كان هذا هو العنوان اللافت الذي اختاره القائمون على المؤتمر الدولي لكلية دار العلوم- جامعة القاهرة، لهذا العام؛ وهي رؤية تتسق مع توجهات الجمهورية الجديدة القائمة على الحوار، والفهم المتبادل، والانطلاق من القيم الإنسانية المشتركة، وبناء عقل علمي منفتح وراسخ الهوية؛ كما يؤكد العنوان ريادة جامعة القاهرة في البحث المعرفي ومعالجة أبرز القضايا الفكرية التي تمسُّ جوهر الهوية القومية: "الاستشراق والهوية- مقاربات في اللغة والأدب والتراث العربي"؛ وهو عنوان ينشأ من رحم الدور الوطني الكبير الذي تقوم به دار العلوم؛ هذا الصرح العلمي العريق، منذ تأسيسه على يد علي باشا مبارك، منذ أكثر من قرن ونصف القرن، ليقوم بدوره التعليمي والتنويري في البحث عن المشكلات الفكرية للوطن والإسهام في علاجها؛ مع الكشف عن الجذور الناشبة بالإفك في عقول الملتاثين الذين تم التغرير بهم، فاتخذوا غير سبيل المصلحين؛ فأصبحوا نتوءات شاذة آذت الوطن وروَّعت أبناءه، وكانوا الداء العياء، الذي استدعى المواجهة الفكرية لمحاولة ضبط هذا الوهم الأظلع في عقول كارهة للحق والخير والجمال، شاردة عن واجبات ترسيخ الهوية الحضارية للوطن.. ثم تأتي الأسئلة الكبرى التي يلقي المؤتمر الضوء عليها ويسعى للإجابة عنها، وهي الإشكاليات التي تفرضها اللحظة الآنية للانفتاح العقلي على المنجز الغربي وكيفية الاستفادة منه دون تغوّل على لغتنا النورانية ولا مبادئنا الوطنية.. ومن هنا تأتي أهمية هذا المؤتمر الدولي الذي يُعيد طرح سؤال الهوية في مواجهة الاستشراق، ويفتح آفاقًا واسعة لنقاش علمي رصين في ظل التداخل الثقافي العالمي والحاجة إلى إعادة بناء جسور الحوار بين الحضارات.
***
المؤتمر الذي جاء تحت رعاية د. محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، وبإشراف د. محمود السعيد، نائب رئيس الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحوث، ود. أحمد بلبولة، عميد كلية دار العلوم، ورئيس المؤتمر، وبحضور د. أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، ولفيف من العلماء والباحثين من المصريين والوافدين، يعكس مكانة جامعة القاهرة وريادتها في قيادة الحوار الفكري الرصين، ويؤكد صلابة الهوية المصرية وقدرتها التاريخية على مقاومة التشويه والمحو الذي اجتهد الاستعمار البغيض لتحقيقه؛ فقد ظل المجتمع المصري، بتاريخه، ووعيه بقيمة الدولة، وتماسكه الاجتماعي، قادرًا على تجاوز التحديات الماضية، وهو ما أعطاه قوة دافعة للاستمرار في تجاوز التحديات الحاضرة، والاستعداد للأخطار المستقبلية؛ وهو ما يأتي من خلال دعم الكفاءات العلمية وتهيئة المناخ للباحثين والمفكرين والمبدعين وتطوير منظومة البحث العلمي.
وإذا كان المؤتمر قد حضرته رموز فكرية، مصرية وعربية، فقد كانت كلمات د. علي جمعة، المفتي الأسبق، وعضو هيئة كبار العلماء، والرئيس الشرفي للمؤتمر، ناجزة وموجزة، حينما أشار إلى أن المصريين، عبر تاريخهم، قد فتحوا أبوابهم وعقولهم وقلوبهم للعلماء المنصفين، وأن "دار العلوم" ظلت حصنًا منيعًا ضد التلاحن في اللغة العربية، وبوصلةً للعمق في قراءة النصوص وفهمها. وأنها صرح أُقيم لحماية الهوية واللغة؛ فاللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، وموقفنا من الاستشراق علمي متوازن يأخذ من الجاد ويضيف إليه مع الحفاظ على ثوابتنا، وهذه الدار حصن منيع للغة العربية وبوصلة للعودة إلى إنسانيتنا. داعيًا الله أن تظل دار العلوم مولدًا لكل خير، وصارفًا لكل شر، وأن تكون دائمًا طريقًا للعودة إلى الهوية والإنسانية معًا.
***
انعقاد هذا المؤتمر يأتي في توقيت بالغ الدلالة، في ظل تصاعد الأسئلة المتعلقة بالهوية، وتجدد النقاشات حول صورة الشرق في الوعي الغربي، وما يفرضه عالم اليوم من تداخل ثقافي ومعرفي يستدعي إعادة بناء خطاب علمي نقدي قادر على الفهم والتفكيك والحوار؛ وهو كاشفٌ أيضًا عن الفارق الجوهري بين المثقف حين يتولى مسئولية إدارة كيان تعليمي، وغيره من الإداريين الجامدين الذين لا تشغلهم الهموم القومية، ولا الإشكاليات المعرفية للوطن. وهو ما تقوم به كلية دار العلوم تحت عمادة الشاعر والمثقف د. أحمد بلبولة؛ حيث تنطلق في خطتها البحثية الجديدة عبر ربط قضايا الهوية بالمعرفة الحديثة، والدراسات البينية، والبحث العلمي الرصين، بما يعزز دور العلوم الإنسانية في صياغة وعي المجتمع ومواجهة التحديات الفكرية المعاصرة؛ كما تحرص على أن تظل منبرًا للفكر المستنير، وحاضنة للحوار العلمي الجاد، وامتدادًا لدورها التاريخي في خدمة اللغة العربية والعلوم الإنسانية؛ مع أداء دورها الحضاري بوصفها عقل اللغة العربية وضميرها العلمي، ومنصة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول الهوية والمعرفة والإنسان، في زمن أحوج ما يكون إلى صوت العقل والحوار.



