بقلم: د. حماد واصل
في كل مجتمع، وفي كل مؤسسة، بل وفي كثير من العلاقات الإنسانية، نجد ظاهرة غريبة يصعب تفسيرها للوهلة الأولى، وهي محاربة الناجحين والمبدعين، فبدلًا من أن يكون النجاح مصدر إلهام للآخرين، يتحول أحيانًا إلى سبب للهجوم والانتقاد والتشكيك ومحاولات التقليل من الإنجازات.
المؤسف أن البعض لا ينزعج من فشل الآخرين بقدر انزعاجه من نجاحهم، وعندما يكون الإنسان متعثرًا أو يواجه مشكلات أو يعيش حالة من الإحباط، يجد الكثيرين حوله يبدون التعاطف والدعم. لكن بمجرد أن يبدأ في تحقيق النجاح أو إثبات ذاته أو الوصول إلى مكانة أفضل، تتغير المواقف وتبدأ ردود الأفعال السلبية في الظهور بشكل واضح.
أقرأ أيضًا| الإدارة الناجحة تُقاس بالنتائج لا بالمبررات
هذه الظاهرة ليست جديدة، فقد رافقت الناجحين عبر التاريخ. فكل صاحب فكرة جديدة أو مشروع ناجح أو إنجاز حقيقي تعرض في مرحلة ما للهجوم أو التشكيك أو محاولات الإقصاء.. والسبب في ذلك أن نجاح شخص واحد يكشف تقصير كثيرين في بيئات العمل تحديدًا، يظهر هذا الأمر بصورة أكبر. فالموظف المجتهد قد يجد من يحاول التقليل من جهوده، والمبدع قد يجد من يسخر من أفكاره، وهنا تصبح المشكلة أخطر، لأن المؤسسة نفسها قد تخسر عناصرها المتميزة بسبب أشخاص قرروا محاربة النجاح بدلًا من دعمه.
ومن المؤشرات الواضحة على وجود هذه النوعية من الأشخاص أنهم لا يرون إلا الأخطاء، مهما كانت الإنجازات كبيرة. فإذا حققت عشرات النجاحات، بحثوا عن خطأ واحد للحديث عنه , والأخطر من ذلك أن بعضهم يرتدي قناع الصداقة أو الزمالة. يتحدث بلطف في حضورك، لكنه يقلل منك في غيابك. يبتسم أمامك، لكنه ينزعج من كل خطوة نجاح تحققها. وهؤلاء لا تكشفهم الكلمات بقدر ما تكشفهم المواقف .
لكن السؤال الأهم: كيف نتعامل مع هذه الفئة؟
الإجابة بسيطة؛ لا تمنحهم أكثر مما يستحقون من اهتمام. لا تدخل في معارك لإثبات نجاحك، ولا تنشغل بالرد على كل انتقاد أو شائعة. فالوقت والإنجازات هما أفضل رد. استمر في تطوير نفسك، وركز على أهدافك، وأحط نفسك بالأشخاص الإيجابيين الذين يؤمنون بالنجاح الجماعي لا الفردي، والذين يفرحون لإنجازات الآخرين كما يفرحون لإنجازاتهم الشخصية.
كما يجب على القيادات في المؤسسات والشركات أن تدرك خطورة محاربة المبدعين. فكل شخص يقتل فكرة جديدة، أو يحارب موظفًا متميزًا، أو يعرقل التطوير، لا يضر فردًا بعينه، بل يضر المؤسسة بأكملها. فالأمم والشركات لا تتقدم إلا بالعقول المبدعة والطاقات المنتجة والبيئات التي تشجع على الابتكار.



