برزت أوزبكستان خلال السنوات الأخيرة بوصفها واحدة من أبرز التجارب الإصلاحية فى آسيا الوسطى، حيث تبنت رؤية تنموية شاملة تقوم على إحياء الدور الحضاري للعلم والمعرفة، وتعزيز قيم الحوار والانفتاح، بالتوازي مع تحديث الاقتصاد وجذب الاستثمارات الدولية.
ومنذ توليه السلطة عام 2016، قاد الرئيس شوكت ميرضيائييف مشروعًا متكاملًا يهدف إلى بناء دولة حديثة تستلهم تراثها الإسلامي العريق وتواكب فى الوقت ذاته متطلبات التنمية والابتكار فى القرن الحادي والعشرين.
اقرأ أيضا| وزير الأوقاف يستقبل وفدًا رسميًّا من أوزبكستان لبحث التعاون المشترك
وضعت القيادة الأوزبكية تطوير التعليم فى مقدمة أولوياتها باعتباره الركيزة الأساسية لبناء المستقبل. وشهدت البلاد تحديثًا واسعًا للمناهج التعليمية، إلى جانب التوسع فى مؤسسات التعليم العالي وتعزيز قدرات الجامعات ومراكز البحث العلمي.
كما اتجهت الحكومة إلى توسيع التعاون مع الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الدولية واستقطاب الخبرات العالمية، بما يسهم فى إعداد كوادر مؤهلة للمنافسة فى الاقتصاد العالمي.
ويعكس هذا التوجه إيمانًا راسخًا بأن النهضة الحقيقية تبدأ من الاستثمار فى الإنسان والمعرفة، وأن التعليم الحديث يمثل أساس التنمية المستدامة.
إحياء التراث
حرصت أوزبكستان على إعادة الاعتبار للإرث العلمي الإسلامي الذي ازدهر على أراضيها عبر قرون طويلة، من خلال دعم المؤسسات والمراكز البحثية المتخصصة فى دراسة أعمال كبار العلماء المسلمين، وفى مقدمتهم الإمام البخاري والإمام الترمذي.
وأنشأت الدولة مؤسسات علمية تحمل أسماء هؤلاء الأعلام بهدف تعريف الأجيال الجديدة بإسهاماتهم الحضارية وربط الماضي بالحاضر. ويُنظر إلى هذه الجهود باعتبارها نموذجًا عمليًّا لفكرة «الإسلام التنويري» التي تستند إلى استلهام القيم العلمية والفكرية من التراث الإسلامي وتعزيز ثقافة الإبداع والابتكار.

مواجهة التطرف
لعبت أوزبكستان دورًا متناميًا فى تعزيز الحوار الفكري والديني على المستوى الدولي، من خلال استضافة العديد من المؤتمرات والملتقيات التي تجمع علماء الدين والمفكرين والأكاديميين من مختلف أنحاء العالم.
وشكلت هذه الفعاليات منصة مهمة لمناقشة قضايا مكافحة التطرف وتعزيز ثقافة التسامح والتعايش السلمي، كما أسهمت فى تقديم صورة أكثر توازنًا عن الإسلام باعتباره دينًا يدعو إلى العلم والانفتاح والتواصل الحضاري.
لم تقتصر الرؤية الإصلاحية الأوزبكية على الداخل، بل امتدت إلى دعم التعاون العلمي بين الدول الإسلامية عبر الدعوة إلى إنشاء شبكات بحثية مشتركة وتوسيع برامج تبادل الطلاب والباحثين، فضلًا عن إطلاق مشروعات علمية تستهدف مواجهة التحديات التنموية المشتركة.
ويرى مراقبون أن هذه المبادرات تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية التكامل العلمي والمعرفى بين الدول الإسلامية باعتباره أحد المسارات الرئيسية لتحقيق التنمية وتقليص الفجوات التكنولوجية.

تحول اقتصادي
وإلى جانب الإصلاحات التعليمية والفكرية، نجحت أوزبكستان فى ترجمة رؤيتها التنموية إلى نتائج اقتصادية ملموسة، وهو ما تجسد بوضوح فى منتدى طشقند الدولي الخامس للاستثمار الذي حظي بإشادة دولية واسعة، بمشاركة قادة دول ومسئولين حكوميين وممثلي مؤسسات مالية وشركات عالمية كبرى.
وأكد الرئيس ميرضيائييف خلال المنتدى استمرار بلاده في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز بيئة الأعمال وحماية حقوق المستثمرين، معلنًا عن حوافز جديدة للاستثمار فى قطاعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية والزراعة والأمن الغذائي.
وشهد المنتدى توقيع عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم فى مجالات الطاقة الشمسية والزراعة الذكية والاتصالات والخدمات اللوجستية، وسط توقعات بجذب استثمارات مباشرة بمليارات الدولارات خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي يعكس تنامي الثقة الدولية فى الاقتصاد الأوزبكي.
تكامل إقليمي
وسلط المنتدى الضوء على أهمية مشروعات الربط التجاري والنقل بين آسيا وأوروبا، وتطوير شبكات السكك الحديدية والطرق والمراكز اللوجستية، بما يعزز موقع أوزبكستان كمحور اقتصادي وتجاري إقليمي يربط بين الأسواق الكبرى.
كما نالت قضايا التنمية المستدامة اهتمامًا واسعًا، حيث جرى استعراض مشروعات للطاقة النظيفة والتكنولوجيا الزراعية والاقتصاد الرقمي، إلى جانب حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإدارة الموارد المائية وزيادة الإنتاجية الزراعية.
يؤكد العديد من الخبراء أن التجربة الأوزبكية تمثل نموذجًا جديرًا بالاهتمام فى العالم الإسلامي، لما تجمعه من إصلاح تعليمي وإحياء للتراث العلمي وتحديث اقتصادي وتعزيز للحوار والتعاون الدولي.
وفى ظل هذه الرؤية المتكاملة، تسعى أوزبكستان إلى استعادة مكانتها التاريخية كمركز للعلم والثقافة والتجارة في آسيا الوسطى، مستندة إلى قناعة راسخة بأن مستقبل الأمم يُبنى بالمعرفة والانفتاح والاستثمار والشراكة الإنسانية.
وبينما تتواصل خطوات الإصلاح والتحديث، تبدو البلاد اليوم أكثر قدرة على المساهمة فى صياغة نموذج تنموي إسلامي معاصر يجمع بين الأصالة والتقدم، ويعزز فرص التنمية والاستقرار فى المنطقة والعالم.



