د. رهام سلامة
مدير مرصد الأزهر لمكافحة التطرف
يستيقظ العالم كل يوم على أخبار جديدة، منها المختلف والمثير والمقلق، ومنها ما هو عبارة عن حلقة من حلقات سلسلة متشابكة ومعقدة، يشعر الإنسان بأنه يقف عاجزًا أمامها، فاقدًا الأمل فى أنها ستُفرج يومًا.
وتظل قضية المرأة واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل، والاختبار الحقيقي لوعي المجتمعات ونضجها الحضاري؛ فالحديث عن المرأة لم يعد مجرد نقاش اجتماعي عابر، بل أصبح ميدانًا تتقاطع فيه التأويلات الدينية، والرؤى الثقافية، والتوجهات الفكرية المتباينة.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري يتردد صداه فى الضمير الإنساني: هل أنصفنا المرأة حقًا؟ أم أننا اكتفينا بإنصاف الصورة التي رسمناها عنها فى أذهاننا؟
إن هذا التساؤل لا يقتصر على كونه قضية حقوقية، بل يمتد إلى أعماق بنية الفكر ذاته، حيث تحولت المرأة فى كثير من الأحيان إلى مرآة تعكس تصورات الآخرين، بدلًا من أن تُرى ككيان إنساني مستقل، كرّمه الله وأعطاه مكانته الكاملة.
أولًا: أسر القوالب المسبقة وصناعة الصور النمطية
عاشت المرأة عبر عصور طويلة فى ظل ما يمكن وصفه بـ«الإنصاف المشروط»، حيث لم يكن إنصافها موجهًا إلى ذاتها الحقيقية، بل إلى صورة محددة أُريد لها أن تكون النموذج المقبول.
فمن جهة، ظهرت تيارات متشددة سعت إلى تكريس صورة المرأة الخاضعة الصامتة، التي لا يُرى لها حضور إلا من خلال الرجل، معتبرةً أن هذا التضييق هو نوع من الحماية والصيانة. وقدمت هذه الصورة بوصفها النموذج الأمثل الذي ينبغي أن تسير عليه المرأة، رغم ما يحمله من إقصاء لدورها الحقيقي وتقييد لقدراتها.
وفى المقابل، ظهرت تيارات أخرى تبنت صورة مختلفة تمامًا، إذ سعت إلى تقديم المرأة فى صورة متحررة من كل الضوابط والقيم الفطرية، وعدّت هذا الانفلات تقدمًا وتحررًا. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الصورة بدورها إلى قالب جامد لا يقل قسوة عن سابقه، حيث أصبحت المرأة فيه أسيرة لنموذج استهلاكي يفرض عليها أنماطًا معينة من السلوك والمظهر.
وفى كلا الاتجاهين، لم تكن المرأة هي محور الإنصاف، بل كانت الصورة الذهنية التي صنعها كل تيار وفق رؤيته الخاصة؛ فالمتشدد تمسك بصورة صاغها بالخوف والريبة، والمنفلت تمسك بصورة أخرى رسمها بمنطق الاستهلاك والتبعية للموضات الفكرية. أما المرأة بوصفها إنسانًا كاملًا، فقد وجدت نفسها عالقة بين تطرفين: تطرف التشدد، وتطرف الابتذال.
ثانيًا: مرجعية الوحي وبوصلة الفطرة الإنسانية
إن العودة إلى جوهر الرسالة الإسلامية تكشف بوضوح أن الإنصاف الحقيقي للمرأة لا يبدأ من استجابة لضغوط اجتماعية أو تيارات فكرية، بل يبدأ من تحطيم الصور الذهنية المشوهة التي علقت بها عبر الزمن.
ففى المنظور الإسلامي، لم تُعامل المرأة بوصفها كيانًا تابعًا أو هامشيًا، بل اعتُبرت شريكًا أصيلًا فى بناء المجتمع. وقد جاء المبدأ النبوي الذي وصف النساء بأنهن «شقائق الرجال» ليؤسس رؤية متوازنة تُسقط كل محاولات التهميش أو الإقصاء التي يمارسها بعض المتطرفين باسم الدين..



