الصحّةُ النفسيّةُ في ميزانِ الشريعةِ الإسلاميَّة

د.عائشة عبدالجواد
د.عائشة عبدالجواد

بقلم: د.عائشة  عبد الجواد 
عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر الشريف وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية

عرَّفت منظَّمةُ الصحّةِ العالميّة (WHO) الصحّةَ النفسيّةَ بأنّها: "حالةٌ من الرّفاهِ النفسيِّ تُمكِّنُ الشّخصَ من مواجهةِ ضغوطِ الحياةِ، وتحقيقِ إمكاناتِه، والتعلُّمِ والعملِ على نحوٍ جيّدٍ، والإسهامِ في مجتمعِه المحليِّ.
ووفقًا للمنظَّمة؛ فإنَّ الصّحّةَ النفسيّةَ حقٌّ أساسيٌّ من حقوقِ الإنسان.
ومن يتأمَّلُ هذا التعريفَ يلحظُ أنَّه يُسلِّطُ الضوءَ على البُعدِ الجوهريِّ للصّحّةِ النفسيّةِ في تكوينِ الإنسان؛ إذ تمسُّ قدرتَه الأساسيّةَ على المحافظةِ على حياتِه، وانفتاحِه على تجربةِ الوجودِ، وفعاليّةِ قيامِه بأدوارِه، وكفاءةِ إنتاجيَّتِه، وجودةِ علاقاتِه. كما نلحظُ ما أقرّتْه المنظّمةُ من كونِها حقًّا من حقوقِ الإنسان.
وعند النّظرِ في الشريعةِ الإسلاميّة نظرَ من آنسَ بها، وفقِهَ مقاصدَها وأحكامَها، وغاصَ في دقائقِها، وجدَ أنَّ هذا المعنى ينسجمُ انسجامًا تامًّا مع مقصدٍ جليلٍ من مقاصدِ الشرعِ الحنيف، وهو مقصدُ حفظِ النَّفسِ الذي أرستْهُ الشريعةُ الغرّاءُ أصلًا من أصولِها الكبرى.
وعليهِ، فإنَّ أسسَ الصحّةِ النفسيّةِ في الشريعةِ الإسلاميّةِ يمكنُ استجلاؤُها من خلالِ ما يأتي:


أوّلًا: تعظيمُ حُرمةِ النَّفسِ الإنسانيّة
فقد أنزلَها الإسلامُ منزلةَ الأمانةِ التي استودعَ اللهُ الإنسانَ حِفظَها، وشدّدَ على حُرمةِ إزهاقِها أو الإضرارِ بها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾( )، وهذا التعظيمُ للنفسِ يشملُ نفسَ الغيرِ كذلك؛ إذِ الآياتُ والأحاديثُ متواترةٌ في الدلالةِ على حُرمةِ أذيّةِ الغير، وكانت سيرةُ النبيِّ ﷺ ترجمانًا لرعايةِ النفوسِ وحفظِها على أتمِّ وجوهِ الشفقةِ والرّحمةِ.


ثانيًا: مراعاةُ الفطرةِ الإنسانيّةِ، والموازنةُ بين حاجتَيِ الرّوحِ والجسدِ
ففي الحديثِ الشريفِ أنَّ نفرًا من أصحابِ النبيِّ ﷺ سألوا أزواجَه عن عملِه في السِّرِّ، فقال بعضُهم: لا أتزوّجُ النِّساءَ، وقال بعضُهم: لا آكلُ اللّحمَ، وقال بعضُهم: لا أنامُ على فراشٍ، فحمدَ اللهَ وأثنى عليهِ، ثم قالَ: "ما بالُ أقوامٍ قالوا كذا وكذا؟ لكنّي أُصلّي وأنامُ، وأصومُ وأُفطرُ، وأتزوّجُ النِّساءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ منّي".
فالنَّفسُ التي يقصدُ الشرعُ حِفظَها وحدةٌ متكاملةٌ تتّصلُ فيها الرّوحُ بالجسدِ؛ فما تستروحُ به الجوارحُ من المباحِ تستروحُ به الرّوحُ، وما يَرِدُ على الرّوحِ من الأُنسِ واللّطائفِ يصحُّ به مزاجُ الجسدِ، وما يُمرِضُ أحدَهما يُمرِضُ الآخر.
فليسَ الإنسانُ في الإسلامِ آلةً مفكَّكةً يعملُ كلُّ جزءٍ منها بمعزلٍ عن الآخرِ كما تبُثُّ بعضُ الفلسفاتِ الماديّة، بل هو كِيانٌ متناسقٌ تراعى فيه حاجاتُ الرّوحِ والجسدِ معًا. ومن ثَمَّ لا يُغرقُ المرءُ في ملذّاتِ الجسدِ حدَّ إهمالِ الرّوحِ، ولا يَحتقرُ حاجتَهُ الجسديّةَ بصورٍ من الرهبانيّةِ المُبتدَعةِ، بل يُوازِنُ بينهما وفقَ هديِ الشريعةِ ومقاصدِها.
ثالثًا: العنايةُ بالمعنى كركيزةٍ لفهمِ الوجودِ وإدراكٍ تستقيمُ به الحياة.
فمن ركائزِ التصوّرِ الإسلاميِّ معرفةُ اللهِ تعالى؛ ليُعبَدَ على بصيرةٍ، والتبصّرُ في النفسِ والملكِ والملكوتِ، والسعيُ في عمارةِ الأرضِ عن قصدٍ ومسؤوليّةٍ.
وقد حفِلَ القرآنُ الكريمُ بالحثِّ على ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
إنَّ الشقاءَ الذي خلَّفَه غيابُ المعنى عن الوجودِ الإنسانيِّ، وما ترتّبَ عليه من تشوّهٍ في التصوّرِ وفقدٍ للغايةِ من الحياةِ، قد جرَّ على الإنسانِ عذاباتٍ كثيرةً. وقد تنبَّه لذلك بعضُ رُوّادِ الطبِّ النفسيِّ في العالمِ الغربيِّ؛ إذ أدركوا أنَّ فقدَ المعنى أحدُ أبرزِ أسبابِ الاضطراباتِ النفسيّةِ.
أمّا في التصوّرِ الإسلاميِّ، فإنَّ الوجودَ منزَّهٌ عن العبثِ، بل هو قائمٌ على معنًى عميقٍ يُحرِّرُ الإنسانَ من الخوفِ والقلقِ والارتهانِ للمجهولِ، وهي أمورٌ كان غيابُها سببًا في أمراضٍ نفسيّةٍ كثيرةٍ أضرّت بالإنسانِ في هذا العصر.
رابعًا: الحفاوةُ بالعافيةِ كمطلبٍ عزيزٍ يُسألُ من الله.
فقد كان من دعائِه صلى الله عليه وسلم إذا أصبحَ: "اللهمَّ إنِّي أسألُك العافيةَ في الدنيا والآخرةِ، اللهمَّ إنِّي أسألُك العفوَ والعافيةَ في ديني ودنياي".
ولا شكَّ أنَّ مفهومَ العافيةِ في الحديثِ يشملُ عافيةَ النفسِ كما يشملُ عافيةَ البدنِ؛ ولذا جاء الأمرُ بالتداوي عند المرضِ، واستصلاحِ ما يمسُّ المرءَ من داءٍ في بدنه أو نفسه، تحقيقًا لسلامةِ الكيانِ الإنسانيِّ في جوانبه كلِّها.
خامسًا: الحثُّ على تهذيبِ النفسِ وتزكيتِها.
فالنفسُ التي زكَت وطهُرت يسهلُ سيرُها إلى اللهِ، وتقي الآخرينَ غوائلَها. وقد أفاضَ الإمامُ الغزاليُّ في كتابِه العظيم (إحياء علوم الدين) في بيانِ وسائلِ التزكيةِ وطرائقِ تهذيبِ النفسِ، مُبرزًا أنَّ سلامةَ القلبِ هي أساسُ الصِّحّةِ النفسيّةِ للفردِ، وركنٌ في سلامةِ المجتمعِ واستقرارهِ.
سادسًا: العنايةُ بالتكافلِ المجتمعيِّ.
فقد قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ المؤمنينَ في توادِّهم، وتراحمِهم، وتعاطفِهم، مَثَلُ الجسدِ؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسَّهَرِ والحُمّى".
والإسلامُ يُولِي التراحمَ والتكافلَ عنايةً بالغةً، لما لهما من أثرٍ في استقرارِ النفوسِ وسلامتِها. أمّا غيابُ هذه القيمِ فخلَّفَ عزلةً واضطراباتٍ نفسيّةً في المجتمعاتِ الحديثةِ، تحت تأثيرِ دعاوى الفردانيّةِ المضلِّلةِ التي قَطَعت الإنسانَ عن غيرِه.
ختامًا:
إنَّ الصّحّةَ النفسيّةَ مِمّا يحفظُه الإسلامُ ويعتني به عنايةً فائقةً، لما لها من أثرٍ عظيمٍ في طمأنينةِ الفردِ واستقرارِ المجتمعِ. وإنَّ ثمرتها تظهرُ في السَّكينةِ والسِّلمِ الاجتماعيِّ، وهما مقصدانِ جليلانِ تدعو إليهما الشريعةُ الإسلاميّةُ الغرّاءُ، التي جاءت لصلاحِ الإنسانِ في دُنياه وآخرتِه.