وهم الخلاص فى زمن الخواء

المستشار بهاء المرى
المستشار بهاء المرى

المستشار بهاء المرى

فى إحدى أطراف القاهرة، يتورط الشاب الفقير إسماعيل فى عملية تجنيد إلكترونى عبر «فيسبوك» من قبل تنظيم متطرف. يغريه أحد قادة داعش بوهم الخلاص والبطولة، ويجرُّه إلى عالم من التطرف والعنف. ثم يضم إليه: «عمار»، الجندى السابق، و»السيد»، الرجل البسيط المنكسر. معًا يخططون لعمليات إرهابية تستهدف منشآت الدولة. لكن الأجهزة الأمنية تسبقهم بخطوة وتلقى القبض عليهم قبل التنفيذ، ليبقى الصمت فى التحقيق هو اللغة المشتركة بينهم: ليس ندما، لكنه ليس يقينا أيضا.
فى هذه الزاوية المنسية من المدينة، وبين جدران حجرات ضيقة ونفوس أكثر ضيقًا، تترعرع الهشاشة الروحية كما ينمو العفن فلا الظل. حكاية إسماعيل ليست مجرد قصة لشاب فقير تورط مع جماعة إرهابية، بل مرآة مشروخة تعكس وجوهًا كثيرة لواقع اجتماعى ودينى متأزم، تداخل فيه الجهل بالدين مع العزلة النفسية، والحرمان الاجتماعى مع وهم البطولة.
إسماعيل لم يكن «إرهابيا بالفطرة»، بل كان شابا تائها يبحث عن معنى. والفراغ، كما تعلمنا الفلسفة، لا يبقى فارغًا طويلاً. إن لم يملأه الوعى والمعرفة والاحتواء، ملأته أوهام اليقين المزيف. فى غياب خطاب دينى إنساني، وعقلاني، وشجاع، تتسلل رسائل «أبو عبد الله المجاهد» كما تتسلل النار فى هشيم الجهل، فتزرع فى النفوس الضعيفة يقينًا قاسيا ومجتزأ عن «الحق» و«الخلاص».
لكن لنسأل: ما الذى يجعل شابا يرى فى العنف طريقا للبطولة؟ وما الذى يدفع رجلاً أربعينيا، مثل السيد، لأن يختار قشة التطرف ملاذا له؟ الإجابة تكمن فى مجتمعات تعانى من العطش إلى المعنى، ومن فراغ روحى لا تملؤه الخُطب الجوفاء. 
الفقر ليس فقط فقر المال، بل فقر المعنى. والجماعات المتطرفة تفهم هذا جيدا. إنها لا تهاجم الناس بالسلاح أولا، بل بالكلمة. تقدم لهم «هوية جاهزة»، وشعورا زائفا بالقيمة والانتماء، وتمنحهم مكانة فى عالم لم يمنحهم شيئا. هذا هو سر سحرها الخطير.
ولعل أشد ما يثير الأسى هو أن الدين، الذى يُفترض أن يكون منبع الطمأنينة والحكمة، يُستغل فى كثير من الأحيان ليصبح أداة تحريض. يُفرغ من روحه، ويُختزل فى نصوص منزوعة من سياقها، تُوظف لخدمة أجندات بشرية لا علاقة لها بالله. وهنا يكمن الخطر الأكبر: حين يُستبدل العقل بالنقل، ويُقدّم الغضب على الرحمة، يصبح الدين قناعا يُخفِى وجه العنف.
وإذا تأملنا فى السياق المجتمعي، نجد أن التطرف لا ينشأ فى الفراغ، بل فى هوامش المدن والقلوب. التربية التى تُعلى من ثقافة الطاعة العمياء بدل الحوار، والمؤسسات التعليمية التى لا تُنمِّى التفكير النقدي، والإعلام الذى يسطّح القضايا الدينية والاجتماعية، كلها تصنع البيئة المثلى لزرع الكراهية. وتُضاف إلى ذلك أزمة القدوة: غياب النماذج الصادقة التى تعيش القيم لا ترفعها شعارًا فقط، يترك فراغًا تتسلل فيه الأصوات المسمومة بسهولة. حين لا يرى الشاب من يجسد الرحمة والعدل، يبحث عنهما فى الأماكن الخطأ. التطرف ليس لحظة جنون فردى، بل نتيجة منطقية لخلل جماعى.
السؤال الكبير الذى علينا أن نواجهه بجرأة: هل نحن نُنتج إرهابيين بالسكوت عن أسباب الإرهاب؟
ما زالت المعالجة الأمنية وحدها، رغم أهميتها، قاصرة عن اجتثاث الداء من جذوره. نحتاج إلى ثورة عقل، لا أقل من ذلك. ثورة تُعيد للدين منطقه، وللمجتمع تماسكه، وللإنسان كرامته.
فى النهاية، إسماعيل لم يكن يبحث عن الدم، بل عن دور. عمار لم يكن ينشد القتل، بل الانتماء. والسيد لم يكن يحلم بالموت، بل بالمعنى. لكنهم ضلوا الطريق، لأننا جميعًا، بطريقة أو بأخرى، لم نرشدهم إليه.