في لقائه الأخير بدعاة وزارة الأوقاف الدارسين بالأكاديمية العسكرية أكد الرئيس السيسي أن إلمام الطالب بلغات أخرى أمر ضروري جدًّا؛ ولكن عليه أولًا أن يُحيط علمًا باللغة العربية وأدواتها المعرفية.. وهذا التوجه الرئاسي يُعطينا تصورًا إيجابيا عن إدراك القيادة السياسية للبُعد القومي الذي تُمثله لغتنا الجميلة، وكيف أن العناية بها أمرٌ لازم لكل دارس، وليست شيئًا ثانويًّا.
وعند البحث في طبيعة التحديات التي تتعرض لها اللغة وسط تسارع تكنولوجي كبير، فإننا نخطئ كثيرًا في حق أنفسنا وحق مجمع اللغة العربية إن حمّلناه وحده أوزار تراجع العناية بلغة القرآن؛ غير أن الواقع يؤكد، في الوقت نفسه، أن مجمع الخالدين المسئول الأول والمباشر عن قيادة جهود تحديث اللغة وتطوير الآليات المطلوبة لإعادة نشرها على ألسنة الناس.
ورغم رياح التغريب التي تنوش لغة الضاد من كل جانب، مع عقباتٍ كأداءَ وجناياتٍ حمقاءَ يقترفُها بعضُ بَنِيها الذين استلبتهم الإلكترونياتُ الحديثةُ عقولهم فأصبحوا أسْراها وانزلقوا إلى مهاوي الاستسهال، باستخدام لغاتٍ أجنبيةٍ تارةً طلبًا للوجاهة الاجتماعية أو بالكتابةِ بطريقةٍ فرانكو آرابية شاذةٍ تاراتٍ أخرى؛ فإن الدراسات التي تتم داخل مجمع الخالدين لربط اللغة العربية بالذكاء الاصطناعي وأدوات العصر الحديث تؤكد أن هذه اللغة الشريفة قادرة على التفاعل مع كل معطيات العصر.
***
عدد من الدراسات الإحصائية التي أُجريت لقياس قرائية الشباب العربي تقولُ إننا في ذيلِ الأمم المُهتمة بالقراءة؛ حيث لا يتجاوز نصيبُ الفرد عدة صفحات سنويا، في حين أن هناك دولًا كثيرةً يتجاوز نصيبُ الفرد فيها عدة كتب.. بالإضافةِ إلى المشاهداتِ الحياتيةِ التي تقول، وبكل وضوحٍ، إن الشباب العربي لا يهتم كثيرًا بالقراءة، وإن الكتاب الآن لم يعد خير صديق ولا شر صديق لديه، فالعَلاقات بينهما مبتورةٌ منذ مئات السنين، اللهم إلا قلة تشغلها الأعمال الروائية التي تملأ المكتبات الآن فقط لأنها "موضة" تأخذ وقتها وتمضي؛ بل إن أغلبَ تلك الأعمال يُكتب بعاميةٍ رديئةٍ لا تُقدم زادًا معرفيًّا ولا لغويًّا حقيقيًّا.. ولو اهتم شبابُنا بالثقافةِ والقراءةِ بعضَ اهتمامهم بمتابعةِ كرة القدم والدوريات الأوربية لتغيرت ثقافتُنا كثيرًا ولعاد جوادُنا المعرفي إلى مضمارِه كرَّةً أخرى.
إنني أدرك تمامًا ضرورة العمل على وصل الشباب بلغتهم الأم، وأن بعضَ تكلساتِ النصوصِ الدِّراسيةِ تحتاجُ إلى تفكيكٍ وتشريحٍ وإعادةِ تدويرٍ لرفعِ تلك القشور الفارغة والوصول إلى لُبِّ الجمال اللغوي؛ وأدرك أيضًا أن هذا واجبٌ مُتأصلٌ عند مجمع اللغة العربية ووزارة التربية والتعليم والتعليم العالي والثقافة والأزهر والأوقاف وغيرها من مؤسسات الدولة.. كما أفهم أيضًا أن على الشبابِ فهمَ واجبهِم الوطني والقومي تُجاه لغتهم، وأن عليهم بذلَ المزيدِ من الجَهْدِ وإنفاقَ الوقتِ في القراءةِ والمُطالعة حتى تتغير ذواتُهم إلى الأفضل، ومن ثمَّ يستطيعون الإِدلاءَ بِدِلائِهم في مستقبل أوطانِهم.. وإذا كان (رابو دو سانت إتيين)، وهو أحد قادة الثورة الفرنسية قد قال: "إن تاريخنَا ليس شيفرتنَا الوراثية"، يقصد أن كل شيء في تاريخهم قابلٌ للتفكيك والتبديل.. فإننا نقول غير هذا، نقول إن لغتنَا العربيةَ هي شيفرتُنا الوراثيةُ.. هكذا خلقنَا الله.. "لا تبديلَ لخلقِ اللهِ، ذلك الدِّينُ القيِّم".
وأقول وأنا مطمئن على كرسي الاعتراف: إن علينا، معشر الصحفيين، واجبًا كبيرًا نحو لغتنا العربية.. إنني أعترفُ، وأنا بكامل قواي الصحفية، أن الصحف العربية تراجعت عن كثيرٍ من دورها التنويري الذي كانت تقوم به إبَّان بداياتها المُباركة لخدمة اللغة؛ حيث كان يكتبُ بها كبارُ السادةِ النقادِ والشعراءِ، كما كانت ساحةً لمعاركهم الأدبية التي ألهبت حماس الشباب وقتها ودفعتهم دفعًا للاقتباسِ من جذوة الإبداعِ، وتذوق حلاوته.. أعترفُ أن الصحفَ لم تقم بواجبها، كما يجب، نحو التوعية بقضية هوية اللغة ولُغة الهوية، وأنها لم تُنافح الواغشَ الذي تراكم على صفحاتها، وأضحت بضاعتُنا الصحفيةُ مُزْجاةً لا تُسمن ولا تُغني من لغةٍ راقية، حتى مددنا أيديَنا إلى اللغات الأخرى، وقلنا لها ما قاله إخوةُ يوسف: "أوفِ لنا الكيل وتصدَّق علينا، إن اللهَ يجزي المُتصدقين"، وليس أعداؤنا بسماحةِ يوسف، عليه السلام، ولا نحن كإخوته!
***
فتاءة الوعي بهوية الوطن تجبُ تذكيتها في نفوسِ أبنائنا بُكرةً وعشيَّا لربما نصلُ في القريب العاجل إلى ما ذكره أستاذي أبو همام، رحمه الله، من أن بائع خبز بسيطًا، إبَّان دراستهِ في إسبانيا، رفض إعطاءه الخبز، فقط لأنه نطق الكلمةَ بطريقةٍ غير صحيحةٍ.. تلك غَيرة محمودةٌ وسلوكٌ قويمٌ، نرجو أن ينفلتَ إلينا قريبًا.
ويبقى سؤالٌ: كيف نجعلُ اللغة العربية لغة حياة، بحيث نقضي على الازدواجية اللغوية الموجودة الآن بين لغة الكتابة ولهجة النطق في التعامل اليومي؟.. أعتقد أن إجابة هذا السؤال قابعة خلف أسوار مجمع اللغة العربية!



