الأخذ بالأسباب واحد من أهم دروس الهجرة النبوية المباركة، فقد كان يمكن أن ينتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة دون أن يراه أو يتبعه أحد، فقد كان يمكن أن يكون الأمر إعجازياً، ما أيسره على رب العزة جل وعلا، وما أحق به من رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، لكنه الدرس والعبرة والتعليم للمسلمين وقت الهجرة وللإنسانية من وراء ذلك، إنك لا بد أن تأخذ بالأسباب وتتوكل على رب الأسباب سبحانه وتعالى، فقد طلب صلى الله عليه وسلم من أبى بكر رضى الله عنه تجهيز راحلتين للهجرة، وقد جاءه فى ساعة غير الساعة المعتادة التى يأتيه فيها.
ومن الأسباب التى اتخذها النبى صلى الله عليه وسلم: ذهابه من طريق غير الطريق المعتادة للمدينة، ليناور على الكفار الذين سيتبعونه ويخدع أفكارهم فى ملاحقته وصاحبه.
من الدروس بالغة الأهمية فى الرحلة النبوية، أن الرسول صلى الله عليه وسلم استأجر رجلاً ليدله على الطريق، وهو عبد الله بن أريقط، ولم يكن الرجل مسلماً، لكنه ذو خبرة واسعة بالطرق الصحراوية ودروبها، وهو درس بالغ الأهمية فى الاستعانة بأهل الخبرة والكفاءة بغض النظر عن دينهم ومعتقدهم.
ثمة درس آخر لا يقل فى أهميته عن سابقيه فى تلك الرحلة، فقد كانت السيدة أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها هى من تحضر للرسول صلى الله عليه وسلم ولصاحبه – أبيها الصديق رضى الله عنه – الطعام، وغير ذلك من الأسباب. وهو ما يوضح دور المرأة الدائم والمهم فى جميع الأحداث والمراحل التى مرت بها الدعوة الإسلامية، ولعل ما قامت به السيدة أسماء – ذات النطاقين – خلال هذه المهمة ليقطع بقدرة المرأة على القيام بمثل هذه المهام.
التجليات النورانية والدروس بالغة الحكمة والأهمية، كثيرة ومتعددة، لا تتوقف فقط عند حدود الرحلة من مكة إلى المدينة، وإنما تتجاوزها إلى ما بعد وصول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مهاجره، وهى دروس لا بد أن نستحضرها ونتأسى بها، ونعتبر منها ليس فقط عند حلول ذكرى الرحلة المباركة وإنما فى كل أفعالنا وكافة تفاصيل حياتنا.



