دور الرعاية بـــــديل آمــــن وضمانة للحياة الكريمة

 دور الرعاية
دور الرعاية

د. نرمين منصور مدير إدارة المسنين: 4650 مسناً في 190 داراً مرخصة.. وتوفير وحدات مجهزة لـ «ألزهايمر» بالمحافظات

قانون 2024 ينهي زمن الإيواء.. وأغلقنا عشرات الدور المخالفة بجولات مفاجئة

تشهد منظومة رعاية كبار السن فى مصر تطوراً كبيراً وملحوظاً خلال السنوات الأخيرة؛ بفضل الاهتمام البالغ واللافت من القيادة السياسية، والجهود الحثيثة لوزارة التضامن الاجتماعي، سواء على مستوى التشريعات أو التوسع فى الخدمات الميدانية والرقابية.. وقد تجسد هذا الاهتمام الرسمي فى أبهى صوره الإنسانية خلال احتفالية المرأة المصرية الأخيرة بحضور رئيس الجمهورية، حين أكدت الإعلامية عفاف الهلاوي أن انضمامها لدار الرعاية كان بقرار شخصي منها، فى رسالة قوية كسرت الوصمة الاجتماعية السلبية؛ وتكاملت هذه اللفتة مع الزيارات الميدانية الكريمة، كزيارة حرم رئيس الجمهورية لدار «الهنا» للاطمئنان على المهندسة ليلى خبيرة الذرة، والجولات المفاجئة لوزيرة التضامن الاجتماعي د. مايا مرسي فى عمق دور الرعاية بالمحافظات للاستماع المباشر لمطالب النزلاء.

 وفى هذا السياق، تؤكد د. نرمين منصور مديرعام الإدارة العامة للمسنين بوزارة التضامن الاجتماعي إن عدد دور رعاية المسنين المرخصة على مستوى الجمهورية حالياً ما يقرب من 190 داراً، تضم ما يزيد على 4650 مسناً ومسنة، وتتصدر محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية المرتبة الأولى كأكثر المحافظات احتضاناً لهذه الدور التي تسعى لتقديم الرعاية الشاملة..  وأوضحت مديرعام الإدارة العامة للمسنين أن فلسفة الرعاية فى وزارة التضامن تغيرت بالكامل، حيث انتقلت من مفهوم الإيواء والملجأ إلي الحياة الكريمة والدمج المجتمعي، مؤكدة أن الوزارة تضمن ذلك من خلال تشديد الرقابة المستمرة، والزيارات التفتيشية المفاجئة، وهو ما أسفر بالفعل عن إغلاق عشرات الدور المخالفة وغير المرخصة حفاظاً على سلامة النزلاء.

 وأشارت د. نرمين منصور إلى أن منظومة الدور فى مصر تصنف وفق مستويات مرنة (متوسطة، فوق المتوسطة، متميزة) لتوفر اشتراكات تناسب الجميع وتبدأ من مبالغ رمزية فى الدور الأهلية، كما تتنوع أشكال الرعاية لتشمل دور الإقامة الكاملة، وأندية الرعاية النهارية، ومؤسسات الرعاية المنزلية (مرافق المسن)، بالإضافة إلى توفير وحدات مجهزة ومتخصصة لمرضى «ألزهايمر» فى عدة محافظات كالقاهرة ودمياط الجديدة وجارٍ التوسع بها فى الإسكندرية والسويس. 

وعن المكتسبات التاريخية، شددت مدير عام إدارة المسنين على أن قانون حقوق ورعاية المسنين رقم 19 لسنة 2024 يمثل نقلة نوعية تاريخية؛ حيث كفل التمتع بجميع الحقوق الاجتماعية والسياسية والصحية، ووفر الحماية القانونية الصارمة من الإهمال أو الإساءة، مع تيسير الخدمات الحكومية عبر إنشاء «بطاقة خدمات المسنين»، ليرسخ القانون فكرة أصيلة وهي أن المسن عنصر فاعل فى المجتمع وكرامته جزء لا يتجزأ من منظومة الحماية الاجتماعية للدولة المصرية. 

زينب .. طردها أبناؤها فأنقذتها الإنسانية

في قلب هذه المنظومة المتطورة، تأتي دار«دعم وسند» كنموذج حي يجسد تلك الرعاية، بمجرد أن تطأ قدماك أرض المكان تشعر وكأنك في بيتك، قلبك هادئ مطمئن، تستنشق بأريحية شديدة، تشم رائحة أمك التي لا تُخطئها حاسة، وتسمع صوتها يزلزل أركان البيت، روح تحبها موجودة بالمكان تملؤه فرحة وبهجة، حضن دافئ ترتمي بداخله ولا تريد أن تتركه، هنا تتبدل ملامح العالم الخارجي؛ فالسكون ليس صمتاً، بل طمأنينة تشبه تلك التي لا نجدها إلا في بيت أجدادنا وجداتنا.

 وعندما تتجول في أرجاء هذا البيت الهادئ، تري بعينيك أنه صُمم ليكون وطناً مصغراً، قًسمت مساحته بعناية فائقة إلى سبع غرف مجهزة ، تتنوع سعتها لتوفر الخصوصية التامة لثلاث عشرة نزيلة؛ فبين غرف فردية، وأخرى ثنائية وثلاثية، تُحاك تفاصيل حياة يومية عنوانها الكرامة والاحتواء.

قامت " اللواء الإسلامي" بعمل معايشة لمدة يوم كامل مع نزيلات إحدي دور الرعاية.

 خلف تجاعيد وجهها التي حفرتها سنوات عمرها الثلاثة والتسعون، تختبئ حكاية قهر لا يحتملها قلب، زينب محرم، الأم التي أفنت عمرها فى تربية أربعة أبناء وبنت، وجدت نفسها فى خريف العمر تتلقي ضربة موجعة حين طردها أحد أبنائها إلى الشارع بلا مأوى. دخلت "زينب" الدار يوليو 2024 عبر فرق الإنقاذ السريع، بجسد نحيل يرتجف من ضغط الدم وآلام القولون، وخطواتها ثقيلة يجرها تعب السنين، لكن بمجرد لقائنا بها، أضاء وجهها بنور غريب، وضمتني بلهفة غامرة وحنان أم حُرمت من أبنائها، حضناً دافئاً طويلاً رافضة أن تنهيه، وكأنها تخبرني من خلاله عن كل الود الذي افتقدته فى بيتها ، ونظرت فى وجوهي بذهول بريء وقالت: "يا الله.. ما كل هذا الجمال؟!، وبصوت واهن يرتجف انكساراً، همست فى أذني والدموع تغالب عينيها: "يا بنتي.. الكِبر له حُكمه، وكبر السن وحش قوي"، فى تلك اللحظة، شعرت بمرارة ما تعانيه زينب، وكيف أن حضنها لي - وهي الغريبة عني- كان أصدق وأدفأ من قلوب أبنائها الذين تركوها لمصير مجهول.

سميرة ..إرادة الوعي تهزم عجز الجسد

بجسدٍ أنهكه المرض وقلبٍ وحيد، وصلت سميرة محمد عويس (65 عاماً) إلى الدار يوليو 2024، عبر فرق الإنقاذ السريع التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، لم تكن سميرة تملك أبناءً يسندون ضعفها، فجاءت طريحة الفراش، تنهش «قرح الفراش» جسدها، ويعبث السكر والتهاب الأعصاب الطرفية بقدرتها على الوقوف.

اقرأ أيضا| "التضامن" تفتتح تطوير دور "أبي" و"أمي" لرعاية كبار السن

 المأساة الحقيقية في قصة سميرة تكمن فى وعيها الكامل؛ لم تكن تعاني من النسيان، بل كانت تعي كل لحظة ألم ووحدة تمر بها، إلا أن معجزة الشفاء بدأت حين تحول هذا الوعي من مصدر للألم إلى محرك للنجاة؛ إذ استوعبت سميرة أهمية جلسات العلاج الطبيعي وجرعات الدواء، ومنحها وعيها القوة لتعاون وثيق مع الفريق الطبي.

واليوم تحدت سميرة آلامها، واستندت أخيراً على «المشاية» وبدأت تتحرك، معلنة أن دار الرعاية لم تكن مجرد مأوى، بل كانت "الأبناء" الذين لم تنجبهم.

فوزية ..الدفء الإنساني يرمم ما أفسدته الجلطة

فى نوفمبر 2024م ، فُتحت إحدي دور الرعاية أبوابها لتستقبل فوزية محمد رمزي - سيدة ثمانينية - طريحة الفراش، نتيجة جلطة دماغية تسببت فى شلل شقها الأيسر، بالاضافة إلي بداية ألزهايمر.

التقينا شقيقتها «دولت» 70 عاما: «استضفتها فى منزلي فور إصابتها، ووفرتُ لها ممرضة وجلسات علاج طبيعي، لكن الأزمة الحقيقية كانت فى حاجتها لـ (ونس) لا ينقطع، يرمم ما أفسده المرض.

وأضافت: نصحني الأطباء بضرورة الحديث معها باستمرار لتحسن حالتها النفسية، لكن كيف لي أن أكون ممرضة وجليسة ومستمعة على مدار 24 ساعة فى حين أن جسدي لم يعد يسعفني للقيام بأعباء الرعاية الشاملة لعدم وجود أولاد لها ووفاة زوجها منذ ربع قرن ، فضلا عن أن الممرضة لم تبيت معنا، فكنت أقضي لياليَّ ساهرة بجانبها، أصارع التعب.

وأكدت دولت أن الدار نجحت فيما عجز عنه البيت؛ حيث استعادت فوزية قدرتها على التواصل الإنساني، وباتتا تتبادلان الأحاديث، وتسترجعان الذكريات، لتتجاوز الرعاية فكرة الخدمة وتصبح احتواءً نفسياً يعيد الاطمئنان. 

زوزو .. زغروطة مصرية تتحدى جفاء القلوب

أما زينب عبد ربه أو «زوزو» 90 عاما، فلم تمنعها سنوات عمرها، ولا آلام الكلى من أن تكون مصدرالبهجة فى المكان، فبمجرد أن تراك، تستقبلك بزغروطة مصرية أصيلة، تمحو بها رتابة الوقت.

«زوزو»، ابنة عام 1936، التي قضت عمرها تزرع المعرفة كمدرسة للغة الإنجليزية، وجدت نفسها منذ فبراير 2024 نزيلة فى إحدى دور الرعاية عن طريق ابنتها التي لم تعد تقوى على خدمتها.

تقول زوزو بشجن: لدي ولدان وبنتان، «نيفين» تزورني أسبوعيا، و«فاطمة» مرة شهريا، أما الولدان فانقطعت أخبارهما.
ورغم هذا «الجفاء» المُر، اختارت «زوزو» أن تكون «الفرفشة» و«المزاح» لغتها الرسمية، لتصبح زغاريطها الدواء اليومي للقلوب المتعبة فى الدار.
لولو ..هربت من أنانية حبي لأولادي إلى ونس الأمان

بصوتٍ يحمل شجن الأغاني وحكمة السنين، حكت سناء رضوان، الشهيرة بـ «لولو» (60 عاماً)، تفاصيل قرارها الجريء بترك منزلها باللجوء إلى دار لرعاية كبار السن، مؤكدة أن الدار أرحم من وحشة الجدران.

قالت سناء إن نقطة التحول بدأت منذ خمس سنوات، حين غيّب الموت زوجها إثر إصابته بفيروس "كورونا"، لتواجه صمتا مطبقا  تولد معه خوف شديد؛ بعدما شاهدت جارتها التي كانت تسكن بمفردها تموت دون أن يشعر بها أحد لثلاثة أيام، مضيفة: خفت أن أموت وحيدة فى شقتي.

وعن أولادها (بنتين وولد)، أوضحت برؤية فلسفية: «عندما نكبر نصبح أنانيين فى حبنا لأولادنا لدرجة قد تضغط عليهم، لذا كان لابد من الابتعاد»، مشيرة إلى أن ظروف عمل ابنتيها ورفض أزواجهن لإقامتها معهم حال دون ذلك. 

وعن محاولة ابنها مساعدتها، كشفت عن "خدعة بيضاء" لجأت إليها قائلة: «ابني أحضر لي جليسة فى البيت بتكلفة باهظة، فادعيت أنني مسافرة لعائلتي بالشرقية حتى ترحل الجليسة وأوفر عليه هذا العبء المالي، وجاء بي أبنائي إلى الدار». 

واختتمت «لولو» حديثها مشيرة إلى أنها تقضي حالياً 3 أيام كل ثلاثة أشهر مع ابنتها وأحفادها ثم تعود بشوق إلى غرفتها بالدار، مؤكدة أنها وجدت هناك الونس والأمان الذي افتقدته فى منزلها القديم.

سعيدة.. من عجز "المفاصل" إلى "مشاية" الأمل

لم تكن "سعيدة حسن" تعلم أن سقوطها المفاجئ سيكون بداية لفصل جديد من الرعاية، سعيدة، الآنسة التي عاشت 85 عاماً تعتمد على نفسها، خذلتها قدماها فجأة وأجبرتها "ثقوب العظام" والأنيميا الحادة على الاستسلام.

في سبتمبر 2025، حملها جيرانها إلى الدار، كانت حالتها حرجة؛ وجراحة سابقة لتغيير مفصلين لم تنجح في إعادتها للحركة، لكن داخل الدار، كُتبت لها قصة عودة جديدة، برحلة علاجية مكثفة، واهتمام غذائي دقيق نجح في ترويض "الأنيميا" المزمنة واليوم، لم تعد سعيدة حبيسة الفراش؛ بل أصبحت تمسك بمشايتها، تخطو بها نحو الحياة من جديد، معلنةً أن "السند" حين يصدق، يهزم عجز الجسد.

المشرف العام على « دعم وسند»:

تأهيل نفسية المسن خطوتنا الأولى.. والاندماج سر التعافي

التقينا سمر عبد الله، الأخصائية النفسية والمشرف العام على دار "مسنات دعم وسند"، لتحدثنا عن الآلية التنظيمية والبرامج المقدمة للنزيلات، حيث ذكرت أن المؤسسة الأم أُسست عام 2021م، بينما كان الافتتاح الفعلي للدار أواخر عام 2023م، لتصبح اليوم ملاذاً لعشر أمهات تتوفر لهن رعاية نفسية واجتماعية متكاملة في بيئة آمنة. 

وعن الجانب الطبي أكدت المشرف العام، أن الرعاية الصحية تسير وفق بروتوكول دقيق وتحت إشراف نخبة من الأطباء المتخصصين؛ إذ تعاقدت الدار مع استشاري قلب وأوعية دموية يقوم بزيارة دورية أسبوعية، وأخصائي علاج طبيعي للمتابعة المستمرة للحركة، بينما يتم استدعاء استشاري المخ والأعصاب فوراً حسب الحاجة، فضلا عن إجراء تحاليل طبية دورية لمراقبة المؤشرات الصحية بشكل استباقي.

وبالنسبة لفريق العمل الذي يرافق الأمهات في تفاصيل يومهن، أوضحت الأخصائية النفسية أن الدار تعتمد على فريق متخصص يتكون من 6 "مرافقات"، يتولين الرعاية المباشرة للنزيلات من "مساعدة في النظافة الشخصية ، تغييرالملابس ، تناول الطعام وتنظيم مواعيد الأدوية بدقة،  بالاضافة إلي عاملي نظافة، وطباخة، وأخصائية اجتماعية بصفة مستمرة للتعامل المباشر مع الاحتياجات النفسية للنزيلات. 

وفيما يخص التغذية، أوضحت أن الوجبات تخضع لجدول أسبوعي  يتم تحديثه دورياً بالتعاون بين أخصائي التغذية والطبيب المعالج، مع مراعاة الرغبات الشخصية، حيث يشمل الجدول 4 أيام أسبوعياً للبروتين في وجبة الغداء، مع تقديم الحلويات المنزلية بشكل مستمر  لإضفاء بهجة علي يومهن.

وحول الأنشطة واليوميات، أشارت سمر عبدالله إلي تنظيم رحلتين ترفيهيتين خارجيتين كل شهر، لربط الأمهات بالعالم الخارجي، بالإضافة إلى حفلات دورية داخل المقر، تستهدف دمج الأطفال من دور رعاية أخرى مع المسنات المقيمات، لخلق أجواءً أسرية دافئة، وتتنوع الفقرات لتشمل: عروض "الأراجوز" والعرائس المتحركة والإنشاد الديني والأغاني التراثية، بالتعاون المثمر مع الجمعيات الخيرية المتطوعة.

اقرأ أيضا|أنشطة فنية وترفيهية بدور رعاية كبار السن احتفالًا بعيد الأضحى

وأوضحت المشرف العام: يبدأ اليوم في السابعة صباحاً استعداداً للنظافة الشخصية، وفي العاشرة تجتمع النزيلات على مائدة الإفطار، وعقب ذلك تتاح لهن مساحة لممارسة الهوايات مثل متابعة التلفاز أو أشغال «الكروشيه»، موضحة أن غالبية النزيلات التحقن بالدار عن طريق ذويهن، مؤكدة أن هناك 5 حالات من أصل 10 مقيمات حالياً تتمتعن بقوى عقلية جيدة، وهو ما يوضع في الاعتبار عند تصميم برامج الدعم النفسي التي تمتد من الساعة 12 ظهراً وحتى 7 مساءً.

وتُدار الدار بنظام المناوبات (الشيفتات) لضمان عدم انقطاع الخدمة؛ حيث تبدأ المشرفة العامة مهامها من العاشرة صباحاً وحتى السابعة مساءً لتسلم الشيفت المسائي لزميلتها حتى الصباح. أما فريق المرافقات فيخضع لنظام ثلاثي، المناوبات (الصباحية: 7 ص - 3 م، المسائية: 3 م - 11 م، الليلية: 11 م - 7 ص). وتقديراً للروابط العائلية، تفتح الدار أبوابها للزيارات اليومية من الساعة 12 ظهراً وحتى 5 مساءً، باستثناء يوم الجمعة المخصص كفترة راحة وهدوء للنزيلات.

د. فتحية الحنفي: بقاء الوالدين في كنف الأبناء واجب.. والدور بديل جائز

أمام هذه الدموع والقصص الواقعية التي تمتزج فيها لوعة الجفاء بأمان الونس، كان لابد أن نطرق الأبواب مجدداً لتفكيك الأبعاد الفكرية والتشريعية لظاهرة إيداع الوالدين دور الرعاية؛ فكيف يرى المجتمع والناس واقع هذه الدور اليوم؟، وما الضمانات الرقابية التي يفرضها البرلمان لحماية أمهاتنا؟ وصولا إلي جهود فرق التدخل السريع التي تمثل طوق النجاة الميداني لإنقاذ الحالات المشردة وتأمين حياتهم داخل الدور.. فى السطور التالية، نبحث عن الإجابات مع علماء الشرع والدين وخبراء الاجتماع والتشريع، لنرى كيف تتكامل الأحكام والقوانين لضمان حياة كريمة لجيل الوفاء.

استهلت د. فتحية الحنفي، أستاذ الفقه بقسم الشريعة الإسلامية بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، حديثها بالاستشهاد بقول الله تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ¶ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا).

موضحة أن دلالة الآية تشير إلى توجيه إلهي جازم بتوحيد العبادة لله وحده، وقد قُرن هذا الأمر العظيم بوجوب البر والإحسان للوالدين، مما يعكس عِظم مكانتهما ورفعة حقهما فى الإسلام، مؤكدة أن قوله تعالى «عِنْدَكَ» يؤكد أن الأصل الشرعي فى رعاية الوالدين عند الكبر هو بقاؤهما فى كنف أبنائهما، وتحت مظلة القرب المباشر والاحتواء داخل بيت الأسرة، وليس فى بيئات معزولة أو مؤسسات منفصلة.

وشددت أستاذ الفقه بجامعة الأزهر على أن إيداع الوالدين فى دار للمسنين بحجة الانشغال، أو ضيق الوقت، أو الأعباء المادية والمسؤوليات، لا يُعد مبرراً شرعياً على الإطلاق، بل يندرج مباشرة تحت صور "العقوق" المحرمة؛ إذا كان الهدف منه التخلص من مسؤولية الرعاية، خاصة مع وجود حاجة حقيقية من الوالدين للبر والاهتمام.

وأضافت أستاذ الفقه: «حقوق الوالدين شرعية وثابتة لا تسقط بالزواج أو بضغوط الحياة، بل تزداد تأكيداً كلما تقدم بهما العمر وتعاظمت حاجتهما النفسية والصحية، والتفريط فى هذا الحق يمثل خسارة دينية وأخلاقية جسيمة يتحمل الأبناء عواقبها، إذ يعد برهما باباً عظيماً من أبواب الجنة».

وعن التحديات التي قد تواجه الأبناء بعد الزواج، أشارت د. فتحية الحنفي إلى أن الشريعة الإسلامية مرنة وتتيح حلولاً بديلة يمكن اللجوء إليها قبل التفكير فى دور المسنين؛ ومنها: توزيع مسئولية الرعاية والمناوبة بين الأبناء إذا كانوا فى نطاق جغرافى قريب، أو الاستعانة بمرافق منزلي «جليس مسنين» فى بيت الأبناء وتحت إشرافهم المباشر، مع المتابعة المستمرة والاطمئنان الدائم على أحوالهما.

وحددت الحنفي جملة من الحقوق الواجبة؛ أبرزها: حسن القول، وتجنب التضجر أو التأفف، وخفض جناح الذل لهما رحمة ورفقاً، مع استمرار صلة الأبناء بهما بعد الزواج عبر المداومة على الزيارة، وإشراك الأحفاد فيها لغرس قيم الوفاء، فضلاً عن الدعاء المستمر لهما بالرحمة والمغفرة فى حياتهما وبعد مماتهما.

ووضعت أستاذ الفقه الضابط الفاصل بين العقوق والعجز القاهري، مستثنية حالات الضرورة القصوى المتمثلة في وجود عجز صحي شديد لدى الأبناء يمنعهم تماماً من تقديم الرعاية المنزلية، أو اضطرارهم للسفر للخارج مع عدم القدرة على المتابعة المباشرة، شريطة أن يكون الإيداع في هذه الحالة مقروناً باختيار مكان يضمن رعاية كاملة تحفظ الكرامة الإنسانية، مع استمرار الطاعة والتواصل المباشر.

وتابعت: «العقوق يكون مع توافر القدرة والإمكانات لدى الأبناء ومع ذلك يحدث تقصير أو إهمال متعمد، قد يصل إلى انقطاع التواصل لفترات طويلة، أما العجز الحقيقي، فهو غياب القدرة الفعلية لظروف قاهرة مع وجود نية صادقة للبر والبحث عن البدائل الممكنة، علماً بأن ضيق الحال أو الفقر وحده ليس مبرراً شرعياً لإسقاط هذا الواجب».

واختتمت د. فتحية الحنفي حديثها بالتحذير من أن صور العقوق قد تظهر حتى والوالدان يقيمان في نفس المنزل؛ وذلك إذا غاب الاهتمام الفعلي والبر الحقيقي وانشغل الأبناء عنهما بالهواتف أو شئونهم الخاصة، مؤكدة أن رضا الوالدين ودعاءهما سر البركة والتوفيق في الدنيا والآخرة.

الإفتاء: الإجازة مشروطة بالعجز الطبي للأهل

أصدرت دار الإفتاء المصرية كتاباً حديثاً بعنوان «قضايا وأحكام المسنين»، يستهدف بيان الرؤية الشرعية الشاملة لحقوق كبار السن، وذلك بالتزامن مع التحولات الاجتماعية الحديثة وتراجع نمط الأسرة الممتدة.

وأكد الكتاب أن رعاية المسن ليست مجرد عمل اجتماعي اختياري، بل واجب ديني وأخلاقي حتمي تتشارك فيه الأسرة والمجتمع ومؤسسات الدولة، مستشهداً بفيض من النصوص الشرعية التي أوجبت الإحسان لكبار السن وتلبية احتياجاتهم الجسدية والنفسية.

وفى السياق ذاته، شدد الإصدار على أن رعاية الوالدين عند الكبر تعد واجباً أصيلاً على الأبناء لا يسقط إلا بالعجز التام، واضعاً ضوابط شرعية حاسمة للإقامة فى دور المسنين بناءً على قاعدة «المصلحة والمفسدة». 

وأجازت دار الإفتاء الاستعانة بدور الرعاية فى حالة واحدة؛ وهي أن تحقق الإقامة مصلحة طبية أو رعاية خاصة يعجز عنها الأهل لظروف قاهرة، شريطة عدم التفريط في الحقوق الوجدانية كالمداومة على الزيارة، بينما حظرتها تماماً إذا تحولت الدار إلى وسيلة للتخلص من المسؤولية الأسرية.

كما كشف الكتاب عن حزمة من الفتاوى المعاصرة التي تعالج النوازل الواقعية لكبار السن، وعلى رأسها آليات التعامل الفقهي مع حالات العجز الصحي والذهني مثل «ألزهايمر»، إلى جانب تحديد أحكام النفقة والرعاية الطبية الواجبة شرعاً على الأبناء.

وأكدت دار الإفتاء أن منظومة رعاية المسنين فى الإسلام ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية هي: (الرحمة، المسؤولية، والكرامة الإنسانية)، مشددة على أن وجود دور الرعاية الاجتماعية لا يرفع بحال من الأحوال المسؤولية الأصلية عن عاتق الأسرة.

د. مروة ياسين :توقير الكبير عقيدة ودين ..ودار «أبي وأمي» تجسد الاحتواء الشامل

وفي سياق هذا التحول المؤسسي والتشريعي، تبرز تجربة جمعية «الباقيات الصالحات» كنموذج تطبيقي ورؤية إنسانية وعملية متكاملة لترجمة هذه الحقوق على أرض الواقع، وهي الفلسفة التي صاغتها الراحلة د.عبلة الكحلاوي؛ إذ لم تكن ترى في رعاية كبار السن مجرد عمل خيري عابر، بل واجب أخلاقي وديني وإنساني أصيل، يتجاوز مفهوم «الإيواء» إلى «الاحتواء الشامل».

ومن جانبها، ربطت د. مروة ياسين، رئيس مجلس إدارة الجمعية، بين هذه الطفرة التشريعية والمنهج اليومي المتبع داخل دار "أبي وأمي"، مؤكدة أن المبادئ التي أرستها د.عبلة الكحلاوي تحولت إلى دستور عمل؛ وقالت: «كانت الراحلة تؤكد دائماً أن قيمة الإنسان تزداد مع تقدم العمر، وأن توفير بيئة قوامها الحب والاحترام هو الأساس الأول قبل أي تطوير أو دعم مؤسسي».

وأضافت ياسين أن الرؤية الدعوية والإنسانية للراحلة كانت تستند دائماً إلى المرجعية الدينية والوعي المجتمعي؛ حيث كانت تكرر في أحاديثها عن بر الوالدين: «من يخدم مسناً فكأنه يخدم نفسه مستقبلاً، فالأمر ليس مجرد توفير سرير، بل قلب يحتوي المسن ويحفظ كرامته»، مشيرة إلى أن هذا الفهم جعل من دور الرعاية التابعة للجمعية نموذجاً فريداً يدمج الأبعاد الإنسانية، والاجتماعية، والروحية في منظومة واحدة تلتقي مع توجهات الدولة الحالية في كفالة كرامة كبار السن.

رئيس حقوق الإنسان بالنواب:«صندوق المسنين» أداة تمويلية تضمن استدامة الرعاية

وفي سياق التحول التشريعي الذي يشهده ملف كبار السن في مصر، أكد النائب طارق رضوان، رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، أن صدور قانون حقوق المسنين رقم 19 لسنة 2024 يمثل "نقلة نوعية حقيقية في مسار كفالة الكرامة والحقوق لكبار السن"، مشيرا إلى أن القانون جاء في إطار متكامل يضم 48 مادة وثلاث مواد إصدار، مما يعكس جدية الدولة في بناء منظومة حماية شاملة لهذه الفئة.

وأوضح رضوان أن هذا التشريع لا ينفصل عن التوجهات الوطنية الأوسع، بل يتسق بشكل مباشر مع الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي أُطلقت في سبتمبر 2021 كخريطة طريق لتعزيز الحقوق والحريات؛ مؤكداً أن إدراج حقوق كبار السن ضمن هذا الإطار يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية هذا الملف في ظل التحولات الديموغرافية الحالية.

وأضاف النائب طارق رضوان أن تزايد أعداد المواطنين فوق سن الستين يفرض على الدولة التزامات دستورية وأخلاقية واضحة، لافتاً إلى أن المادة (83) من الدستور المصري أرست حق المسنين في الرعاية الشاملة صحياً، واجتماعياً، واقتصادياً، وثقافياً، إلى جانب ضمان معاش يحقق لهم حياة كريمة، وتمكينهم من المشاركة في الحياة العامة، وهو ما ترجمه القانون الجديد إلى آليات تنفيذية واضحة.

وفي السياق ذاته، أشار رئيس لجنة حقوق الإنسان إلى أن القانون وضع حزمة متكاملة من الحقوق الأساسية؛ وفي مقدمتها: الحق في الرعاية الصحية والاجتماعية المتكاملة، الحماية من كافة أشكال الإيذاء والإهمال، التأهيل وإعادة الدمج المجتمعي، بالإضافة إلى توفير بيئة داعمة تضمن لهم الاستقلال والكرامة.

كما كشف النائب طارق رضوان عن استحداث "صندوق دعم ورعاية المسنين" كأداة تمويلية تهدف إلى دعم البرامج والخدمات الموجهة لهذه الفئة، معتبراً أن هذه الخطوة تجسد التحول الفعلي من مفهوم الرعاية الخيرية المؤقتة إلى منظومة حقوق مستدامة ومدعومة مؤسسياً.

وأكد رضوان أن الفلسفة التي يقوم عليها القانون لا تكتفي بالحماية فحسب، بل تمتد إلى تمكين كبار السن؛ حيث منحهم الحق في المشاركة في الحياة العامة والثقافية والسياسية، بما في ذلك الانخراط في العمل الأهلي والتطوعي، وهي رؤية حديثة تعامل المسن كشريك في التنمية وليس مجرد متلقٍ للرعاية.

واختتم تصريحه بالتشديد على أن القانون عزز آليات الحماية من خلال تمكين كبار السن - أو من يمثلهم - من التقدم بشكاوى رسمية حال تعرضهم لأي انتهاك، إلى جانب إقرار عقوبات رادعة على كل من يثبت تقصيره في الرعاية، أو ممارسته لأي شكل من أشكال العنف أو التمييز، مما يضمن تحويل هذه الحقوق من نصوص قانونية إلى ضمانات فعلية على أرض الواقع.

 

ترشيحاتنا