الفكر لا يواجه إلا بالفكر والحجة لا تقارع إلا بالحجة والرأي لا يحاجج إلا بالرأى، فالذين يطلقون أحكام التكفير على كل من يخالف رأيهم وكأنهم يملكون صكوك الإيمان ومفاتيح الجنة والنار لم يقرأوا كتاب الله تعالى بعين العقل، وكذلك الذين يواجهون الفكر بالرصاص ويزيدون الهوة اتساعا بين المختلفين في الرأى ويوسعون فتق الجدل على راتق التآلف ويحولون الرؤى إلى حلبة صراع النصر فيها لصاحب العضلات القوية والحنجرة الجهورية، الراجح أن هؤلاء جميعا لم يعوا آيات الكتاب المبين ولم يتدبروا قول الحق تبارك وتعالى: }ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن{ هذه الآية الكريمة قاعدة ذهبية أرساها القرآن الكريم في مجال الحوار ليس فقط بين أصحاب الآراء المختلفة وإنما بين المتخالفين في الدين نفسه.
إنه مبدأ الجدل بالحسنى لا بالسلاح وبالتي هي أحسن لا بالتي هي أقوى أو أعلى صوتا وأكثر قدرة على الضجيج والصخب الذي يضيّع الحقائق ويحجبها خلف الحناجر، ذلك أن الإسلام يريد من المسلمين أن يكونوا أقوياء في الحجة ومواجهة الفكر بالفكر والرأى بالرأي ولا يريد شتامين ولا مكفرين مهما بالغ المتطاولون في تطاولهم وأساءوا الأدب.
إن الحوارات التي سجلها القرآن الكريم بين الأنبياء والرسل من جهة وبين المنكرين الكافرين من الجهة المقابلة جميعها تؤكد أن كلا يقدم حجته وأن رفع السلاح لا يكون إلا إذا تعدى المنكرون مرحلة الحجة إلى مرحلة المواجهة العضلية أو المسلحة.
فها هو أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام يحاور النمرود الذي يحاججه في ربه وهو حوار يضع أيدينا ويفتح عقولنا وعيوننا على نموذج راجح لمقارعة الحجة بالحجة وكأنما يقول لمن يعي هكذا تدحض أي فكر منحرف وبهذه الطريقة تواجه أي هجمات على مقدساتك ورموزك.
يقول تعالى في سورة البقرة: }أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{
وها هو موسى واخاه هارون عليهما السلام يحاوران فرعون برفق ولين تنفيذا للأمر الإلهي }فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى{
بينما يمتدح الله تعالى رسوله بقوله: }فبما رحمة من الله لنت لهم ۖ ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك{.



