منطق الدولة في زمن العواصف

الدكتور إبراهيم نجم
الدكتور إبراهيم نجم


بقلم : د. إبراهيم نجم
المستشار العام لمفتي الجمهورية


نعيش اليوم في زمن تتسارع فيه التحوّلات إلى حدّ يربك العقول والخطط معًا؛ فالعالم يتغيّر بسرعة في موازين القوة، وفي بنية الاقتصاد العالمي، وفي خرائط التحالفات، وفي طبيعة الحروب ذاتها.
أمّا منطقتنا العربية فتمرّ بمرحلة يمكن وصفها بمرحلة «العواصف المفتوحة»: حرب في غزة، صراع دموي في السودان، هشاشة في ليبيا، توترات في البحر الأحمر وشرق المتوسط، وضغوط اقتصادية غير مسبوقة على معظم دول الإقليم.
في قلب هذا المشهد تقف مصر؛ دولة بلغت من العمر ما يكفي لتشهد صعود إمبراطوريات وانهيار أخرى، لكنها ما زالت مطالَبة كل يوم بأن تجيب عن سؤال بسيط في صياغته، معقّد في تبعاته: أيُّ طريق نختار في إدارة هذه العواصف؟ طريق الهدم الانفعالي أم منطق الدولة؟
الهدم دائمًا أسهل من البناء. أسهل أن نلعن الواقع صباح مساء، وأن نُسقط كل المنظومة بجرة منشور، وأن نختزل الدولة في أشخاص، والمؤسسات في أخطاء، والتاريخ في لحظة واحدة. أسهل أن نسخر من كل مشروع، وأن نعتبر كل إصلاح «مؤامرة»، وأن نروّج لصورة سوداء لا مكان فيها لإنجاز أو أمل. هذه اللغة قد تريح البعض نفسيًا، لكنها لا تقيم دولة، ولا تبني اقتصادًا، ولا تحمي حدودًا.
في المقابل، منطق الدولة يدعونا إلى رؤية مختلفة. هذا المنطق ينطلق من حقيقة واضحة: مصر لا تملك رفاهية التجارب الفاشلة ولا ترف الفراغ. الفراغ في الدول ليس حيادًا، بل ساحة مفتوحة لمن يملؤها: جماعات متطرفة، تدخلات إقليمية، أجهزة استخبارات، مصالح اقتصادية عابرة للحدود. تاريخ المنطقة القريب يقدّم أمثلة كافية على دول انهارت مؤسساتها بحجة «إسقاط النظام»، فوجدت نفسها بعد سنوات قليلة أمام سؤال وجودي: هل تبقَى الدولة نفسها أم لا؟
منطق الدولة لا يعني تبرير الأخطاء ولا تقديس الأشخاص؛ على العكس، هو يفترض وجود آليات تصحيح ومساءلة من داخل المؤسسات لا من خارجها. الإصلاح في الدول الراسخة لا يحدث بأسلوب «الهدم وإعادة البناء من الصفر»، بل عبر تحسينات تراكمية، وإصلاحات متتابعة، وإعادة ضبط للمسار كلما لزم الأمر. لهذا يصبح النقد هنا واجبًا، لكن بشرط أن يكون نقدًا مسؤولًا، واضح الهدف، يضع البدائل، ويُفرّق بين خلل يمكن إصلاحه، وبين أصل يجب الحفاظ عليه.
النقد المسؤول جزء من منطق الدولة، لأنه يشحذ الوعي، ويكشف مواطن الضعف، ويضغط من أجل تحسين الأداء ورفع الكفاءة. لكن النقد الهدّام شيء آخر؛ هو الذي يخلط بين إسقاط سياسة وإسقاط الدولة، وبين المطالبة بتعديل مسار والتحريض على نسف كل ما هو قائم. هذا النوع من الخطاب لا يخدم المواطن، بل يضعف ثقته بنفسه وبمؤسساته، ويفتح الباب واسعًا أمام اليأس أو الارتماء في أحضان بدائل لا تقل قسوة عن الواقع، وربما أشد.
نحن في مصر أمام لحظة اختبار حقيقية: الضغوط الاقتصادية قاسية، والتحديات الإقليمية محيطة، وحملات التشكيك والتضليل حاضرة على مدار الساعة. لكن هذه اللحظة ليست لحظة انكسار حتمي. قدرة مصر على الصمود أمام الاحتلال، وعلى استعادة الأرض بعد الهزيمة، وعلى مواجهة الإرهاب لعقود، ليست مجرد «حكايات ماضية» نرددها للتفاخر، بل رصيد تاريخي وسياسي يمكن البناء عليه من جديد، إذا احتكمنا إلى منطق الدولة لا إلى منطق الفوضى.
ما الذي يعنيه ذلك عمليًا؟
يعني أولًا أن تتحمّل الدولة، برئاستها وحكومتها ومؤسساتها، مسؤولية الشفافية والشرح المستمر. الناس من حقهم أن يعرفوا حجم الأزمة، وسبب القرارات الصعبة، وأفق الإصلاح، وكيف ستوزَّع الأعباء، وما الضمانات التي تحمي الفئات الأضعف. منطق الدولة لا يكتفي بالقرار، بل يستكمله بالتفسير والإقناع، وبالاستعداد للاعتراف بالخطأ وتصحيحه.
ويعني ثانيًا أن النخب الفكرية والإعلامية والدينية مطالَبة بالخروج من منطقة الراحة، منطقة الشعارات النمطية، إلى مساحة أكثر مسؤولية. المثقف الذي يحوّل كل قضية إلى مادة للسخرية، أو الذي يرفع سقف الوعود بلا دراسة، لا يختلف كثيرًا عن السياسي الشعبوي. ورجل الدين الذي يترك الناس بين تطرف يجرّهم إلى العنف، وتسيّب يجرّهم إلى الفوضى الأخلاقية، يساهم من حيث يدري أو لا يدري في إضعاف مناعة المجتمع القيمية. والإعلام الذي يكتفي بترديد ما يطلبه المزاج اليومي، لا ما تقتضيه المصلحة الوطنية طويلة المدى، يفرّط في أهم سلاح تملكه الدول اليوم: سلاح الوعي.
ويعني ثالثًا أن الشباب ليسوا متلقين سلبيين. منطق الدولة لا يطلب منهم أن يصفّقوا لكل شيء، بل يدعوهم إلى أن يسألوا، وينقدوا، ويقترحوا، ويشاركوا في الحياة العامة عبر الأحزاب، والنقابات، والمبادرات المجتمعية، وريادة الأعمال. الشباب الذين يتم تهميشهم يتحوّلون إلى طاقة غضب كامنة، أمّا حين يُفتح لهم مجال حقيقي للمشاركة، فإنهم يصبحون ضمانة لاستمرار الدولة وتجددها.
ويعني رابعًا أن المجتمع ككل، من الأسرة إلى المدرسة، إلى الجامعة، إلى المسجد والكنيسة، مدعوّ إلى أن «يشدّ من أزر الدولة» وهو يطالبها في الوقت نفسه بالمزيد من العدالة والشفافية. العلاقة الصحية بين الدولة والمجتمع ليست علاقة تبعية مطلقة ولا خصومة دائمة، بل علاقة أخذ وعطاء، دعم ومساءلة، وثقة مشروطة بالأداء لا بالخطابة.
بهذا المعنى العميق يمكن لمصر أن تحجز مكانها في الصفوف الأولى من «الحديقة الدولية»؛ لا كدولة تستجدي الشفقة أو المساعدات، بل كدولة بمثابة رمانة الميزان تقدّم للعالم نموذجًا في كيف يمكن لدولة ذات جذور حضارية عميقة أن تتعامل مع عالم مضطرب بعقل رصين، ونَفَس طويل، وقلب واثق بشعبه وتاريخه وقدرته على الإصلاح من غير هدم، والتجديد من غير قطيعة، والعبور من زمن العواصف إلى أفق أكثر استقرارًا وعدلًا.

 

ترشيحاتنا