شيدته سواعد أسر الدعم النقدي

تمور تكافل - قلعة إنتاجية بالوادي الجديد

مصنع تمور تكافل
مصنع تمور تكافل

لم تعد المساعدات النقدية هي الحل الوحيد على طاولة وزارة التضامن الاجتماعي؛ ففي محافظة الوادي الجديد، ثمة مشهد مغاير يكسر الصورة النمطية لـ "ديوان المساعدات" ليتحول إلى "خلية نحل" صناعية.. هنا استبدلت الوزارة لغة "الاستحقاق" بلغة "الإنتاج" عبر ضخ استثمارات ذاتية ومباشرة تجاوزت  12.5 مليون جنيه لإعادة رسم خارطة مركز التكوين المهني؛ شملت 9 ملايين جنيه لتدشين مصنع التمورالمتكامل، و3.5 مليون جنيه لتطوير وحدات إنتاجية متنوعة شملت "الأكواب الورقية، تعبئة وتغليف البن، الملابس الجاهزة، ورش الألوميتال والنجارة، وحدات للطباعة "، في تجربة رائدة تجعل من "العائد الاستثماري" وقوداً لتمويل برامج الحماية الاجتماعية.

وشددت وزارة التضامن على أن كافة هذه المشروعات تم تنفيذها من خلال الاعتمادات المالية الذاتية لمؤسسة التكافل الاجتماعي، كنتيجة لنجاح استثماراتها السابقة، مؤكدة أن العائد المالي من هذه المشروعات يُعاد ضخه بالكامل في دعم حالات "تكافل وكرامة" والأولى بالرعاية، وفك كرب الغارمين والغارمات ودعم الأرامل والمطلقات.

ومن داخل أروقة مصنع "تمور تكافل"، لا تتصاعد رائحة البلح الذكية فحسب، بل تفوح قصص الإرادة والتمكين، هنا لم تعد "حبة التمر" مجرد محصول تشتهر به المحافظة، بل أصبحت "مشروع حياة" لعاملات وجدن في المصنع بيتاً دافئاً ومصدر رزقٍ كريماً.. "اللواء الإسلامي" قامت بزيارة محافظة الوادي الجديد، وقضت يوما كاملا داخل المصنع  لترصد هذه الملحمة التنموية وتستمع لصوت الماكينات الذي يمتزج بآمال العاملين علي صناعة مستقبل جديد.

سيدات الذهب الأسمر.. طوق نجاة لأسرهن

إيمان: هزمت الورم « بحلاوة الإنتاج»

وفي نموذج حي لنجاح استراتيجية "التمكين الاقتصادي" التي تنتهجها الدولة، تبرز قصة إيمان أحمد محمود (36 عاماً)، كواحدة من العاملات اللاتي انتقلن من مرحلة "الحماية الاجتماعية" إلى "المشاركة الإنتاجية"، تقول إيمان" أعمل بالمصنع منذ 3 سنوات، وتخصصت في رص عبوات الـ 5 والـ 10 كيلو، وأحياناً أتولى مسؤولية الميزان وتجهيز الحاويات وإغلاقها، ورغم أن العمل ينتهي رسمياً في الخامسة، إلا أننا كثيراً ما نستمر حتى الثامنة مساءً لإنجاز ضغط الشغل".

اقرأ أيضا: "مايا مرسي": الوادي الجديد يسير بخطى ثابتة نحو التنمية والرقمنة

وأكدت وجود فارق ملموس بين الدعم النقدي الذي تحصل عليه من وزارة التضامن وبين أجرها بالمصنع،: "صحيح الدعم مهم، لكن العمل يمنحكِ قيمة لجهدك؛ فأجري مرتبط بإنتاجي اليومي، أحياناً أنجز (طريحة) بـ 250 جنيهاً، وفي أيام أخري أصل لـ 500 جنيه في اليوم الواحد، بمعني أن أجر يوم العمل غير محدد بمبلغ ثابت (كالـ 200 جنيه مثلاً)، بل يتوقف الأمر في المقام الأول على إنتاج وجهد كل عاملة على حدة، ما جعلني أشعر بقيمة إنتاجي".

لم تكن رحلة إيمان تخلو من التحديات الصحية، حيث كشفت عن إصابتها بـ"ورم خبيث"، مشيدة بدور وزارة التضامن الاجتماعي في مساندتها: "دعم "تكافل" لم ينقطع عني، فلا اأزال أحصل عليه منذ أن كان 400 جنيه إلى أن وصل ألف جنيه، بجانب أجري من المصنع، ما ساعدني كثيراً ودعم مشقة سفري للعلاج".

عزة: إيدي بتلف 300 علبة يوميا

وفي خط التعبئة تقف عزة صفوت سليم (45 عاماً) التي جاءت من"المحلة الكبري" لتستقر في الوادي، وتصنع حياة كريمة لأبنائها الثلاثة (الثاني الإعدادي، والثاني والرابع الابتدائي).

عزة التي تعمل بالمصنع منذ عام وزوجة لفلاحٍ يكافح في أرضه الخاصة، أصبحت "قوة إنتاجية" لا يستهان بها، حيث تقوم بتعبئة ما يصل إلي 300 علبة يوميا بمفردها لتضمن دقة الشكل الجمالي، كما تعد أحد الأعمدة الأساسية بالمصنع، حيث تقف بتركيزٍ تام أمام خطوط الإنتاج، تارة تملأ العلب والكراتين بـ "بلح الدرجة الأولى"، وتارةً أخرى تحشو حبات البلح باللوز  والكاجو والسوداني والعجوة".

وأوضحت عزة: " أتقاضى راتباً ثابتا 4 آلاف جنيه، بالإضافة للحوافز"، هذا الدخل يأتي مقابل مجهود يبدأ من الـ 8 صباحاً وحتى الـ 5 مساءً وسط أجواء"عائلية"،ومعاملة إنسانية راقية تجعلنا نتحمل مشقة العمل من أجل استقرار أسرنا.

وعن أصناف الخير التي تخرج من تحت يديها، ذكرت عزة أنها تعمل في تعبئة أنواع مختلفة، على رأسها "بلح الدرجة الأولى" (وهو البلح الذي يتميز بحجمه الكبير، ولونه المتجانس، وقشرته المتماسكة التي تجعله المفضل للتصدير)، بالإضافة إلى "بلح الحشو" الذي يتميز بليونة القوام وانسجام طعمه مع المكسرات ليعطي مذاقاً غنياً.

زمزم: دخلي وصل 6 آلاف جنيه بفضل "البلح الشفاف"

  أما "زمزم محمود أحمد" (45 عاماً)، إحدي قاطني محافظة الوادي الجديد وجدت في المصنع ما هو أبعد من لقمة العيش، تحكي بابتسامة صافية: "عرفت المصنع عن طريق صديقاتي، واليوم أصبحت "خبيرة" في التعامل مع البلح الشفاف - الذي يتميز بقشرته الرقيقة التي تكاد تكشف عما بداخلها كقطعة من الكهرمان- الذي يتطلب "يداً حانية" لدقة تعبئته.

وتضيف زمزم: "المصنع كان مدرسة تعلمت فيها فنون الحشو والتجفيف، حتي أصبحت أنقل هذه الخبرة لمنزلي"، وبخفة ظل: "وطبعاً لازم اكل من البلح اللي بصنعه بأيدي".

ومن أمام كراتين البلح التي تم تعبئتها استعدادا لبيعها ، تشير زمزم إلى "بلح الدرجة الأولى"، شارحةً مراحل إنتاجه: " نقوم بغسل الحبة الكبيرة بعناية شديدة، تأتي بعدها مرحلة التجفيف، ثم نرصها في الكراتين بالشكل اللائق الذي يحمل اسمنا،" ولا تتوقف معرفتها عند هذا الحد، بل تسرد بطلاقة الفروق الجوهرية بين التمر العادي والبلح السعودي، ما يظهر شغفاً كبيراً بمهنة أصبحت الآن جزءاً من هويتها الشخصية.

وأختتمت بأن العمل يتحول إلى سباق مع الزمن في ذروة الموسم، حيث يصل دخلها الشهري إلى 6 آلاف جنيه (في حال الالتزام الكامل بالحضور).

ندي: تحديت الإعاقة لأصبح «سند البيت»

وفي زاوية تملؤها العزيمة، تسطر ندى طلعت معوض (26 عاماً) قصة تحدٍ من نوع خاص؛ لم تمنعها الإعاقة الخلقية في ذراعها اليمنى، ولا رحيل والدها، من أن تصبح "عماد البيت" والمسئولة الأولى عن توفير نفقات أسرتها.

انضمت ندى للمصنع عبر مديرية التضامن منذ موسمين، وهي تري أن ميزة المصنع الكبري أن"التعب يقابله عائد مجز مقارنة بأي عمل خارجي آخر"، يوميتي 200 جنيه وتزيد حسب الإنتاج؛ مثلا الطريحة الواحدة تحوي 250 علبة، أقوم بتجهيزها بالكامل لحين وضعها في الحاويات".

ندى التي تكرس دخلها بالكامل لمساعدة أشقائها خاصة بعد وفاة والدها، تؤكد أن منظومة الدعم المتكاملة بين" دعم تكافل الذي ارتفع المبلغ حالياً إلى 800 جنيه، وأجرها من المصنع هي التي تعينها علي أعباء المعيشة.

محمد سعيد: فنجاننا «وش وطعم وريحة».. وأكوابنا خارج المنافسة

«هندسة الطعم» تبدأ من الحصي الأخضر.. والتغليف والتوزيع أبرز التحديات

بين رائحة البن المحمص وصوت ماكينات الأكواب الورقية، يقف محمد سعيد حسن، مدير وحدة تصنيع الأكواب والبن، شامخاً بخبرة تمتد لعقد من الزمان، لم تكن بدايته في مقاعد الإدارة، بل بالعمل المباشر لعام كامل، حتى صقل مهارته ليتحول من عامل فني إلى مشرف ومدرب يقود فريقاً من الشباب في وحدتين إنتاجيتين، بواقع عاملين لكل وحدة.

يشرح محمد سعيد دورة حياة حبة البن، مؤكداً أن الجودة تبدأ من "الحصى الأخضر" القادم من المزارع العالمية عبرالمستوردين، وتمر العملية بمراحل دقيقة يصفها بـ "هندسة الطعم"،أولها التحميص، وهي المرحلة المحورية حيث تتحول الحبوب الخضراء إلى بن محمص، وهنا يتحكم "سعيد" في درجة الحرارة لتحديد نوع البن (سادة، وسط، غامق) عبر التحكم في درجة اللون، ثم التوليفة.

 حيث أكد محمد سعيد أن "الفنجان وش وطعم وريحة"، ولتحقيق هذه الثلاثية يتم مزج أنواع متنوعة بين الهندي والإندونيسي والبرازيلي، بعدها تأتي مرحلة التحويجة وهي إضافة اللمسة الخاصة من (الحبهان، جوزة الطيب، والمستكة)، مشيراً إلى أن البن "السادة" هو الأكثر طلباً، حيث يبدأ سعره من 600 جنيه، بينما يصل "المحوج الوسط" إلى 720 جنيهاً.

وفي الوحدة الثانية، تدارعجلة الإنتاج بسرعة فائقة، حيث تستوعب الماكينة إنتاج 90 كوباً في الدقيقة الواحدة، وتمر عملية التصنيع بثماني مراحل فنية ، التغذية واللف: تبدأ بوضع الورق المقصوص "المروحة" ورولات "الكعب"، اللحام والتشكيل: يتم لحام جسم الكوب حرارياً ثم يدخل الكعب ليثبت في القاعدة، والمراحل النهائية حيث تمر الورقة بعدة مراحل فنية حتى تصل لشكلها النهائي، ويخرج كل 50 كوباً في "عمود" مستقل، بعدها تأتي التعبئة والتوزيع: يتم تكيسها ورصها في كراتين سعة 1000 كوب، مع تحقيق هامش ربح 20%، مما يسمح بالبيع بسعرتنافسي أقل من السوق.

اقرأ أيضا: التضامن وجهاز المشروعات يبحثان تحويل الحرف التراثية لصناعة عالمية

رغم القدرة الإنتاجية العالية، يواجه المشروع عدة عقبات؛ ألمح إليها "سعيد" وهي أن الوحدة لديها قدرة إنتاجية ضخمة، لكن التشغيل بكامل طاقتها يتطلب توفير مخزون من 3 إلى 4 أطنان، وهنا تظهر المشكلة في ضعف التسويق الناتج عن انخفاض الكثافة السكانية في المحافظة، مما يحد من سرعة تصريف الإنتاج، كما يمثل شراء أكياس "الماتلز" "Metals المستخدمة في التغليف عبئاً إضافياً؛ فكلما ارتفعت تكلفة هذه الأكياس من المصانع الموردة، ارتفع سعر البن على المستهلك النهائي، تتمثل العقبة الكبرى في "أزمة التوزيع"؛ حيث يعتمد العمل بالكامل على "التليفون" لعدم توافر وسائل مواصلات خاصة بالمصنع، مما يحصر التوزيع داخل المحافظة فقط، وأضاف: "أعمل في هذه المهنة منذ 10 سنوات، وطموحي الأكبر الانتقال بمنتجنا من المحلية إلى التصدير للخارج".

مشرفو المؤسسة: 180 طناً سعتنا التخزينية.. واعتماد "سلامة الغذاء" بوابتنا للعالمية

أسعارنا تبدأ من 58 جنيهاً للكيلو.. ونطبق سياسة "صفر هالك"

استثماراتنا ذاتية وأغنتنا عن القروض

 أكد يوسف عبدالله، مشرف مؤسسة التكافل، أن هذا المشروع جاء نتاج رؤية استراتيجية دعمتها وزارة التضامن بـ 5 ملايين جنيه في 2023 ، غطت تكاليف الأرض والإنشاءات والثلاجات، ما أغنانا عن اللجوء للقروض البنكية.

واستعرض "عبدالله" الدورة الإنتاجية التي يمر بها "البلح السيوي"، موضحاً أن المصنع يشتري الطن من الفلاحين بسعر يصل إلى 45 ألف جنيه للطن (حسب تسعيرة المحافظة)، ثم تبدأ مرحلة التبخير لمدة 15 يوما باستخدام غاز آمن ومعتمد من وزارة الزراعة، بعدها تأتي مراحل الغسيل الآلي والتلميع عبر ماكينات "الفرش" التي وفرتها الوزارة، ثم الفرز اليدوي والتغليف النهائي.

وأضاف مشرف مؤسسة التكافل: أسعارنا تنافسية تتراوح من 58 إلى 75 جنيهاً للكيلو المصنع"، ونعمل بسياسة "صفر هالك"، حيث يتم بيع نوى البلح والمتهالك البسيط كأعلاف للمواشي، ما يعني أننا نستفيد من كل ذرة في المحصول".

كما استحدثنا نموذج "العمل من المنزل" لدعم السيدات؛ حيث يقمن بنزع "النوى" وحشو التمور بالمكسرات يدوياً داخل منازلهن مقابل أجر، ثم إعادة تغليفها بالمصنع، وهو ما فتح أبواب رزق إضافية لسيدات الواحات.

 المصنع اليوم نجح في تمويل نفسه ذاتياً من خلال "أعمال المصنعية" للغير، مشيراً إلى أن سعر كيلو البلح الخام يتراوح بين 40 إلى 50 جنيهاً، ويصل بعد التصنيع والتعليب إلى 60 و70 جنيهاً، مؤكداً أن هذه الفوارق السعرية هي التي تضمن استمرارية المشروع وقدرته علي دعم الحالات الإنسانية التابعة للمؤسسة بشكل مستدام.

توطين الصناعة

ومن جانبه أشار محمد غريب يونس، مدير المصنع إلي أن المنشأة تعد أحد الروافد الحيوية لمركز التكوين المهني الذي يضم ورشا متنوعة "نجارة، ألوميتال، تنجيد، ماكينات الـ CNC"، بالإضافة إلي وحدة طباعة رقمية حديثة لـ"البانرات" نجحت في سد فجوة استيراد هذه الخدمة من المحافظات المجاورة، ما وفر الوقت والجهد على أبناء المحافظة.

وعلي صعيد الإنتاج أوضح غريب أن المصنع يضم صالة تصنيع مجهزة بأحدث المعدات و3 ثلاجات حفظ ضخمة بسعة تخزينية 180 طناً، وتصل الطاقة الإنتاجية اليومية  للمصنع إلى 5 أطنان في حال تعبئة عبوات الـ 5 والـ 10 كيلوجرامات، بينما تبلغ طاقة إنتاج العلب الصغيرة (700 جرام) نحو2 طن يومياً".

وعن الدور الاجتماعي، صرح غريب يونس بأن العمالة تعتمد كليا علي الفئات الأولى بالرعاية ومستفيدي "تكافل وكرامة"، حيث يتراوح عدد العمال بين 30 إلى 35 عاملاً، ويتضاعف في  المواسم، مشيراً إلى أن العامل يتقاضي أجراً ثابتاً بواقع 200 جنيه يومياً (بمتوسط 6 آلاف جنيه شهرياً)، بخلاف الحوافز ما يضمن حياة كريمة لهذه الأسر.

أما استثماريا فنحن نعمل بنظام "التصنيع للغير"؛ ولدينا تعاقدات مع 5 شركات كبرى، وقد نجحنا بالفعل في تصدير 160 طناً إلى قطاع غزة العام الماضي، ونسعى خلال الفترة المقبلة للحصول على اعتماد الهيئة القومية لسلامة الغذاء للبدء في التصدير المباشر للخارج باسم المصنع إلي الأسواق العالمية معتمدين علي جودة منتجنا التي أصبحت المحرك الأساسي للتسويق وجذب العملاء.

 

ترشيحاتنا