ما أعظمَ هذه المشاعرَ التي تتسلَّلُ إلى الرُّوحِ عند الحديثِ عن هذا الرُّكنِ العظيمِ من أركانِ الإسلامِ، ركنِ الحجِّ، الذي تشتاقُ إليهِ القلوبُ، وتطيرُ إليهِ الأرواحُ، وتحومُ حولَهُ الأفكارُ. وما أجملَ هذا السُّكونَ الذي يعتري النَّفسَ عندَ قراءةِ قولِهِ تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197].
فهذهِ الآيةُ العظيمةُ أفصحتْ عن أسمى المعاني الإيمانيَّةِ في هذه الرِّحلةِ المباركةِ، وهو «ميثاقُ الأخلاقِ» في الحجِّ؛ ذلك الميثاقُ الذي يكونُ الحجُّ ناقصًا دونَهُ، حيثُ وضعَ اللهُ شروطًا قلبيَّةً وأخلاقيَّةً لقبولِ هذهِ العبادةِ، وجعلَ الكفَّ عن الجدالِ وسوءِ اللَّفظِ شعارًا وأمانًا يُوازي تركَ الفسوق.
فالحجُّ، في هيئتِهِ، أعظمُ اجتماعٍ بشريٍّ في أعظمِ بقعةٍ جغرافيَّةٍ محدَّدةٍ، وهو مرتبطٌ بوقتٍ ثابتٍ لا يجوزُ تغييرُهُ أو تعديلُهُ أو تبديلُهُ، ممَّا يجعلُ الحركةَ فيهِ تحتاجُ إلى صبرٍ وأناةٍ على ما قد يُحدِثُهُ الزِّحامُ أثناءَ الطَّوافِ أو السَّعيِ من ضغطٍ نفسيٍّ.
ولذلك يُطالَبُ الحاجُّ بأن يتملَّكَ نفسَهُ، ويتلمَّسَ عذرَ أخيهِ، ويمتصَّ غضبَ الآخرينَ بابتسامةٍ وكلمةٍ طيِّبةٍ، وأن يخفضَ جناحَهُ لكلِّ رفيقٍ، من عاملِ النَّظافةِ إلى مرافقيهِ في الخيمةِ أو مكانِ السَّكنِ.
وعليهِ أن يتذكَّرَ قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وقولَ النَّبيِّ ﷺ: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ»؛ أخرجهُ أحمدُ (14/458، ح8869) بسندٍ صحيح.
وعلى الحاجِّ كذلك أن يتجنَّبَ النَّقدَ المستمرَّ لكلِّ ما حولَهُ، كالتَّضجُّرِ من شدَّةِ الحرِّ، أو صعوبةِ الطَّريقِ، أو جودةِ الطَّعامِ، أو كثرةِ نومِ بعضِ المخالطينَ؛ فإنَّ النَّقدَ المستمرَّ، والشَّكوى المتكرِّرةَ، يُولِّدانِ في النُّفوسِ الضَّغينةَ والنُّفورَ، وهذا لا يليقُ بالحاجِّ.
فأنتَ لستَ مسؤولًا عن نفسِكَ فقط، بل ينبغي أن تحرصَ على سلامةِ صدورِ إخوانِكَ، كما يحرصونَ – كذلك – على سلامةِ صدرِكَ. وما أجملَ هذهِ المشاعرَ الطيِّبةَ إذا كانتْ متبادلةً بينَ الجميعِ؛ إنَّها روحانيَّةُ الحجِّ التي جاءتْ بها الآيةُ الكريمةُ
اقرأ أيضا | آداب الحج وفوائده في ضوء القرآن الكريم
ومن آدابِ التَّعاملِ في الحجِّ – أيضًا – إفشاءُ السَّلامِ؛ فهو، فضلًا عن كونِهِ تحيَّةَ الإسلامِ، مفتاحُ القلوبِ، وأمانُ الطُّرقاتِ، وتطييبُ الخواطرِ، وعنوانُ المحبَّةِ.
فعن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنهُ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»؛ أخرجهُ مسلمٌ (1/74، ح54).
وكذلكَ فإنَّ قمَّةَ الأدبِ في الحجِّ تتمثَّلُ في خُلُقِ الإيثارِ، وهو تفضيلُ راحةِ الغيرِ على راحةِ النَّفسِ، ويتجلَّى ذلك في مواقفَ عديدةٍ خلالَ هذهِ الرِّحلةِ المباركةِ؛ كإفساحِ المجالِ لغيرِكَ ليطوفَ مثلَ طوافِكَ، أو يسعى مثلَ سعيِكَ، أو يُصلِّيَ في الرَّوضةِ الشَّريفةِ مثلَ صلاتِكَ.
بل يتجلَّى خُلُقُ الإيثارِ أيضًا في تقديمِ كبارِ السِّنِّ، والضُّعفاءِ، والمرضى، عندَ توزيعِ الوجباتِ أو شربِ الماءِ، كما يظهرُ في المحافظةِ على نظافةِ المكانِ المشتركِ، وعدمِ التَّوسُّعِ في المساحةِ على حسابِ الآخرينَ.
فالمناسكُ عبادةٌ مشتركةٌ، فيها سكينةٌ ووقارٌ، وليستْ سباقًا رياضيًّا. وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يقولُ للنَّاسِ، وهو ممسكٌ بناقتِهِ بيدِهِ اليمنى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ»؛ وهو جزءٌ من حديثٍ أخرجهُ مسلمٌ (2/886، ح1218).
فعلى الحاجِّ أن يستحضرَ عظمةَ هذا المكانِ، أعظمِ بقاعِ الأرضِ، وأن يستشعرَ أنَّهُ ضيفٌ على الرَّحمنِ، فلا يليقُ بحالِهِ إلَّا السَّكينةُ والوقارُ، والانشغالُ عن النَّاسِ بربِّ النَّاسِ، وأن يتذكَّرَ أنَّ سعيَهُ ونُسُكَهُ إنَّما هما لمرضاةِ اللهِ تعالى.
فإن فعلَ ذلكَ، فليبشرْ أخي الحاجُّ بأنَّ حجَّهُ قد قُبِلَ، بإذنِ اللهِ تعالى. ونسألُ اللهَ أن يرزقَنا حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا.
وصلَّى اللهُ على سيِّدِنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.



