د. أحمد عبدالحي: نصوص الميراث قطعية لا تقبل الإجتهاد
محمود الجبرتي: صراع مفتعل.. وأحكام الميراث واجبة
إبراهيم المحمدي: طرح مشبوه للنيل من ثوابت الدين
ما تزال قضية المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث محل نقاشات ومشاحنات واسعة في الأوساط القانونية والدينية في جميع أنحاء العالم الإسلامي، خاصة مع تصاعد الأصوات التي تدعي أنها ''حقوقية''، وتطالب بتعديل قوانين الإرث، وإجراء استفتاء شعبي، لتتوافق من وجهة نظرهم مع مبادئ المساواة الكاملة المنصوص عليها في المواثيق الدولية، فيما يعتبرها آخرون مساسا بثوابت الشريعة الإسلامية واعتداء سافرا عليها لا يجوز بحال من الأحوال أن يسمح بحدوثه.
دار الإفتاء حسمت هذا الجدل حول الدعوة إلى المساواة في الميراث، وأكدت أن ثوابت الدين ليست محل تصويت، كما رفض علماء الدين هذه الدعوات رفضا شديدا وأكدوا أنها تعد على الحدود التي رسمها الشارع سبحانه وتعالى.
قال د. أحمد عبد الحى ''أمين لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، إن النصوص المتعلقة بعلم الميراث في الإسلام هي من النصوص القطعية التي لا تقبل الاجتهاد أو التغيير بإجماع الصحابة وتناسب كل زمان، مشيرا إلي أن الخالق عز وجل قد تولي تقسيم المواريث في القرآن الكريم لأهميته، وارتباطه بقضايا وأحكام عديدة.
وأوضح د. عبدالحي أن الادعاء الدائم بأن أحكام الشريعة لا تناسب الزمان وتطور العصر هو ادعاء باطل لا يراد به إلا خلع الإسلام من قلوب المسلمين، فضلًا عن كونه فتنة عظيمة في دينهم لا تكون نتيجتها إلا الانحراف الفكري، مؤكدا أن التدليس بالاستدلالات غير الصحيحة على تحليل الحرام أو تحريم الحلال بغرض تطبيع المنكرات داخل المجتمع جرائم فكرية ومعرفية ينبغي محاسبة مرتكبها والداعي إليها.
صراع مفتعل
وأكد الشيخ محمود الجبرتى أمين الفتوى بالأزهر الشريف، أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي الضابط الحاكم لجميع مواده كما أفاد الدستور في مادته الثانية، مبينا أن اختلاق الصراع بين الفقه والقانون، كان بمثابة الثغرة استند إليها التكفيريون والمتطرفون في انتهاج العنف وتكفير المجتمع واستحلال دمه.
وأوضح "الجبرتي" أنه لا خلاف بين العلماء في جواز تبرع الشخص لأخته، أو غيرها من ماله أو نصيبه من الميراث، كما لا يوجد ما يمنع من تبرع الأخت لأخيها، أو أي من أقربائها ومساعدته من ميراثها، مبينا أن التبرع باب من أبواب الإحسان، ولكن أن يُتخذ هذا التصرف الفردي ذريعة لاقتراح تشريع عام ملزم يُلغي أصل جواز التبرع علاوة على أحكام المواريث القطعية، فذلك خلط بين التصرف الفردي والتشريع الإلزامي، وهو مغالطة لا تخفى على ذوي العقول والبصيرة.
وأضاف أمين الفتوي بالأزهر، أن الفرضيات الجدلية لا تُنتج أحكاما شرعية، حين يُقال «لو تراضى المجتمع على المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث، فلماذا لا يُشرع ذلك؟»، فهذه فرضية مفتعلة لا تغير من الحقيقة شيئا، لأن الأحكام الشرعية توقيفية، أي لا تغير بالتصويت ولا بالتوافق المجتمعي، خاصة وأن من ينادون بذلك يتغافلون أن من أسماء هذا العلم علم الفرائض، جمع فريضة، وهو ينزع عنه صفة الفريضة والواجب عند التوزيع إلى صفة الحق فقط، وينسون أن الله تعالى قال في آيات الميراث: {فريضة من الله}، فأحكام الميراث ليست حقا فقط لصاحبه التبرع به، بل واجب وفريضة، وليس رأيا بشريا قابلا للإلغاء أو التعديل.
وأكد "الجبرتي" أن ما يُراد فعليا من هذه الدعوات ليس المساواة كما يدعى من ينادون به، بل نزع القداسة عن النصوص القطعية، وتحويلها إلى ساحة نقاش وجدال، لكنها أمور محفوظة بحفظ الله لها، لأنه إذا قُبل هذا المنطق غير المستقيم، فستُفتح الأبواب لكل تأويل باطل، يُقاس فيه المشروع «التبرع» على غير المشروع «تغيير الفرائض»، ويمهد لهدم الضروريات الخمس، تحت غطاء «الاجتهاد المجتمعي».
طرح مشبوه
من جانبه أضاف إبراهيم المحمدى، أنه إذا ما تم تشريع المساواة في الميراث، فلن يعود التبرع خيارا؛ بل يُصبح حقًا قانونيًّا يُمكن أن يُقاضى الأخ إن لم يعطِ أخته ما لم يُفرض عليه شرعًا، فيُسلَب الإنسان ماله، ويُحمّل ما لم يُكلّفه الله به، وهذا هو عين الظلم، مشيرا إلى أن الثوابت ليست قاصرة على العبادات أو أركان الإسلام، بل كل قطعيات الدين، أي التي ثبتت بنص قطعي الثبوت وقطعي الدلالة سواء في كل مجالات التشريع الإسلامي، كما لا يخفى ذلك على العامة، فضلًا عمن ينتسب للعلم.
ولفت إلى أن هذه الدعوى من شأنها قلب الموازين في المجتمع، فبدلًا من أن يحمى التشريع القانوني الحق الشرعي ويضمن تنفيذه على خير وجه، يحاول أصحاب هذا الطرح المشبوه أن يجعلوا التشريع القانوني معتديًا على الحقوق الشرعية وطريقًا لسلب الناس حقوقهم وأموالهم، مستندًا في سلبه إلى قابلية الحق للتبرع بعد وجوبه.
وتابع "المحمدي" أنه ليس هناك تعارض بين الفقه الإسلامي في جهة والدستور والقانون المصري من جهة أخرى، حتى يُختلَق صراع أو تُعقَد مقارنات بينهما، لا سيما وأن تشريعات القانون المصري استُقِيت أكثرُها من أحكام الفقه الإسلامي الحنيف، مؤكدا أن إغراءُ فئةٍ من الشعب بالتمرد على القانون، بزعم أحقيتها في تفسيره تفسيرات شخصية أو رفض تطبيقه بالكلية، ثمرةٌ من ثمرات الفكر المعوج الداعي لـ «الفردانية»، والتي تعني أحقية كل فرد في تشكيل مبادئ تدينه الخاص وقوانينه الشخصية؛ وفقًا لأهوائه ومطامعه الدنيوية، وبما يخالف الشرع والقانون والنظام العام، ولا يخفى الأثر السلبي لهذه الفوضى على السّلم والاستقرار المجتمعي.
نصوص قطعية
ونوه بأن مجمع البحوث الإسلامية أكد أن النصوص المتعلقة بعلم الميراث في الإسلام نصوص قطعية محكمة راسخة لا تقبل التعديل. كما أن تجديد الفكر وعلوم الإسلام حِرفة دقيقة لا يُحسنها إلا العلماء الرَّاسخون، المشهود لهم بالديانة والتَّمكن، داخل الأروقة العِلمية، وليس على الشّاشات أو بين غير المُتخصّصين، والفكر المُتطرف في أقصى جهتيه جامد يرفض التجديد بالكلية في جِهة، أو يُحوِّله إلى تبديد للشَّرع وأحكامه.
وأكد "المحمدي" أن التَّستُّر خلف لافتات حقوق المرأة للطعن في أحكام الدين، وتصويره كعدوٍّ لها، حيلة مغرضة تستهدف تنحية الدين وتقزيم دوره، وتدعو إلى استيراد أفكار غربية مشوهة، دخيلة على المُجتمعات العربية والإسلامية؛ بهدف ذوبان هُوُيَّتِها وطمس معالمها.
وأشار إلى أنه لا يشكك في الدين وأحكامه إلا كل طاعن مختل التفكير، حيث يتغافل عن الجوانب التعبدية للشرع الشريف؛ فالمُسلم الحق هو الذي استسلم لله سبحانه وتعالى، في الحكم والتشريع، وهو الحَكَم العدل المُحيط، الذي يعلم خلقه، ويعلم ما يُصلحهم، قال الله عز وجل في آيات المواريث: "تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا.."



