فى رمضان وكل المناسبات الدينية يبذل الأزهر الشريف جهداً كبيراً لتقديم باقة من الوعى الدينى المكثف للمسلمين فى مصر والعالم الإسلامى، ويكون خلف هذا الجهد الكبير جنود معلومون يعملون ليل نهار لتظل صورة قوتنا الناعمة مشرقة وفاعلة على كل المستويات، وبتوجيهات الإمام الأكبر اليومية يتحرك د. محمد الضوينى وكيل الأزهر الشريف فى كل الأماكن ليتابع لحظياً الترتيبات الخاصة بشهر رمضان، فهو يكتب مقالاته الدورية فى مجلة الأزهر والصحف الدينية، وهو يلقى محاضراته اليومية لطلاب الأزهر الشريف، وهو يعكف على بحوثه العلمية التى تكشف نصاعة ديننا الحنيف وتدفع الضيم عنه، وهو يباشر بنفسه المائدة اليومية للوافدين بالجامع الأزهر.. وبين كل هذه الحركة الفاعلة لوكيل الأزهر الشريف كان لجريدة «اللواء الإسلامى» معه هذا اللقاء الرمضانى الذى يكشف الكثير من الجوانب الفكرية لهذا العالم الجليل.. إلى تفاصيل الحوار:
• فى البداية.. ما تقييمكم لدور الأزهر الشريف فى ظل التحديات الفكرية والاجتماعية المعاصرة؟
- نحن فى الأزهر الشريف ننظر إلى دورنا اليوم بوصفه مسئولية ممتدة تجمع بين حفظ الثوابت ومواكبة المتغيرات؛ فالأزهر لم يكن يومًا مؤسسة تعليمية فحسب، بل هو مرجعية علمية ودعوية تحمل رسالة الوسطية والاعتدال إلى العالم كله، وفى ظل ما يشهده الواقع المعاصر من تحديات فكرية واجتماعية متسارعة، نعمل على تطوير الخطاب الديني بما يحافظ على أصوله الراسخة ويجعله أكثر قدرة على التفاعل مع قضايا العصر بلغة واعية ومسئولة.
وفى هذا السياق، فإن الأزهر الشريف لا يتحرك فى هامش الواقع، بل فى قلبه؛ إذ نعيش زمنًا تتداخل فيه مصادر التلقي، وتتسارع فيه المعلومات دون تمحيص، وتُطرح فيه أطروحات تمس ثوابت الدين والهوية تحت عناوين براقة، وهو ما يجعل مسئوليتنا مضاعفة، ليس فقط فى بيان الحكم الشرعي، وإنما فى إعادة بناء الوعي الديني الرشيد على أسس علمية راسخة.
ومن هنا، تتجلى طبيعة التحديات التي نواجهها، والتي تمتد من محاولات تفكيك مفهوم الأسرة، وإعادة تعريف القيم الأخلاقية، إلى التشكيك فى مصادر التشريع والطعن فى السنة النبوية، فضلًا عن نزعات العنف أو الانفلات الأخلاقي. وإزاء هذه التحديات، يعمل الأزهر عبر منظومة متكاملة تقوم على ثلاث دوائر رئيسة: دائرة علمية تُعنى بالتأصيل المنهجي للقضايا المعاصرة، وإحياء الاجتهاد المؤسسي المنضبط؛ ودائرة تربوية تُركز على تحصين النشء فى المعاهد والجامعة، وغرس قيم الانتماء والاعتزاز بالهوية؛ ودائرة مجتمعية وإنسانية تمتد عبر الخطاب الدعوي، والحوار، والتواصل الدولي.
بناء الوعي
• كيف يُسهم الأزهر فى بناء الوعي المجتمعي ليواجه الأفكار المتطرفة؟
- نُولي اهتمامًا كبيرًا ببناء الوعي، ومواجهة مظاهر الغلو والتطرف من جهة، وحالات التفلت والانفصال عن القيم من جهة أخرى، من خلال برامج علمية وتوعوية تستهدف مختلف فئات المجتمع، ولا سيما الشباب، باعتبارهم الركيزة الأساسية فى بناء الحاضر وصناعة المستقبل. والأزهر لا يتعامل مع هذه الظواهر بوصفها أحداثًا عابرة، بل باعتبارها تحولات عميقة تتطلب معالجة جذرية، قوامها تصحيح المفاهيم، وبناء العقل الناقد، وربط الأجيال الجديدة بمصادرها الأصيلة ربطًا واعيًا لا تقليديًّا. ونؤكد أن قدرة الأزهر على تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، والانفتاح الواعي على أدوات العصر، هي الضمانة الحقيقية لاستمرار رسالته، وترسيخ دوره فى تحقيق السلم المجتمعي وتعزيز التفاهم الإنساني.
* ما الذي يميز رسالة الأزهر عن غيره من المؤسسات الدينية فى العالم الإسلامي؟
- يتميّز الأزهر الشريف بكونه مرجعية علمية جامعة، لا تنتمي إلى تيار ضيّق أو قراءة أحادية للنصوص؛ بل يقوم على منهج علمي راسخ يجمع بين دقة الفهم للنصوص وحُسن توظيف العقل فى إدراك مقاصدها. فالأزهر ليس مدرسة فقهية واحدة، بل يحتضن المذاهب الأربعة، ويُعنى بدراسة علوم أصول الفقه، ومقاصد الشريعة، وعلم الكلام، والفلسفة الإسلامية، والمنطق، إلى جانب العلوم المعاصرة والتطبيقية، وهو ما يمنح الدارس تكوينًا علميًّا متكاملًا يحصّنه من الجمود، ويقيه من الوقوع فى الغلو أو التسرّع فى إصدار الأحكام.
ولا يقتصر تميّز الأزهر على بنيته العلمية، بل يمتد إلى تعدد أدواره ووظائفه؛ إذ يجمع بين الوظيفة التعليمية التي تُخرّج العلماء، والوظيفة الدعوية التي تُخاطب الناس فى مختلف البيئات والثقافات، والوظيفة المجتمعية التي تتفاعل مع قضايا الواقع وتحدياته. ومن ثم، فإن الأزهر لا يُقدّم معرفة دينية مجردة، بل يُسهم فى صياغة خطاب ديني عالمي، يقوم على قيم السلم، والعيش المشترك، واحترام التنوع، مع الحفاظ الكامل على الثوابت.
ومن أبرز ما يميز منهج الأزهر اعتماده على الاجتهاد المؤسسي المنضبط، لا الاجتهاد الفردي المنفلت؛ فالقضايا الكبرى لا تُتناول بآراء معزولة، وإنما تُطرح فى إطار علمي جماعي تشاركي، تُسهم فيه هيئات علمية متخصصة، بما يحقق قدرًا عاليًا من الدقة والاتزان، ويضمن اتساق الرؤية مع أصول الشريعة ومقاصدها. وانطلاقًا من هذا المنهج، يظل الأزهر قادرًا على التعامل مع القضايا المستجدة بروح علمية رصينة، تجمع بين الفهم العميق للتراث، والوعي بطبيعة العصر، بما يعزز حضوره كمرجعية موثوقة تسهم فى ترسيخ الاستقرار الفكري، وبناء وعي ديني متوازن لدى الأفراد والمجتمعات.
منهج علمي
• كيف يحافظ الأزهر على ثوابته الشرعية مع مواكبة متغيرات العصر؟
- من خلال منهج علمي راسخ يقوم على فهم النصوص فى إطارها الكلي، واستحضار مقاصد الشريعة، بما يضمن ثبات الأصول ومرونة التعامل مع الواقع. وينطلق الأزهر فى ذلك من قاعدة أصيلة فى علم أصول الفقه، وهي التمييز بين الثابت والمتغير، وبين النص القطعي والاجتهاد الظني؛ فالثوابت الشرعية، كأصول العقيدة وقطعيّات الأحكام وقيم العدل والرحمة، ليست محل مراجعة أو مساومة، وإنما تمثل الأساس الذي يقوم عليه البناء كله.
أما ما يتصل بالقضايا المتجددة والمعاملات المتغيرة، فهو مجال واسع رحب للاجتهاد المنضبط بمقاصد الشريعة؛ حيث لا تُعالج النوازل المعاصرة بمنطق النقل الحرفي، وإنما بمنهج مقاصدي يراعي حفظ النفس والعقل والمال والكرامة الإنسانية. ومن هنا، يتعامل الأزهر مع قضايا مثل: المستجدات الاقتصادية، والنوازل الطبية، والتطورات التكنولوجية، برؤية علمية تجمع بين التأصيل الشرعي وفهم الواقع، بما يحقق مصلحة الإنسان ويحفظ توازنه. وفى هذا الإطار، فإن مواكبة العصر لا تعني الانسياق وراءه أو التفريط فى الثوابت، بل تعني فهم الواقع فهمًا دقيقًا، وتنزيل النصوص تنزيلًا صحيحًا، وتقديم خطاب معاصر فى لغته وأدواته، دون إخلال بجوهره.
• ما الأسس التي يقوم عليها مفهوم الاجتهاد بالأزهر؟
- يعتمد الأزهر على الاجتهاد المؤسسي الذي تشارك فيه هيئات علمية متخصصة، تدرس القضايا المستجدة دراسة جماعية دقيقة، بما يحقق الانضباط والاتزان، ويحول دون التسرع أو الانفراد فى إصدار الأحكام. ويحرص الأزهر على تطوير أدواته التواصلية، عبر المنصات الرقمية والبرامج التوعوية، للوصول إلى مختلف فئات المجتمع، خاصة الشباب، بلغة قريبة من واقعهم. وفى تقديرنا، فإن هذا التوازن بين الثبات والتجديد هو سر قدرة الأزهر على أداء رسالته؛ إذ لا يُبدّل ثوابته تحت ضغط الواقع، ولا ينغلق عن معطيات العصر، بل يسير بمنهج يجمع بين الانضباط العلمي والانفتاح الواعي، بما يعزز دوره فى ترسيخ القيم، وبناء الوعي، ومواجهة التحديات بروح علمية مسئولة.
تطوير المناهج
• هل هناك تحديثات فى مناهج الفقه والعقيدة لتناسب عقلية الشباب اليوم؟
- نحرص على أن تظل مناهجنا التعليمية فى تطور مستمر، بحيث تكون قادرة على مخاطبة عقلية الشباب دون أن تفقد عمقها العلمي أو اتصالها بأصولها الراسخة. ويشهد مسار تطوير مناهج الفقه والعقيدة خطوات متواصلة، سواء فى المعاهد الأزهرية أو فى الجامعة، قائمًا على رؤية تجمع بين أصالة التراث وحسن تنزيله على واقع الناس.
ومن أبرز مظاهر هذا التطوير استحداث مقرر «الثقافة الإسلامية» لطلاب الأزهر، الذي يتناول قضايا تمس وعي الشباب وتساؤلاتهم، مثل مفهوم الحرية وحدودها فى الإسلام، والعلاقة بين الدين والعلم، ومكانة المرأة وحقوقها، وقضايا الشبهات المثارة حول السنة النبوية، فضلًا عن مفاهيم المواطنة والتعايش، وقضايا الحاكمية والخلافة والدولة. ويُقدّم هذا المقرر بأسلوب تحليلي يناقش الإشكالات الفكرية الشائعة، ويُقدّم لها تأصيلًا شرعيًّا وعقليًّا رصينًا، بما يُسهم فى تخريج طالب قادر على الفهم الواعي والتحليل، لا مجرد الحفظ.
تبسيط القضايا
• يؤكد البعض وجود تعقيدات فى تناول المسائل الفقهية بالمناهج.. كيف تواجهون ذلك؟
- شهدت مناهج الفقه مراجعات متدرجة ركزت على تبسيط القضايا المعقدة، وربطها بالواقع المعاش، وتقديم نماذج تطبيقية تُعين الطالب على إدراك كيفية تنزيل الأحكام على الوقائع المختلفة، بدلًا من الاقتصار على الطرح النظري المجرد. وقد تم تعزيز حضور القضايا المعاصرة، مثل المسائل الاقتصادية الحديثة، والنوازل الطبية، والتحديات الفكرية المرتبطة بالهوية والدين.
وفى جانب العقيدة، ركزت التحديثات على بناء وعي عقدي متين قادر على مخاطبة العقل، وتحصين الشباب من الشبهات الفكرية المعاصرة، من خلال أسلوب يعتمد على الحوار العلمي والإقناع بدل التلقين التقليدي. كما أعادت المناهج إبراز البعد العقلي فى علم الكلام، وربطت قضايا الإيمان بأسئلة الإنسان المعاصر، مثل الإلحاد، وإشكاليات الشر، ومفهوم القضاء والقدر، مع تقديمها بلغة واضحة، علمية، ومتوازنة، تسهّل على الطالب فهم القضايا العقدية المعقدة دون إغفال العمق الشرعي أو الانغماس فى التعقيد. كذلك، لم يعد الطالب يتلقى العلم بمعزل عن أدوات العصر؛ فقد أُدخلت وسائل تعليمية حديثة، وتطورت أساليب التقويم، مع اهتمام متزايد بتنمية مهارات التفكير النقدي والقدرة على التحليل والمناقشة، بما يُمكّن خريج الأزهر من الفهم العميق لا الاكتفاء بالحفظ.
ويأتي هذا كله فى إطار استراتيجية شاملة تهدف إلى تحصين الطلاب فكريًا من التطرف والانحراف، وتبسيط العلوم التراثية دون التفريط فى أصولها، مع ترسيخ مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان، وتقديم الفهم الصحيح للنصوص الشرعية بما يقطع الطريق على التأويلات المنحرفة. فالغاية ليست مجاراة خطاب عابر، بل تمكين الطالب الأزهري من أدوات الفهم والنقد، ليظل الأزهر ثابتًا فى أصوله، متجددًا فى أدواته، ومؤديًا رسالته فى بناء الإنسان الواعي بدينه ووطنه وإنسانيته.
بنية تكنولوجية
• كيف يواكب الأزهر التحول الرقمي فى العملية التعليمية؟
- يحرص الأزهر الشريف على مواكبة التحول الرقمي فى العملية التعليمية باعتباره ركيزة أساسية لتطوير التعليم، من خلال تعزيز البنية التكنولوجية وتطوير مهارات الطلاب والمعلمين على حد سواء. وقد أطلق الأزهر منصات للتعليم الإلكتروني وبثّ دروس مباشرة للطلاب فى المعاهد الأزهرية عبر الإنترنت، امتدت لتشمل الدارسين فى الجامع الأزهر والمحافظات، كما تم توفير محتوى علمي موثوق للمناهج الأزهرية متاح للطلاب داخل مصر وخارجها. إلى جانب ذلك، خضع المعلمون والوعاظ لتدريبات على استخدام الأدوات التعليمية الحديثة، مع توفير مواد تفاعلية تدعم التعلم الذكي والمشاركة الفاعلة، بما يضمن جودة العملية التعليمية ويعزز تفاعل الطلاب وانخراطهم فى اكتساب المعرفة.
ضرورة حضارية
* كيف ينظر الأزهر إلى مفهوم تجديد الخطاب الديني دون المساس بالثوابت؟
- الأزهر ينظر إلى تجديد الخطاب الديني بوصفه ضرورةً شرعيةً وحضارية، تنبع من طبيعة هذا الدين الذي يجمع بين الثبات والمرونة. فالثوابت فى العقيدة وقطعيات الشريعة لا تقبل المساومة أو التغيير؛ لأنها تمثل الأساس الذي تقوم عليه هوية الأمة واستقرارها الروحي والأخلاقي. أما التجديد الذي ندعو إليه، فهو تجديد فى أساليب العرض والبيان، وفى طرائق تنزيل الأحكام على واقعٍ الناس المتغير، وفى معالجة القضايا المستجدة بأدوات اجتهادية رصينة تستند إلى أصول الفقه وقواعده ومقاصد الشريعة، دون مساس بجوهر الدين أو أصوله القطعية.
والأزهر لا يرى فى التجديد قطيعةً مع التراث؛ بل تواصلاً حيًّا معه؛ قراءةً واعيةً تستلهم روحه ومقاصده، وتستثمر ثراءه فى مواجهة تحديات العصر. فالتجديد هو إعادة إبراز القيم الكبرى للدين- كالعدل والرحمة وكرامة الإنسان- بلغةٍ معاصرةٍ ومسئولة، تحصّن الشباب من الانحراف بين طرفى الإفراط والتفريط، وتحفظ للأمة ثوابتها، وفى الوقت ذاته تمنحها القدرة على التفاعل الإيجابي مع عالم متسارع التحولات.
* ما دور الفقه الوسطي فى مواجهة الغلو والتشدد من جهة، والتفريط من جهة أخرى؟
- الفقه الوسطي يمثل جوهر رسالة الأزهر الشريف، لأنه يقوم على تحقيق التوازن الدقيق بين النصوص الشرعية ومقاصدها، وبين ثوابت الدين ومتغيرات الواقع. فهذا المنهج لا يقرأ الأحكام بمعزل عن سياقاتها، ولا يفصل بين ظاهر النص وروحه، بل يجمع بين الانضباط للأصول وفهم مقاصد الشريعة فى حفظ الدين والنفس والعقل والكرامة الإنسانية. ومن هنا فإنه يقف سدًا منيعًا أمام الغلو الذي يضيّق على الناس باسم الدين ويحمّل النصوص ما لا تحتمل، كما يواجه فى الوقت ذاته نزعات التفريط التي تسعى إلى تمييع الأحكام أو تفريغها من مضمونها بدعوى مواكبة العصر.
والوسطية الأزهرية تقوم على الإقرار بتعدد المذاهب المعتبرة، واحترام الخلاف الفقهي بوصفه ثراءً علميًّا لا سببًا للفرقة، مع تغليب مقاصد الشريعة وتحقيق مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم، بعيدًا عن التعصب أو الإقصاء. وهذا المنهج يحفظ المجتمعات من الانقسام والتطرف، ويؤكد أن الإسلام دين رحمة وعدل وعمران، قادر على صيانة الهوية وبناء الاستقرار فى آنٍ واحد
اجتهاد جماعي
• كيف يتعامل الأزهر مع النوازل والقضايا الفقهية المستجدة؟
- بمنهجٍ علمي راسخ يقوم على الاجتهاد الجماعي المنضبط؛ حيث تُحال المسائل الجديدة إلى هيئات علمية تضم فقهاء الشريعة إلى جانب متخصصين فى المجالات ذات الصلة، حتى تُدرَس القضايا دراسة دقيقة من جميع أبعادها. ويتم النظر فى مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية، واستحضار الواقع بتعقيداته، ومراعاة مصالح الناس وأحوالهم، قبل إصدار الفتوى أو البيان، بما يضمن سلامة الحكم الشرعي واتزانه. وقد مكَّن هذا المنهج الأزهر من مواكبة قضايا العصر فى المجالات الطبية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، محققًا التوازن بين النصوص الشرعية ومتطلبات الواقع. وتتولى هذا الدور هيئات وقطاعات علمية راسخة، فى مقدمتها هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية؛ حيث تضطلعان ببحث المستجدات الفقهية وإصدار الرأي الشرعي المنضبط، القائم على الدليل والعلم، بعيدًا عن التسرع أو الانفراد فى معالجة القضايا الكبرى التي تمس المجتمع والأمة.
فتاوى شاذة!
* كيف يرد الأزهر على الفتاوى الشاذة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟
- يتعامل الأزهر الشريف معها بمنهجٍ علمي رصين يقوم على تصحيح المفاهيم وبيان الحكم الشرعي بالدليل، لا بالاكتفاء برفضٍ عابر أو ردٍّ انفعالي. فنحن نحرص على توضيح أوجه الخلل المنهجي فى تلك الفتاوى، وبيان مخالفتها لأصول الاستدلال وقواعد الفقه ومقاصد الشريعة، مع تقديم البديل الصحيح بلغة واضحة تصل إلى الناس، خاصة فئة الشباب الذين يتأثرون بسرعة بما يُنشر عبر المنصات الرقمية. فالفتوى فى منهج الأزهر مسئولية كبرى، لا يتصدر لها إلا من تأهل علميًّا وأحاط بالنصوص وفهم الواقع ومآلات الأحكام. ويبذل الأزهر جهودًا مؤسسية متكاملة لمواجهة فوضى الفتاوى، من خلال مؤسساته العلمية المتخصصة. فى مقدمتها مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، الذي يتلقى استفسارات الجمهور ويرد عليها على مدار الساعة عبر مختلف الوسائل الرقمية.
• ما موقف الأزهر من قضايا التعايش المشترك والمواطنة؟
- الأزهر الشريف ينطلق فى موقفه من قضايا التعايش المشترك والمواطنة من أصلٍ شرعي راسخ، يؤكد أن التنوع سنة كونية، وأن كرامة الإنسان مصونة لذاتها بصرف النظر عن دينه أو عرقه. فالإسلام أرسى أسس العيش المشترك منذ وثيقة المدينة، ورسّخ مبدأ المواطنة القائمة على الحقوق والواجبات المتبادلة، والعدل فى التعامل، وصيانة دور العبادة، واحترام خصوصيات الآخرين. ومن ثمّ فإن المواطنة هي تعبير عن مقاصد شرعية أصيلة تحفظ الاستقرار المجتمعي وتمنع أسباب الفتنة والانقسام، وتؤكد أن الانتماء للوطن يقوم على الشراكة الكاملة فى الحقوق والمسئوليات.
وعلى المستوى العملي، يترجم الأزهر هذا الموقف عبر خطابٍ ديني يرسّخ قيم التعددية والاحترام المتبادل، وعبر شراكاتٍ وحواراتٍ دولية تعزز ثقافة السلام، وفى مقدمتها «وثيقة الأخوة الإنسانية» التي وقعها فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب مع البابا فرنسيس فى أبوظبي عام 2019، والتي أكدت على مبدأ المواطنة الكاملة ورفض التمييز على أساس الدين. كما مثّل «مؤتمر الأزهر العالمي للحرية والمواطنة» محطةً مهمة فى تأصيل هذا المفهوم عربيًا وإسلاميًا، وترجم الأزهر هذه الرؤية عمليًا أيضاً من خلال نموذج «بيت العائلة المصرية»، الذي يجمع الأزهر والكنيسة المصرية فى إطار مؤسسي لتعزيز الوحدة الوطنية، واحتواء الأزمات الطائفية، ونشر ثقافة الحوار فى مختلف المحافظات. ويواصل الأزهر جهوده داخليًا وخارجيًا لترسيخ ثقافة التفاهم، ومواجهة خطابات الكراهية والتعصب، إيمانًا منه بأن قوة المجتمعات لا تتحقق إلا بتماسك نسيجها الوطني، واحترام تنوعها الديني والثقافى فى إطارٍ من العدل والمواطنة المتساوية.
• ما الرسالة التي يحرص الأزهر على إيصالها للمجتمع فى شهر رمضان؟
- يركز الأزهر فى شهر رمضان على أن الصيام مشروع إصلاح شامل للإنسان، وليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، فالمقصود من الصيام تحقيق التقوى بمعناها العملي، أي ضبط السلوك، وترقية الأخلاق، وتعزيز الشعور بالمسئولية تجاه النفس والمجتمع. ولذلك يحرص الأزهر على توجيه خطابه خلال الشهر الكريم نحو ترسيخ قيم الرحمة، وصلة الأرحام، ورعاية الفقراء، واستقرار الأسرة، ومواجهة خطاب الكراهية، حتى لا يتحول رمضان إلى طقوس موسمية منفصلة عن واقع الناس. كما يتم تنظيم ملتقيات فكرية وبرامج توعوية تؤكد أن أثر الصيام ينبغي أن يمتد بعد انقضاء الشهر، ليصبح سلوكًا دائمًا يعكس حقيقة العبادة وغايتها.



