بقلم: د. أحمد درويش
قال تعالى:﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
لم يخلُ القرآن من الطعن في لغته، وهذه الآية كانت محل طعن. تأمل: (طائفتان) مثنى، و(اقتتلوا) جمع، والمفترض - في زعمهم -: (اقتتلتا)، ثم عاد فقال: (بينهما) مثنى ثانية، فما هذا؟! أهذا قرآن منزل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟!
سبحان الله... صدق المتنبي عندما قال:
وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا
وآفته من الفهم السقيم
لم يفهم هؤلاء "الأذكياء!" أن هذا من قبيل الحمل على المعنى.
اقرأ أ يضا :
وإليك التوضيح:
السؤال: هل الطائفتان رجلان فقط أم رجال كثيرون؟ لا شك أنهم كثيرون، فقال: (اقتتلوا) بالجمع؛ ليناسب كثرة رجال الطائفتين.
يا سيدنا... يعترض أحدهم: لكن لمَ قال ثانية: (بينهما) بالتثنية، ولم يقل: (بينهم)، طالما أنهم كثيرون؟
قلت: سؤال في محله، لكنك لم تقرأ ما قاله الرازي في القرن السابع الهجري؛ فهو يرى أنه ساعة الفتنة والقتال لا يتمايز الناس، فهم كثير؛ لذا قال: (اقتتلوا). لكنهم عند العودة إلى الصلح تتمايز الطائفتان، فتصبح كل طائفة كنفس واحدة؛ لذا قال: (بينهما) بالتثنية ثانية.
ولاحظ أنه عند الصلح يجلس الفريقان، هذا له قائد، وهذا له قائد، والقائدان هما المتحدثان باسم الفريقين، فكأن الطائفتين صارتا نفسين تتحدثان، لذا عاد إلى التثنية فقال: (بينهما).
ولعلنا نلحظ التعبيرين:
(فأصلحوا بينهما)، و(فأصلحوا بينهما بالعدل).
قالوا: ساعة لم يأتِ بالعدل في المرة الأولى، فما تزال الطائفتان قويتين، ولم تظفر طائفة على أخرى، ولم تحقق نصرًا مؤزرًا؛ لذا ليس ثم داعٍ للفظة (بالعدل)، لأنه ليس ثم فائز ومهزوم.
لكن ساعة تعود الطائفة الباغية إلى أمر الله، فإنها تكون ساعتئذٍ مظنةً للظلم والتحامل عليها جراء ما فعلته؛ لذا جاء التقييد بالجار والمجرور: (بالعدل)، حتى لا يتكرر الظلم.
ليس هذا فقط، وإنما جاء بالعدل بألفاظه المختلفة: (العدل، والقسط، وحب المقسطين)، كي يزرع في النفس مخافة الله، وعدم تجاوز حدود ما أمر به.
ما أبدع القرآن! وما أرقى معانيه، ومبانيه، ومراميه.



