بقلم: د. أسامة الأزهرى
وزير الأوقاف
فى زمنٍ تتشابك فيه المفاهيم، وتتداخل فيه الأصوات بين الحق والباطل، جاء مشروع «الحق المبين»؛ الذي تم من خلاله تحويل كتاب «الحق المبين فى الرد على من تلاعب بالدين» إلى مقالات يتم نشرها تباعًا بجريدة «اللواء الإسلامى» الغراء؛ ولم يكن الدافع من ورائها رغبةٌ فى الجدل أو الدخول فى سجالات فكرية، بل كان ذلك قيامًا بواجبٍ دينيٍّ ووطنيٍّ موزونٍ بميزان العلم، ومعروضٍ على موازين الحكمة، والمنطق، والفكر الرصين؛ ليكون منارةً لتصحيح المسار، وحائطَ صدٍّ أمام تيارات التطرف التي عبثت بالنصوص الشرعية، وشوَّهت صورة الدين، وأساءت إلى قيمه العليا.
إن أعظم ما يتميز به العقل الأزهري هو احترام العلم وتعظيمه، وتواضعه أمامه، وإخلاصه وتجرده في طلبه؛ فالعالم الأزهري يقضي ما بين عشر إلى خمس عشرة سنة منقطعًا عن الدنيا، متفرغًا للعلم، متشربًا أصوله وقواعده، حتى يصبح قادرًا على فهم النصوص الشرعية فهمًا صحيحًا، وتطبيقها على الواقع بما يحقق مقاصد الشريعة ويضبط حياة الناس. وقد أقام الأزهر الشريف تكوينه العلمي على خريطة علمية دقيقة تتكون من اثني عشر علمًا، موزعة على أربع دوائر متكاملة: دائرة الفهم والإفهام، وتشمل علوم النحو والصرف والبلاغة والمعاني والبديع، وهي التي تهذب اللسان وتفتح مدارك الفهم. ودائرة التثبت والتوثيق، وتضم علوم الحديث والسيرة والتاريخ والجرح والتعديل، وهي التي تحمي من الزلل في النقل. ودائرة الحجية والتحليل، التي تبحث في الدليل العقلي والنقلي، وتوازن بين الفكر والنص. ودائرة بناء الإنسان، وتشمل الفقه والتصوف، أي علم الأخلاق والتزكية وبناء النفس.
هذا البناء العلمي المتين يجعل الطالب الأزهري يرى النص الشريف والواقع معًا، فيفهم القضايا من جميع زواياها، ويكون مؤتمنًا على تفسير القرآن الكريم تفسيرًا صحيحًا مطابقًا لمراد الله تعالى، قادرًا على تحليل مشكلات المجتمع وتحقيق مقاصد الشرع، وكشف مواضع الخلل في كل فكر منحرف؛ فيؤدي واجب الوراثة المحمدية للعالِم الحق الذي ورث علم الأنبياء.
وفي قضية الولاء والبراء نرى أن الجماعات المتطرفة أفسدت مفهومه حين جعلته مسألةً عقديةً، مع أنه في أصله مسألة فقهية تخضع لميزان الحلال والحرام، لا للكفر والإيمان. وقد خرجت في الأعوام الأخيرة مؤلفات تتكلم عن عقيدة الولاء والبراء فأفسدت في الأرض، وخالفت أصول الدين وفروعه.
وإن النهي القرآني عن موالاة الأعداء إنما هو مقيد بحالة الحرب؛ فيكون خيانة للدين والوطن، وليس عامًّا في كل الأحوال. فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ يصف حالة العداء القائم زمن الحرب، بينما قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ هو الأساس في التعامل السلمي الإنساني القائم على البر والقسط؛ فالإسلام لا يدعو إلى العزلة أو القطيعة، بل إلى العدل والإحسان مع من لم يعادِ المسلمين. ولذلك قال الإمام الشاطبي في الموافقات: "والذي يجب أن يكون على بال من المستمع والمتفهم الالتفات إلى أول الكلام وآخره".
والفهم السطحي للنصوص الذي اعتمدته الجماعات المتشددة فيه انتزاعٌ للآيات عن سياقها وعدم تبين مقاصد الشريعة، فتكون كالسمكة إذا أُخرجت من الماء؛ فالنص القرآني يُفسِّر بعضه بعضًا، ولا يُفهم إلا في ضوء لغته وسياقه التاريخي واللغوي والموضوعي.
وبعض الجماعات اعتمدت أحاديث نبوية صحيحة، ولكن في غير مواضعها، ففسرت قول النبي ﷺ: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» على عموم غير المسلمين، بينما قاله النبي ﷺ في بني قريظة الذين خانوا الوطن وأعانوا العدو؛ أي في سياق الحرب والخيانة العظمى، لا في العلاقات الإنسانية اليومية. ومن يوسِّع دلالات الحديث على غير وجهها يجعل الإسلام «دين بلطجة»، وهذا انحراف خطير.
وحين ترك سيد قطب كتب التفسير بزعم أنها تُذهب «لذة القرآن»، وفسر القرآن بعقله المجرد، أنتج مصطلحات وأفكارًا خطيرة أدت إلى التكفير والدماء. وإن غياب المنهج العلمي العاصم من الزلل والانحراف يحول الفهم إلى هائجٍ لا خطام له ولا زمام، يُضِلُّ الناس عن مراد الله تعالى.
فالعقل الأزهري والمنهج الذي رُبِّي عليه هو المنهج القادر على إنقاذ الأمة من التطرف والغلو؛ لأنه عقل منضبط بالعلم، متصل بالتراث، منفتح على الواقع، يرى الدين في ضوء مقاصده الكبرى، ويوازن بين النص والعقل، وبين الثابت والمتغير. فحيث يغيب هذا التكوين الأزهري يظهر الفهم السطحي المبتور الذي يولِّد التكفير والاقتتال.
ورسالة الأزهر ليست فقط تعليم العلم، بل بناء إنسان متزن عاقل رحيم، يفقه دينه ويعرف واقعه، ويصون الأمة من الفكر المنحرف؛ فالعلم عنده ليس ترفًا معرفيًا، بل عبادة ووراثة نبوية، بها يحيا الدين وتستقيم حياة الناس.
وإلى لقاء قادم بإذن الله.



