السفير محمد الشاذلي: البلطجة عنوان النظام الدولي
د. سيد أحمد: أمريكا تحمي إسرائيل ولا تكتفي بالدعم العسكري والاقتصادي
فى تحد جديد للقانون الدولى قامت الولايات المتحدة أخيراً بفرض عقوبات جديدة على قضاة بالمحكمة الجنائية الدولية، وصرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أن بلاده فرضت عقوبات جديدة على قاضيين ومدعين اثنين بالمحكمة الجنائية الدولية، في وقت تواصل فيه واشنطن ضغطها على المحكمة بسبب استهدافها قادة إسرائيليين، تأتي هذه الخطوة بعد أقل من 3 أشهر من اتخاذ الإدارة الأميركية خطوة غير مسبوقة بفرض عقوبات على 4 قاضيات في المحكمة ذاتها.
وانتقدت المحكمة هذه الخطوة، ووصفتها بأنها محاولة لتقويض استقلال المؤسسة القضائية، وفي فبراير الماضي، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً لفرض عقوبات على المحكمة، منتقدا إصدارها أوامر اعتقال لنتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف جالانت، وتجمد العقوبات أي أصول أمريكية قد يمتلكها الأفراد، وتعزلهم فعليا عن النظام المالي الأمريكي..
وللمحكمة الجنائية الدولية، التي تأسست عام 2002، ولاية قضائية دولية للمقاضاة في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في الدول الأعضاء أو في حال إحالة قضية من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتجري المحكمة تحقيقات بارزة في شبهة جرائم حرب في حرب غزة وفي الحرب الروسية الأوكرانية وكذلك في السودان وميانمار والفلبين وفنزويلا وأفغانستان.
تنظيم دولي
ويرى السفير محمد الشاذلي مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن فرض تلك العقوبات منتهى الاستهانة بالقضاء والعدالة الدولية فمثلا عند دخول اى محكمة وتم اصدار اى كلمة تسئ للقاضى فمن حقه إصدار حكما بتهمة ازدراء المحكمة، والولايات المتحدة ليست عضوا بالمحكمة الجنائية الدولية ولكن هذا لا يمنع أن تلك المحكمة تنظيم دولى له اعتباره وله مكانته ولا يجوز المساس به او تهديد قضاته، وهذا مظهر من مظاهر انهيار معايير العدالة الدولية والقانون الدولي، واستعرض مثالا فجا على ذلك حيث قام ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة وأمام الجمعية العمومية بتمزيق ميثاق الأمم المتحدة أمام أكثر من 190 دولة فهل هناك ازدراء أكثر من هذا، الامم المتحدة لم تصدر قرارا بسحب الاعتراف به وهذا اقل شئ ممكن، وهذا يعطينا تصورا للحالة التى وصلها لها القانون الدولي والعدالة الدولية والتنظيم الدولي.
ولا يحق لأمريكا منع الرئيس الفلسطينى من الحضور لمقر الأمم المتحدة مما يخل بالمنظومة فمقر الأمم المتحدة له حصانته وليس من حقى كدولة يوجد بها هذا المبنى ان اقوم بمنع عضو فى نزاع دولى من الوصول الى قاعات الأمم المتحدة والحديث للدفاع عن قضيته، وكل ذلك مظهر من مظاهر انهيار العدالة الدولية، ومثال آخر على ذلك ما قامت به فرنسا من اصدار اعتقال بحق بشار الاسد وانا لا اتعاطف معه ولكن هل ما فعله بشار يفوق ما قام به نتنياهو، فإذا كنا نعتبر أن هناك معايير للعدالة الدولية كنا يجب أن يكون هناك مذكرة اعتقال بحق نتنياهو ايضا، الساحة الدولية تتحول إى قوى التعامل به بالبطش وليس بالعدالة ولا القانون.
تقويض العدالة
وقال دكتور أحمد سيد أحمد خبير العلاقات الدولية والشؤون الأمريكية، فى الحقيقة أن العقوبات الامريكية ضد قضاة المحكمة الجنائية الدولية أولا يعكس الانحياز الأمريكي السافر لإسرائيل وأن أمريكا لا تكتفي بالدعم العسكرى والاقتصادى فى حربها على غزة والضفة الغربية ولكن توفر لها أيضا المظلة الحمائية من المحاكمة الدولية، وهذا ما انعكس فى رفض قرارات المحكمة وفرض عقوبات على قضاتها، كما قامت رفضت قرار محكمة العدل الدولية التى تنظر فى الجرائم التى ارتكبتها إسرائيل والابادة الجماعية فى قطاع غزة حيث إنه بعد أن طالبت المحكمة العام الماضي إسرائيل باتخاذ إجراءات احترازية قامت أمريكا برفض قرار المحكمة، وأوقفت تمويلها للأونروا، وهذا ما حدث مع الجنائية الدولية التي أصدرت مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه السابق جالانت لارتكابهم جرائم حرب واستخدام سلاح التجويع ضد الفلسطينيين، فما كان من أمريكا إلا فرض عقوبات وملاحقة الامين العام كريم خان الذى طالب المحكمة بإصدار مذكرة الاعتقال، وقام الكونجرس والبيت الأبيض ووزارة الخزانة بفرض عقوبات على القضاة فى إطار الترهيب والعقاب لقيامها بإدانة اسرائيل.
بالطبع هذا الموقف الأمريكى له تداعيات سلبية خطيرة أولى هذه التداعيات أنه يؤثر على سير العدالة الدولية وينتهك القانون ويقوض أسس العدالة الدولية لأن المحكمة الجنائية هي المختصة بمحاكمة الأفراد الذين يرتكبون جرائم ابادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية ورغم عدم عضوية امريكا واسرائيل بالمحكمة الا انها تفرض عقوبات ويؤكد على سياسة المعايير المزدوجة التي تتبعها أمريكا ضد المنظمات الدولية لادانتها ما تقوم به اسرائيل ومسؤليتها عن جرائم الابادة، بينما قامت بدعم الجنائية الدولية عندما أصدرت مذكرة اعتقال بحق الرئيس الروسى بوتين لمجرد اتهامه بأنه قام بنقل عدد من الأطفال الصغار القصر من اوكرانيا الى روسيا، ولكن عندما يتعلق الامر باسرائيل اتخذت إجراءات ضد المحكمة.
ضوء أخضر لحكومة نتنياهو المتطرفة
التداعيات السلبية الثانية والخطيرة من الموقف الأمريكى وحماية إسرائيل فى مجلس الأمن ومنع صدور أى قرارات ادانة او الوقف الفورى للعدوان في قطاع غزة وهو يعطى ضوء أخضر لنتنياهو وحكومته المتطرفة فى المضى قدما فى ابادة جماعية سواء فى غزة او الضفة، وإطلاق يد المستوطنين ضد الفلسطينيين لأنه هو وحكومته بمنأى عن المحاسبة الدولية فيفعل ما يشاء وهذا يمثل خطورة وأمريكا تتحمل جزء من المسؤولية عن الجرائم التى ترتكب فى القطاع.
وفيما يتعلق بقرار أمريكا السياسى بعدم منح تأشيرة دخول للرئيس أبو مازن لألقاء كلمته المعتادة في الأمم المتحدة على هامش اجتماعات الجمعية العمومية فى سبتمبر من كل عام، وكذلك منع 80 مسئول فلسطينى، وهذا جزء من الانحياز الأمريكي السافر والدعم المطلق لاسرائيل و إمدادها بالأسلحة المحرمة دوليا، ومعادة الفلسطينيين ورفض أى دعم أو تعاطف دولى معهم لانها لا تريد حل الدولتين مثلها مثل اسرائيل، وقرار منع ابو مازن هو محاولة لكتم صوت فلسطين خاصة أن تلك الدورة مهمة وغالبا ستشهد اعتراف عدد من الدول المهمة بالدولة الفلسطينية، وعلى رأسها فرنسا وانجلترا وكندا وغيرها من الدول التي اعتزمت الاعتراف بفلسطين، وهذا قرار غير قانوني فالأمم المتحد منظمة لها قوانينها التي تحكمها، وفى عام 1988 منعت امريكا الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات ومع ذلك يستطيع القرار الامريكى كتم الصوت الفلسطينى بل بالعكس زاد التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية.
العفو الدولية
وقالت منظمة العفو الدولية أن هذا الهجوم على المحكمة الجنائية الدولية يرمى إلى إلحاق الضرر بسعيها المستقل لتحقيق العدالة الدولية، و ستضر العقوبات الصادرة بالمساءلة التي تُعتبر عنصرًا أساسيًا للأمن العالمي والمستدام. كما أنّها ستشجّع الجناة، في الحاضر والمستقبل، وستؤثر سلبًا في مصالح جميع الضحايا عالميًا وأولئك الذين يتطلعون إلى المحكمة للحصول على العدالة في كافة الدول التي تُجري فيها تحقيقات، ومن ضمنها دارفور، وليبيا، والفلبين، وفلسطين، وأوكرانيا، وفنزويلا.
كما تشكل العقوبات إهانة للدول الأعضاء الـ 125 التي أجمعت على وجوب أن تكون المحكمة قادرة على السعي وراء العدالة بفعالية – ما يعني أنها ينبغي أن تكون قادرة على القيام بمهام قضائية مستقلة، مثل إصدار مذكرات اعتقال، و يتعين على الحكومات حول العالم والمنظمات الإقليمية أن تبذل قصارى جهدها للتخفيف من وطأة عقوبات الرئيس ترامب وإبطال تأثيرها..
وقد أصدرت منظّمة العفو الدوليّة، والائتلاف من أجل المحكمة الجنائية الدولية، وما يزيد على 140 من المنظمات غير الحكومية والتحالفات المنتمية إلى عضويتها من مختلف أنحاء العالم بيانًا مشتركًا يعارض جهود الولايات المتحدة لفرض عقوبات تتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية، ويحض الدول الأعضاء على الدفاع عن المحكمة، ومسؤوليها، والمتعاونين معها ضد التدابير الرامية إلى تقويض تفويضها الأساسي من أجل العدالة.
ودعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك الولايات المتحدة عند بداية فرض العقوبات إلى رفع العقوبات المفروضة على أربع قاضيات في المحكمة الجنائية الدولي، قائلا إنها تتعارض مع سيادة القانون وإلى إعادة النظر في هذه الإجراءات الأخيرة ورفعها فورا وأضاف أن الهجمات على القضاة بسبب أدائهم لمهامهم القضائية، على المستويين الوطني والدولي، تتعارض مع احترام سيادة القانون.



