بقلم: علي عبد الغني
ما هو السر الخفي وراء الصورة الحضارية التي حيَّرت وكالات الأنباء العالمية؟ هل هذه مجرد جماهير تشاهد مباراة لكرة القدم؟
لا، الحكاية أعمق من هذا بكثير!
إذا أمعنا النظر، وركزنا في التفاصيل، فللوهلة الأولى سنقول: زحام، أو حشد جماهيري، أو احتفال صاخب.
اقرأ أيضا| صِنفٌ لا يُنكَح من النساء
لكن الحقيقة المذهلة أنها "دولة كاملة" قد تجمعت أمام شاشة واحدة، شعب قرر بإرادته أن يحرم نفسه من النوم، وأن يضبط منبهاته ليستيقظ في وقت متأخر، فقط من أجل أن يرى اسم بلده يرفرف بعد الفوز في المباراة.
أنا شخصيًا كنت واحدًا من الملايين الذين ضبطوا المنبه لصلاة الفجر ومشاهدة المباراة؛ لأن النداء هنا لم يكن مجرد نداء كروي، بل كان نداء وطن يعزف سيمفونية حب.
حقيقي، إن سيكولوجية المواطن المصري لغز عصي على الحل. دائمًا نقول إن فهم العقل الجمعي للمصريين يحتاج إلى مجلدات، مثلما تحدثنا قبل ذلك عن "معرض القاهرة الدولي للكتاب"، وكيف أن حجم زواره يتخطى تعداد سكان دول كاملة في أوروبا. وهنا يتكرر المشهد بقوة.
فالانتماء لدى المصريين ليس له حد، انتماء يصل إلى السماء. يبدو أن القدماء المصريين قد تركوا لنا جينات الحضارة والترابط التي تظهر في هذه الأوقات، والتي تجعلنا في لحظة واحدة كلنا واحدًا، وعلى قلب رجل واحد. فعلًا، كيف نستطيع أن نجتمع بكل هذا الحب والانسجام؟
والمعجزة التي صدمت العالم أنه، مع كل هذا، صفر٪ تجاوزات.
تعالوا نحسبها بالعقل، وبحسبة خبراء إدارة الحشود (Crowd Management)، فهذه الأعداد المليونية التي اجتمعت في الساحات والميادين، إذا تواجدت في أي دولة أخرى في العالم المتقدم، لكانوا أعلنوا "حالة الطوارئ"، واستنفروا قوات الأمن والجيش، وكأنهم في حالة حرب. وفي دول أخرى نرى ظاهرة الـ"Hooliganism" (الهوليجانز)، وما يصاحبها من تكسير وشغب مع أي تجمع رياضي.
لكن هنا في مصر:
• نسبة التحرش: صفر.
• نسبة السرقة أو المشكلات: صفر.
• الأمن والأمان: 100%.
لماذا؟
لأنه شعب متحضر، ولأنه ليس تجمعًا همجيًا، بل هو سلوك حضاري يتجسد في تجمع عائلة مصرية كبيرة تقوم بتشجيع أولادها. وبالفعل، تظهر أخلاقنا في الزحام، ويتضح رُقينا في التجمعات المليونية.



