القراءة والاطلاع في زمن التحول الرقمي

 حمدي إبراهيم عامر
حمدي إبراهيم عامر

بقلم: حمدي إبراهيم عامر

في عالمٍ تتسارع فيه التقنيات الرقمية، وتتزاحم فيه الشاشات على عقول الناس وقلوبهم، أصبحت القراءة والاطلاع الواعي ضرورة وجودية، لا مجرد عادة ثقافية؛ فالإنسان اليوم محاط بسيلٍ لا ينقطع من المعلومات، والأخبار، والآراء، والصور، والمقاطع، حتى غدا العقل مهددًا بالتشويش، والوعي معرّضًا للتزييف، ما لم يتسلح صاحبه بأداة الفهم، وسلاح التمييز، وهما لا يتحققان إلا بالقراءة العميقة التي تبني العقل ولا تستهلكه، وتحرر الإنسان من السطحية والانقياد.

وقد جاء الإسلام منذ بداياته الأولى ليؤسس حضارة قائمة على العلم والوعي، فكانت أول كلمة نزل بها الوحي على قلب النبي ﷺ هي الأمر بالقراءة: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، وكأن هذه الكلمة تختصر رسالة الإسلام في بُعدها الحضاري، وتؤكد أن الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن المعرفة، وأن العبادة لا تكتمل إلا بعقلٍ واعٍ وقلبٍ بصير. ولم يكن الأمر بالقراءة مجرد دعوة لفظية، بل توجيهًا شاملًا إلى النظر، والتأمل، والتدبر، والفهم، وهي معانٍ تتجاوز مجرد تهجئة الكلمات إلى بناء إنسانٍ قادرٍ على إدراك سنن الله في الكون والحياة.

وفي مواضع كثيرة من القرآن الكريم، يتكرر الربط بين العلم والإيمان، قال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، وقال سبحانه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، فالخشية الحقيقية ثمرة معرفة، والمعرفة لا تُنال بالتمني، بل بالسعي والبحث والاطلاع.

وفي العصر الرقمي، تتضاعف الحاجة إلى القراءة؛ لأن المعرفة لم تعد نادرة، بل أصبحت وفيرة إلى حد الإرباك. فالمشكلة اليوم ليست في قلة المعلومات، بل في غياب المنهج الذي يُمكّن الإنسان من فرزها، وفهم سياقاتها، وربطها بالقيم. وقد حذّر القرآن الكريم من الانسياق وراء غير الموثوق، فقال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ).

وقد أدرك النبي ﷺ خطورة الجهل على الفرد والمجتمع، فجعل طلب العلم فريضة، فقال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، ولم يحدد نوعًا واحدًا من العلم؛ لأن حاجات الإنسان متجددة، ومتطلبات الواقع متغيرة. فكل علمٍ يُسهم في إصلاح الدين، أو عمارة الدنيا، أو حفظ النفس والعقل، داخل في هذا الإطار، والقراءة هي المدخل الأوسع لهذا كله، خاصة في زمن أصبحت فيه المعرفة الرقمية جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

والقراءة الواعية لا تعني كثرة الاطلاع دون فهم، ولا استهلاك المحتوى السريع الذي يملأ الوقت ويفرغ العقل، بل تعني التمهل، والتأمل، وربط الأفكار، وبناء رؤية متماسكة للعالم. وقد ذمّ القرآن الكريم أولئك الذين يسمعون دون وعي، فقال تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا)، فالفقه هنا ليس مجرد حفظ، بل فهمٌ عميق يُثمر سلوكًا رشيدًا.

ولا يمكن إغفال البعد الأخلاقي للقراءة؛ فالعلم في الإسلام ليس غاية في ذاته، بل وسيلة للإصلاح، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)، والقراءة التي لا تُثمر وعيًا أخلاقيًا قد تتحول إلى أداة هدم بدل البناء. لذلك كان العلماء يؤكدون على العلم النافع، وكان النبي ﷺ يستعيذ بالله من علم لا ينفع، مما يدل على أن القيمة ليست في كثرة المعلومات، بل في أثرها على الإنسان وسلوكه.

وفي ظل التطور الرقمي تبرز القراءة كفعل مقاومة للسطحية، ومحاولة جادة لاستعادة العمق في التفكير. فالإنسان الذي لا يقرأ يظل أسير اللحظة، منجذبًا لما يُعرض عليه، غير قادر على بناء موقف أو رأي مستقل. وقد أشار القرآن الكريم إلى خطورة هذا الوضع حين وصف أتباع الباطل بأنهم: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ)، لأنهم عطّلوا عقولهم عن الفهم والتدبر.

إن القراءة في العصر الرقمي ليست عودة إلى الورق بالضرورة، بل هي استثمار واعٍ في المعرفة، واختيار ذكي للمصادر، وتنظيم للوقت، وبناء لعلاقة صحية مع المحتوى. 
 

 

ترشيحاتنا