. وهذه هي الروح التي ينبغي أن نستحضرها في العيد: روح الثقة في قدرة الإنسان على إصلاح واقعه، وروح الإيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل إذا أحسنّا العمل اليوم.
ولعل من أجمل ما في العيد أنه يعيد ترتيب أولويات الإنسان. ففي خضم الصراعات السياسية والاقتصادية، قد ينسى الإنسان أحياناً أن أساس العمران هو القيم الأخلاقية التي تربط الناس بعضهم ببعض. والعيد يذكّرنا بأن الأسرة المتماسكة، والمجتمع المتراحم، والدولة المستقرة، كلها حلقات في منظومة واحدة لا يمكن أن ينهض بعضها دون الآخر.
كما أن العيد يمنحنا فرصةً لإعادة بناء الجسور بين الناس. فكم من خلافٍ يمكن أن يزول بكلمة طيبة، وكم من قلوبٍ يمكن أن تعود إلى الصفاء عندما يتقدم الإنسان خطوة نحو التسامح. وفي عالمٍ تتسارع فيه الأخبار المؤلمة، يصبح نشر روح الأمل والتراحم عملاً حضارياً بامتياز.
إن منطقتنا اليوم في حاجة ماسة إلى خطابٍ ديني يعيد للإنسان ثقته بالمستقبل، ويؤكد أن الإيمان ليس انسحاباً من الواقع بل قوة دافعة لإصلاحه.
 وهذا هو المعنى الحقيقي الذي ينبغي أن نحمله ونحن نحتفل بالعيد: أن نُجدّد العهد مع قيم الرحمة والتكافل والعمل، وأن نتذكر أن الأزمات مهما طالت لا يمكن أن تلغي قدرة الإنسان على صناعة الأمل.
ومن هنا فإن رسالة العيد إلى شعوب منطقتنا واضحة: لا تسمحوا لثقل اللحظة الراهنة أن يسرق منكم الإيمان بالمستقبل. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي تحافظ على تماسكها الداخلي وقيمها الأخلاقية تستطيع أن تتجاوز أصعب المراحل.
فلنجعل من العيد مناسبة لتجديد روح التضامن بيننا، ولتعزيز الثقة في قدرة مجتمعاتنا على النهوض من جديد. 
ولنتذكر دائماً أن الرسالة الكبرى للإسلام هي أن الرحمة أقوى من الكراهية، وأن البناء أقوى من الهدم، وأن الأمل هو الوقود الحقيقي لكل نهضة.
وكل عام وأنتم بخير، وأمتنا العربية والإسلامية أكثر أمناً واستقراراً وسلاماً.

 

ترشيحاتنا