«المخدرات التخليقية» أو العقاقير الصناعية، هى تلك المركبات الكيميائية التى يتم تصنيعها فى المعامل لأغراض طبية بحتة. فى البداية، كان يتم ذلك من قِبَل شركات الأدوية المعروفة، وبمرور الوقت أصبح إنتاجها يتم بشكل سرى وغير قانونى فى المختبرات غير المشروعة، وذلك لتحقيق أرباح خيالية.
تتكون المخدرات المخلقة بشكل أساسى من مادة الميثامفيتامين، وهى مادة منبهة للجهاز العصبي، عبارة عن مسحوق بلورى أبيض عديم الرائحة، ذو مذاق مر، قابل للذوبان فى الماء والكحول. وتستخدم فى حالات اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. وتضاف لهذه المادة بعض المواد الأخرى لزيادة كميتها، أو بهدف زيادة آثارها.
«اللواء الإسلامي» تناقش فى التحقيق التالى أثر تناول مثل هذه المواد على المجتمع وحكمها الشرعي.
يقول د. علاء القاضي، أستاذ أمراض الأعصاب بطب عين شمس، إن المخدرات المخلقة تعتمد بالدرجة الأولى على خلط القليل من المخدر مع الأعشاب، وإضافة الكثير من الأقراص التى تختلف وتتنوع بين أدوية الإثارة والفياجرا وأدوية الهلوسة والتخدير وغيرها، وبعض المواد السمية، لتنتج لنا «كوكتيل» خطير يؤدى إلى الإدمان السريع، وفى نهاية الأمر الموت المحقق. مشيرًا إلى أن هذا الكوكتيل يستهدف نواقل المخ العصبية بشكل مباشر، فيتم تدمير فصوص المخ، ويسبب ضبابية الدماغ، ما يعجز متعاطيها عن التمييز، ويفقد كل قدراته العقلية والحسية والإدراكية، ويؤدى فى النهاية إلى شلل الجسم، ولا يعى من الدنيا شيئا.
ويرى د. القاضى أن خطورة تلك المخدرات تكمن فى سرعة إدمانها، فخلال أيام يمكن لمتناولها أن يصبح «مدمنًا» يعتمد عليها بدرجة أكبر بكثير من المخدرات غير المخلقة، أو العشبية كالحشيش والبانجو وغيرها، التى يتم إدمانها أيضًا ولكن على مدى أطول.
الأضرار المعوية
وتوضح د. سحر أحمد، استشارى العصبية والنفسية، أن المخدرات المخلقة مكونها الأساسى هو المبيد الحشري، ليكون المادة اللزجة لها والرذاذ الذى يعمل على تماسك مكونات الأدوية المطحونة. وسميتها لا حد لها، ويؤدى بالطبع إلى الوفاة فى الحال.
ويؤكد د. محمود خالد درويش، أستاذ الباطنة بجامعة الإسكندرية، أن كل هذه المواد قاتلة للجسم والصحة، تسبب الأضرار المعوية بالجهاز الهضمي، تبدأ من القرح بالمعدة إذا كانت المخدرات يتم تناولها مع المياه أو العصير، كالأنواع المخلقة، مع التهابات حادة بالأمعاء. والمواد الكيميائية المضافة للمخدر، والمواد السمية كالمبيدات، تسبب تدميرًا للمعدة وسمية عالية تصل حد الوفاة.
المضاعفات الصحية
وتقول د. مرفت رستم، أستاذ السموم والإدمان بكلية طب عين شمس، إن إدمان الشابو وكريستال والآيس، هذه الأنواع المخدرة، لا علاقة لها بالطب، وتعد أحد مشتقات المنشطات. وتتسبب فى ارتفاع الطاقة بالجسم، مما يعرض الشخص لتفريغ هذه الطاقة فى إيذاء نفسه أو الأشخاص المحيطين به، وبالتالى الوقوع فى الجريمة. مشيرة إلى أن هذه الأنواع من المخدرات تتسبب فى تعرض الشخص للعديد من المضاعفات الصحية، حيث تؤدى إلى زيادة ضربات القلب، وارتفاع ضغط الدم، الذى بدوره يؤدى إلى الإصابة بنزيف المخ أو فى أى شريان ضعيف بالجسم.
ساعد علم نفس بجامعة عين شمس، إنه بسبب التغيرات التى تحدث فى كيمياء المخ، فإن للمخدرات المصنعة العديد من المخاطر على الصحة النفسية، مثل الإصابة بالاكتئاب، أو تفاقم أعراضه لدى المصابين به، وكذلك نقص الانتباه والفصام، والميل إلى العنف فى ارتكاب الجرائم، والهلوسة والهذيان، والانفصال عن الواقع، وفقدان التركيز.
شخصيات إجرامية
وتوضح د. دينا فتحي، أستاذ علم الاجتماع بكلية بنات عين شمس، أن للمخدرات تأثيرًا على النواحى الاجتماعية، يتمثل فى أن المتعاطين يشكلون خطرًا على حياة الآخرين، من حيث إنهم بمثابة عنصر قلق واضطراب لأمن المجتمع، وذلك أثناء بحثهم عن المخدرات. ففى حالة عدم حصولهم على المال اللازم لشراء ما يحتاجون إليه، فهم لا يتورعون عن فعل أى شيء فى سبيل وصولهم إلى مبتغاهم، مما قد يقودهم فى النهاية إلى أن يصبحوا شخصيات سيكوباتية أو إجرامية.
وتؤكد د. دينا أنه بجانب دور الدولة فى القضاء على الإدمان من خلال صدور التشريعات والقوانين لتجريم تجارة المخدرات وتداولها، فإن هناك دورًا للمؤسسات المجتمعية ورجال الدين للتوعية بأضرار المخدرات وخلق حاجز نفسى بين أفراد المجتمع والشباب والمواد المخدرة، مما يسهم فى الحد من الإقبال عليها وإدمانها.
حرام شرعا
ويقول الشيخ أحمد عبد الحي، أمين لجنة الفتوى بدار الإفتاء، إن المخدرات فى اللغة جمع «مخدر»، والمخدر مشتق من مادة (خدر)، وهذه المادة تدل على معانٍ منها: السَّتر والتغطية، ومنه قيل: «امرأة مخدَّرة» أى مستترة بخِدْرها. ومنها: الظلمة الشديدة. ومنها: الكسل والفتور والاسترخاء. وتناول المخدرات حرام بالإجماع، لأنها تودى بحياة الإنسان، والله تعالى يقول: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»، ويقول: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا». فقد نصت الآيتان الكريمتان على النهى عن الإضرار بالنفس، والإلقاء بها فى المهالك، والأمر بالمحافظة عليها من المخاطر؛ فإن الحفاظ على النفس والعقل من المقاصد الكلية الخمسة فى الإسلام. ومن أجل ذلك حرم على الإنسان كل ما يُذهِب عقله أو يضر نفسه. ومعلوم أن فى تعاطى المخدرات هلاكًا ظاهرًا، وإلقاءً بالنفس فى المخاطر.
ويضيف الشيخ عبد الحى أن القواعد الشرعية تقتضى أيضًا القول بحرمة المخدرات، حيث ثبت أن الإدمان عليها فيه ضرر حسى ومعنوي، وما كان ضارًّا فهو حرام؛ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا ضرر ولا ضرار». وقد نص علماء الإسلام على تحريم تعاطى المخدرات، ولكن هذه الحرمة تزول إذا كانت للدواء، ومِن قِبَل الطبيب الموثوق به. مؤكدًا أنه لا تقتصر حرمة المخدرات على تناولها فقط، بل يشمل ذلك زراعتها والاتجار فيها. فالشرع عندما حرم الخمر حرم أيضًا كل الأسباب المؤدية إلى تداولها، فلعن بائعها ومبتاعها وآكل ثمنها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، ويقاس على ذلك المخدرات؛ للجامع المشترك بينهما، وهو الاشتراك فى مطلق تغييب العقل.



