بقلم: وائل عثمان
في كل إشارة مرور، وعلى كل رصيف مزدحم، تلتقي عيناك بوجوه أطفال لم يتجاوز بعضهم العاشرة من عمرهم. يمدون أيديهم الصغيرة نحو نوافذ السيارات، أو يحملون علبًا من المناديل يعرضونها بعيون تحمل من التعب ما لا ينبغي أن تحمله عيون الأطفال.
ليسوا في المدرسة، وليسوا في البيت، بل هم في الشارع يخوضون معركة البقاء في سن اللعب والبراءة. هذا المشهد المؤلم لم يعد استثناءً، بل بات جزءًا من ديكور مدننا اليومي المعتاد، ونحن نمر به مسرعين دون أن نتوقف لنسأل: من أوصل هؤلاء الأطفال إلى هنا؟
اقرا ايضا: حين تموت الحرفة - ويولد التوك توك
ظاهرة التسول قديمة، لكنها في عصرنا الراهن اتخذت أبعادًا أكثر تعقيدًا وخطورة. لم يعد الأمر مجرد فقر فردي يدفع صاحبه إلى مد يده، بل تحول في كثير من الحالات إلى شبكات منظمة تستغل الطفل أبشع استغلال. يُوظَّف الطفل أداةً لاستدرار العطف، والضحيةُ الطفلُ الذي نشأ بعيدًا عن المدرسة والأسرة والحضن الدافئ، فيكبر وفي داخله جرح لا يُرى. تغيب عنه مهارات التعلم والاندماج الاجتماعي، وتحل محلها قسوة الشارع. وما يبدأ بطفل يمد يده أمام إشارة المرور، قد ينتهي بشاب في مواجهة مع القانون أو في دوامة الإدمان والتهميش.
ما يحتاجه هؤلاء الأطفال أولًا هو الحماية لا العقوبة، والاحتضان لا الإقصاء. دور الرعاية الاجتماعية الفاعلة، وبرامج إعادة التأهيل الأسري، والتعليم الإلزامي المقرون بحوافز حقيقية للأسر الفقيرة، هي الأدوات التي أثبتت نجاعتها في تجارب دول عديدة. أما المجتمع فدوره لا يقل أهمية؛ فالتبرع للطفل في الشارع قد يبدو رحمةً، لكنه في حقيقته يُغذِّي منظومة الاستغلال ويُطيل عمرها.



