بقلم: أحمد خميس بصلة
هو أبو جعفر أحمد بن صالح المصري الحافظ، المعروف بابن الطبري، اشتهر بكونه من كبار الحفاظ والأئمة في مصر.
مولده ونشأته
اقرأ أيضا| يوسف بن عمرو الأزرق: حامل لواء رواية ورش في مصر
وُلد الإمام أحمد بن صالح في مصر سنة 170 هـ، لأبٍ جندي أصله من طبرستان. ومع ميلاده انطلقت مسيرة سامقة لم تكن مجرد رحلة عابرة، بل ارتقاء للروح وصعود للهمم. في بيئة مصر العامرة بحلقات العلم ومجالس الحديث نشأ وتفتحت مداركه، فتهيأت له طفولة ممهّدة بالعناية والقبول، وأيام تشرق بأنفاس التقوى، حتى صارت خطواته الأولى معبّدة إلى ميادين الحفظ والرواية، مؤذنة بظهور حافظ جليل سيغدو لاحقًا إمامًا من أئمة مصر وعلَمًا في علوم الحديث والفقه.
حياته العلمية
نشأ أحمد بن صالح في مصر وسط بيئة تعمر بحلقات الحديث وعلوم الشريعة، فتاقت نفسه منذ الصغر إلى التلقي والرحلة في طلب العلم. أخذ عن كبار أئمة زمانه، فسمع من سفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، وحرمي بن عمارة، وعنبسة بن سعيد، وابن أبي فديك، وعبد الرزاق، وعبد الله بن نافع، فامتلأت ذاكرته بكنوز الرواية ودقائق الفقه.
وفي سنة 212 هـ شدّ الرحال، فسمع من عفّان، واجتمع بالإمام أحمد بن حنبل، وجالسه وناظره، ثم عاد إلى مصر ليستقر بها. هناك جلس للإقراء ونشر الحديث، فصار مرجعًا علميًّا يقصده الطلاب من الآفاق، حتى عُدّ من كبار الحفاظ والأئمة الجامعين في أرض الكنانة.
شيوخه الأجلاء
تتلمذ أحمد بن صالح على أيدي ثلة من الأئمة البارزين، منهم:
إسماعيل بن أبي أويس أبو عبد الله المدني، وحرمي بن عمارة بن أبي حفصة أبو روح البصري الأزدي الذي روى عنه الحروف، وعبد الحميد بن أبي أويس عبد الله بن عبد الله أبو بكر الأصبحي.
تلاميذه الذين حملوا إرثه
تخرج على يدي أحمد بن صالح كوكبة من العلماء الذين واصلوا نشر علمه وفضله، منهم:
أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين بن سعد أبو جعفر المصري الرشديني، والحسن بن علي بن مالك بن أشرس بن عبد الله بن منجاب أبو علي البغدادي.
أقوال العلماء وشهاداتهم
انعقد إجماع أهل العلم على توثيق الإمام أحمد بن صالح والإشادة بسعة معارفه ودقة حفظه، حتى عُدّ من كبار الحفاظ وأئمة النقد في عصره. فقد قال صالح بن محمد: «لم يكن بمصر أحد يحسن الحديث غير أحمد بن صالح، وكان رجلًا جامعًا، يعرف الفقه والحديث والنحو»، وهي كلمة تُبرز شموله العلمي وتمكنه من فنون متعددة، لا يقف عند حدود الرواية فحسب، بل يتقن دقائق الفقه ويحيط بعلوم العربية.
غروب شمس العالم
أفلت شمس الإمام أحمد بن صالح يوم الاثنين الثالث من ذي القعدة سنة 248 هـ، حيث أسلم روحه الطاهرة في مصر بعد عمر حافل بالعلم والإقراء. وبوفاته طُويت صفحة من أنصع صفحات الحفاظ في أرض الكنانة، إذ غاب عن الدنيا حافظ جليل وفقيه متقن ومحدّث ثقة، رحمه الله رحمة واسعة.



