بقلم : نصر خيري خضر
احتفى القرآن بالنفس احتفاء كبيرا دل عليه تكرار ذكرها، حيث بلغ مئتين وخمسًا وتسعين مرة، وفي هذا أعظم دلالة على أهمية هذه النفس والالتفات لها بما يصلحها ويبنيها وفق المنهج القرآني.
إن معرفة الإنسان لنفسه من أهم المعينات على إعادة تقييمها؛ لأن النقد والتقييم الذاتي هو أول خطوة في البناء النفسي ، ومن المنظور القرآني للبناء النفسي نجد أنه يعيد للمسلم بناءه الحقيقي الذي فيه الأمان وليس البناء المقتصر على الجسد وحاجاته فيتمكن من التعبير عن الانفعالات بصورة منضبطة، فإذا نزل به ما يحزنه من فراق محبوب أو فوات مرغوب أو حصول مكروب كان دعاؤه: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا نزل به ما يحتاج معه زاد الصبر كان دعاؤه: "ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين"، وإذا عظم به البلاء واشتد به الكرب تعلق بقوله تعالى: " أمن يجيب المضطر إلي دعاه ويكشف السوء"، وإذا ضاق به السبل واحتاج أن يبث شكواه دون أن يعلم به أحد تذكر: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِی عَنِّی فَإِنِّی قَرِيبٌ أُجِیبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ"
أقرأ أيضا :محـمد عـبده - إمام التجديد والإصلاح
وقد تولي القرأن الكريم حفظ النفس في كل عصر من سبل الانحرافات والمشتتات وذلك عن طريق بث السكينة في كل نفس وفق منهج حكيم و تُعَدُّ السكينة من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على عباده، وهي حالة من الاطمئنان والطمأنينة التي تغمر القلب والروح، وتجعل الإنسان يشعر بالراحة والهدوء في مختلف الظروف والأوقات. في الإسلام، يُعزى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة أهمية كبيرة لتحقيق السكينة، لا سيما في أوقات الشدائد والاضطرابات النفسية فتبعث السكينة على السكون والوقار، وتثبت القلب عند المخاوف، فلا تزلزله الفتن، ولا تؤثر فيه المحن، بل يزداد إيمانا ويقينا
. وقد ذكرها الله عز وجل في ستة مواضع من كتابه الكريم، كلها تتضمن هذه المعاني من الجلال والوقار الذي يهبه الله تعالى موهبة لعباده المؤمنين، ولرسله المقربين. الأولى: قوله تعالى: "وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ" الثاني : قوله تعالى" ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ", والثالث قوله تعالى" إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تروها " الرابع: قوله تعالى:" هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ الخامس": قوله تعالى: "لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا" السادس قوله تعالي "إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ "
فمن قرأ آيات السكينة في مواقف الخوف والفزع، أو في مواقف الشبهات والفتن، أو عند الهم والحزن، أو عند اشتداد وسواس الشيطان، يقرؤها رجاء أن يثبت الله قلبه بما ثبت به قلوب المؤمنين فلا حرج عليه ، متى نزَلَت على العبدِ السَّكينةُ استقام، وصلحَت أحوالُه، وصلَح بالُه، وإذا ترحَّلت عنه السَّكينةُ ترحَّل عنه السُّرورُ والأمنُ والدَّعَةُ والرَّاحةُ وطِيبُ العَيشِ ، المتحَلِّي بالسَّكينةِ يخشَعُ في صلاتِه. أنَّ من ثمارِها محبَّةَ اللهِ للعبدِ، ومِن ثَمَّ محبةُ النَّاسِ له، الرِّضا بالمقسومِ، وحصولُ القناعةِ به.



