خطر الصهيونية الدينية علي السلم والأمن العالمي

بقلم: د. ابراهيم نجم ، المستشار العام لمفتي الجمهورية
بقلم: د. ابراهيم نجم ، المستشار العام لمفتي الجمهورية

بقلم: د. ابراهيم نجم
الصهيونية الدينية تستند إلى قراءة انتقائية للتوراة تعتبر أن اليهود شعب مصطفى من الله، وأن لهم حقًا إلهيًا حصريًا في أرض فلسطين التاريخية، ويرى أتباع هذا التيار أنهم مكلفون بتنفيذ وعد إلهي بغزو الأرض وإقامة دولة يهودية تمتد “من البحر إلى النهر” دون أي اعتبار لوجود الشعب الآخر حتى أن الحاخام تسفي يهودا كوك (الأب الروحي للصهيونية الدينية) أعلن صراحةً: “كل هذه الأرض هي لنا وحدنا، ولا نقبل التنازل عن أي جزء منها للآخرين… لا توجد أراضٍ عربية هنا، بل أرض إسرائيل، ميراث أجدادنا الأبدي” . وهذا التصور الإقصائي يُبرِّر عدم اعترافهم بأي حقوق وطنية للفلسطينيين، الذين لا يُنظر إليهم إلا كمقيمين عارضين بلا جذور تاريخية . وبفعل هذه العقيدة، يؤمن قطاع واسع من المتدينين الصهاينة بتفوّق اليهود عرقيًا ودينيًا باعتبارهم “شعب الله المختار”، فيما يُختزل “الآخر” – أي الفلسطيني – بأنه أدنى منزلةً ووجوده طارئ على الأرض .

على الجانب العملي، أصدر حاخامات متطرفون فتاوى صريحة تدعو إلى طرد العرب وعدم الرحمة بهم، بل وتحضّ على قتلهم عند الضرورة وعدم التنازل لهم عن أي شبر من “أرض إسرائيل” . ووصل التطرف ببعضهم مثل الحاخام إسحق غينزبورغ إلى القول إنه “لن يكون ممكنًا إنشاء مملكة القداسة (اليهودية) ما لم نتعلم كيف نكون أشرارًا حقًا تجاه الآخر الذي يستحق ذلك، وينبغي طرد أي غريب غير يهودي من حدودنا بالقوة” .

مثل هذه التأويلات الحرفية للنصوص الدينية اليهودية – التي تستحضر قصص العماليق ووجوب إبادتهم – أعادت إنتاج عقلية دينية إقصائية وعنصرية تبرر العنف ضد الفلسطينيين بوصفه واجبًا مقدسًا. وقد انعكست هذه الأفكار عمليًا في جرائم مستوطنين متطرفين مثل مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994 التي ارتكبها باروخ غولدشتاين، وإحراق عائلة دوابشة الفلسطينية عام 2015، وغيرها من الاعتداءات التي تستهدف المدنيين العزل .

بالرغم من الخطاب الروحاني الذي يتدثر به المعسكر الصهيوديني ، فإن الدين لديه ليس سوى أداة سياسية لتعبئة الأتباع وتحقيق مآرب دنيوية ضيقة.

الصهيونية الدينية – كتيار سياسي – مزجت المعتقد الديني بمشروع قومي استيطاني، فحوّلت الوعد اللاهوتي بأرض الميعاد إلى برنامج سياسي للتوسع وضم الأراضي . هي في جوهرها حركة قومية متطرفة تستغل الرموز الدينية لتعبئة الشارع الإسرائيلي خلف أهدافها التوسعية. وقد أدى صعودها في العقدين الأخيرين إلى هيمنة خطاب ديني متشدّد على السياسة الإسرائيلية؛ حيث باتت مفردات “التحرير الكامل لأرض إسرائيل” و*“الحرب على الأعداء الأغيار”* شائعة في تصريحات وزراء وأعضاء كنيست ينتمون لأحزاب مثل “الصهيونية الدينية

ويلاحظ المراقبون أن هذه الحكومة استغلّت أجواء الحرب على غزة لتطبيق أجندتها باندفاع أكبر؛ فقد شجّعت ضمنيًا توسيع الاستيطان والعنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية أثناء انشغال الأنظار بغزة  . بكلمات أخرى، استخدم المتطرفون الصهاينة الحرب كذريعة لتسريع مشروعهم الإيديولوجي في “أرض إسرائيل الكبرى”.

لقد أثبتت وقائع الحرب الأخيرة أن تطرّف أحد الطرفين يُغذِّي تطرف الطرف الآخر في حلقة مفرغة من العنف المتبادل. فالهجوم الذي حدث في السابع من أكتوبر حرّك أشد الغرائز تطرفًا لدى اليمين الإسرائيلي، والذي ردّ بحملة عسكرية شعواء على غزة تبنّت خطاب الثأر المقدس ودعوات بعض قادته إلى “سحق العدو بالكامل

إن استمرار هذا النهج من الجانب الإسرائيلي ينذر بإدامة حالة الحرب الدينية المفتوحة، ليس فقط بين إسرائيل والفلسطينيين، بل ربما على نطاق إقليمي أشمل. ومن هنا، لا يمكن إحلال سلام حقيقي إلا بتهميش هذه الأصوات

الإسرائيلية المتطرفة وكبح قدرتها على التحكم في زمام الأمور.

وعليه، فإن إنقاذ مستقبل السلام في المنطقة يستوجب وقفة جماعية ضد كل من يستغل العقيدة لإشعال الحروب.

 إن إطفاء نار هذا الصراع يتطلب نزع القداسة الزائفة عن العنف الإسرائيلي، وإعادة الاعتبار لقيم التعايش ورفع الظلم والعدالة ووقف الإبادة والكرامة التي نادت بها كل الأديان.

بذلك فقط يمكن كسر الحلقة المفرغة التي جعلت من غزة وسواها ساحات لحرب “دينية” عبثية، والانطلاق نحو مستقبل يعمّه سلام عادل وشامل يستفيد منه الجميع. فالسلام لن ينتصر إلا حين يتراجع المتطرفون الصهاينة، ويعلو صوت الاعتدال على قرع طبول الحرب المقدسة.

 

ترشيحاتنا