بقلم: وائل عثمان
في الأزقة القديمة التي كانت تعبق بروائح الخشب المنحوت، والجلد المدبوغ، والنحاس المطروق، كان الأب يُعلّم ابنه حرفته كما يُعلّمه اسمه.
لم تكن مجرد مهنة، بل كانت هوية تتوارثها الأجيال وتفخر بها. أما اليوم، فتلك الأزقة تكاد تخلو من صوت المطرقة وأنين المنشار، وحلّ محلها زعيق موتور التوك توك يُقلع مسرعًا نحو مكسب سريع وأفق ضيق.
اقرأ أيضا| نحن لا نختلف نحن نتشاجر
لا أحد يُنكر أن الفقر هو المحرك الأول لهذا التحول. حين يجلس رب الأسرة يحسب دخله الشهري من ورشة النجارة أو مشغل الخياطة، ويقارنه بما يجنيه جاره من قيادة توك توك بضع ساعات يوميًا، يجد الإجابة جاهزة أمامه.
غير أن الخسارة الحقيقية أعمق مما تبدو عليه. الحرفة ليست مجرد مصدر رزق، بل هي منظومة متكاملة من القيم؛ الصبر على التعلم، والاعتزاز بجودة العمل، والشعور بالانتماء إلى سلسلة من الأجداد الذين شيّدوا بأيديهم حضارة يراها العالم في متاحفه ويدفع لرؤيتها. حين نُعلّم أبناءنا أن المكسب السريع هو المعيار الوحيد، نكون قد قطعنا هذه السلسلة بأيدينا، وأهدينا أجيالنا القادمة ماضيًا منسيًا وحاضرًا بلا جذور.
والمأساة مضاعفة حين ندرك أن التوك توك نفسه لا يضمن مستقبلًا. إنه حل آني لأزمة دائمة، ومكسب يومي لا يبني مهارة، ولا يُراكم خبرة، ولا يفتح أمام صاحبه بابًا للترقي. الشاب الذي أمضى سنوات خلف المقود يجد نفسه في الأربعين بلا حرفة، ولا شهادة، ولا مسار واضح، بينما كان يمكن أن يكون نجارًا ماهرًا، أو حدادًا متميزًا، أو خياطًا يُصدّر إبداعه للعالم.
قبل أن تندثر آخر الحرف، وتُطوى صفحتها إلى الأبد، ثمة فرصة لا تزال قائمة. فرصة أن نُعيد الاعتبار للعمل اليدوي المتقن، وأن نجعل من الحرفي نموذجًا يُحتذى به، لا مهنةً يُستحيا منها. وأن تتدخل الدولة والمجتمع معًا لإنشاء مراكز تدريب مهني حقيقية تُغري الشباب بتعلم الحرف، وتضمن لهم دخلًا كريمًا. الحضارة تُبنى بالأيدي قبل العقول، وحين تتوقف الأيدي عن الإبداع، تبدأ الحضارة في النسيان.



