من حق الشعب المصرى التباهى بالارتقاء بالوعى الجمعى طوال السنوات الأخيرة، بعدما ارتكسنا طويلًا فى متابعة ما يُحاك لنا من أرباب السوابق فى بث الفتن وخبراء تدمير الشعوب؛ فقد أثبت الشعب المصرى قدرته على كشف الزيف ووقف خلف قيادته السياسية فى قراراتها المصيرية التى تُعبّر عن حضارة باقية وثقافة متجذرة؛ ورغم هذا فلا يُمكن أن نسمح لأنفسنا بالتغاضى عن مشاكلنا الكثيرة الحائلة دون مُتابعة التطوير الذاتى والاندماج مع اللحظة العالمية الحالية.
ويبقى تجديد الخطاب الدينى أحد أبرز أدوات ترقية الوعى المصري؛ وإن كانت هناك خطوط فاصلة بين التجديد والتبديد، وهو ما يستدعى الحذر فى التعامل مع هذا الملف الذى يمسّ الرأى العام الجمعى لشعبٍ متدين بطبعه؛ ويخطئ من يفصل بين تفكيك خطاب الكراهية وغياب الوعى وسذاجة تأويل معطيات الواقع؛ خاصة مع تعمد بعض الأئمة تشبيك خطاباتهم الساذجة مع النصوص المقدسة لبثّ أفكارهم ودحض أى محاولات للاعتراض، ومن ثم اللعب على مشاعر البسطاء من الناس وتحويلهم إلى الجهة التى يريدون.
رغم اعتقاد البعض بأن تجديد الخطاب بدأ منذ قرنين من الزمان وقت أن كتب الطهطاوى عن الوطن والعقيدة والدستور والمرأة والديمقراطية والعلم؛ وصولًا إلى تجديد الفقه وإصلاح برامج الأزهر وتدريس العلوم الحديثة وتحرير المرأة؛ بل وحصر التجديد الحقيقى فيما قام به مثقفون لم يتخرجوا من الأزهر، فإن المتابع لتاريخ الفكر الإسلامى يدرك أن التجديد مبثوث فى الحمأ المسنون للفقه الإسلامي؛ بل وقامت به المؤسسات الدينية اتفاقًا مع فترات التفوق والاضمحلال على السواء، وهذا مع الاعتراف بالتقوقع داخل شرنقة الخطاب القديم فى بعض الأحيان؛ ولكن الحقيقة تقول أيضًا إن مؤسسة الأزهر الشريف تعيد تشكيل نفسها ذاتيا دون وصاية أو تدخل من أحد؛ وإنما إدراكًا للواقع ومحاولة لمجاراته، مع التركيز على هوية الدولة الوطنية.
إننا نحتاج فى هذه اللحظة الصعبة من تاريخنا الحديث إلى مراجعة ثوابتنا الفكرية ومناقشتها والوعى بما نحتاج إليه منها ونبذ ما لم يعد ملائمًا لواقعنا أو لا يضيف لمستقبلنا، مع إعادة النظر فى المسلّمات التى تحوّلت بالتدريج إلى عقيدة لدى البعض، وتغييرها أو تحويلها بما يتفق مع قضايانا المصيرية.
< < <
الجانب الأكبر فى تجديد الخطاب الدينى يرتكز على مسألة تنظيم الفتوى وضبطها فى حدود وقوانين وأشخاص معروفين ومُعتمدين ومؤهلين للإفتاء بصورة تتفق مع البيئة ومع الواقع؛ وهذا ما تم مؤخرًا بعد توافق المؤسسات الدينية على قانون «التنظيم»؛ خاصة أن الفتوى عملية مركبة ومعقدة؛ لأنها تعتمد على نقل الحكم الشرعى من الكتب الفقهية إلى الواقع، وعملية النقل قد تبدو سهلة، لكن الحقيقة تقول إن الموازنة بين النص المكتوب ومطابقة الواقع تبدو إشكالية كبرى ترتبط بالمهارة العلمية للناقل وقدرته على فهم الواقع؛ وهناك قاعدة حاكمة فى مجال الفتوى، تقول: «إن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال»، ومعنى هذا أن الفتوى غير الحكم الشرعي.. فالحكم الشرعى ثابت لا يتغير؛ أما الفتوى فهى متغيرة بحسب مطابقتها ومناسبتها للواقع؛ فما هو مناسب فى زمان لا يكون مناسبا فى زمان آخر، وما هو مناسب لبلد قد لا يكون مناسبا لبلد آخر أو لشخص دون آخر.
وهذه هى نقطة الانطلاق نحو تجديد الفقه الإسلامي؛ بعيدًا عن دعوات الهدم والتبديد.



