اللواء د. محمد الغبارى مدير كلية الدفاع الوطنى الأسبق:
الوعى سلاحنا.. والمزج بين الصراعات أخطر التحديات
«الشرق الأوسط الجديد».. مخطط بدأ بتدمير العراق
بين نصرٍ استرد الأرض بالدم والسلاح، ومعركةٍ معاصرة تستهدف العقول والوعي، تظل أرض الفيروز هي الرمز والبوصلة.. اليوم ونحن نحتفل بالذكرى الـ 44 لعيد تحرير سيناء - التي توافق استعادة كامل ترابنا المقدس في 25 أبريل 1982، بعد انسحاب آخر جندي إسرائيلي وفقًا لمعاهدة السلام، وصولا لعودة طابا في 1989- ندرك أن وجه الصراع قد تغير، فلم تعد الحروب تقتصر على التعامل بالأسلحة فقط، بل أخذت أشكالاً جديدة وصوراً مختلفة.
فقد قسم الباحثون هذه المواجهات لعدة أجيال، يمثل كل منها مفهوماً مختلفاً للحرب؛ حيث أصبحت حروب الجيل الرابع تعتمد على آليات غير نمطية لإسقاط الدول من الداخل عبر الثورة التكنولوجية والمعلوماتية، بدلاً من التدخل العسكري المباشر وما ينتج عنه من خسائر مادية وبشرية وسياسية.
إن نجاح محاولات إسقاط الدول من الداخل يرتبط بالعديد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية، وذلك عبر تزييف وعي المواطنين واختلاف المفاهيم، التي تؤدي بدورها إلى نشوء بيئة خصبة تنمو فيها تلك المحاولات، وتعتبر الشائعات من أبرز الأدوات المستخدمة في هذه الحروب، بهدف خلق حالة من الإحباط النفسي وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة وإنهاك قدراتها فى مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.. «اللواء الإسلامي» أجرت حوارًا مع اللواء دكتور محمد الغبارى مدير كلية الدفاع الوطنى الأسبق والخبير الاستراتيجى والأمنى لمعرفة مخاطر هذه الحروب والأدوات والأساليب التى تستخدمها بعض الأجهزة فى الدول التى تخطط لتدمير الأوطان.. وإلى نص الحوار :
• بداية.. ما معنى حروب الجيل الرابع ؟
•• الحروب دائما لها هدف عسكرى هو تدمير القوة العسكرية للدولة، لكن حروب الجيل الرابع هدفها مختلف تدمير المجتمع بالعمليات والحرب النفسية، والعمليات النفسية هى نفس أدوات الحرب النفسية ولا يوجد فرق بينهما, وحروب الجيل الرابع لم يصدر بها حتى الآن أية دراسات من المؤسسات العالمية لأن كلمة حرب لابد أن تصدر من مؤسسات عسكرية سواء مركز دراسات عسكرية أو كليات. وهذه النوعية من الحروب تعتمد على أربعة عناصر هى «الحرب بالوكالة - هدم الدولة من الداخل -الحصار الاقتصادى المؤسسى الدولى - والحرب النفسية»، كما أن الإرهاب يعد عنصرا من عناصرها، وأن مصر الدولة الوحيدة فى العالم التى حاربت الإرهاب وقضت عليه من جذوره وأصبحت مثلا يحتذى به لأن لدينا جيشا قويا عقيدته الدفاع عن أرضه وصون مقدساته. وتستهدف الشائعات فكر الفرد، والحل يكمن فى «معركة الوعي» مثلما ذكرالرئيس عبد الفتاح السيسى القائد الأعلى للقوات المسلحة من أجل مجابهة أساليب ذلك النوع من الحروب.
• ما المقصود بحرب الشائعات ؟
•• قبل أن نسرد ما المقصود بحرب الشائعات فلابد من معرفة ما هى الشائعة ،هى عبارة عن جزء من الحقيقة والآخر شائعة، سأذكر نموذجين من الأمثلة الأول عسكرى والآخر اقتصادي..عندما حاربنا الإرهاب عام 2015م بالتحديد فى شهر يوليو نفذنا كمين الرفاعى - لزيادة مطامع العناصر الجهادية بالمكوث فى الشيخ زويد لإقامة إمارة - لأنى لم استطع رؤية الإرهابى بوضوح لاندساسه وسط الناس وبهذا الكمين استطيع رؤيته وأثناء استمرار الكمين بدأت الحرب النفسية من العدو الذى يدير الإرهاب من خلال إذاعة نشرة الساعة 6ونصف صباحا مفادها أن المتمردين المصريين فى سيناء قتلوا 62 جنديا ومازالت المعركة مستمرة فأصيب المصريون بالإحباط وانخفضت روحهم المعنوية فسألنى أحد الأشخاص وقتها عن حقيقة الأمر فقلت له إن البيان ذكر المتمردين فى سيناء فهل أنا بسمى المتمرد إرهابى أم متمرد؟.. بالطبع إرهابى إذن هذه شائعة.
فالحرب بدأت الساعة 6 وتوقيت النشرة 6 ونصف التى أذاعت مقتل 62 جنديا فى مواجهة 15 كيلو، فكيف تمت معرفة أعداد القتلى والحرب دائرة؟،إذن لابد أن يكون لدى إدراك، فالصواب هو الهجوم والشائعة عدد الخسائر التى تبث حالة من اليأس والإحباط فى النفوس وتحدث انشقاقا فى عناصر الجيش المتواجدة بعد هذه المرتكزات وهى القوى الرئيسية .. فهذه هى فكرة الشائعة. وبالنسبة للنموذج الاقتصادي، فعندما حدثت حرب أوكرانيا 24 فبراير2022م ارتفعت أسعار الخبز والخضراوات فى حين أن الشهر لم ينته .. فهل بسبب القمح أم أوكرانيا؟..إنتاج أوكرانيا من القمح فى شهر يوليو وهذا يعنى أن حرب أوكرانيا لم تؤثر على مصر فى هذا التوقيت، وما حدث هو ظهور شائعة بنقص مخزون القمح وارتفاع سعره ما يدفع التجار لرفع سعره فيحدث انهيار فى الاقتصاد، لذلك حرصت الدولة على توفير القمح بكثرة آنذاك حتى يدرك المواطن أن ما يقال شائعة.. إذن هذه الشائعة نصفها حقيقة وهى ضرب أوكرانيا والشائعة هى غلاء القمح.
المخطط الغربى
• كيف ظهرت حروب الجيل الرابع ؟
•• أقام الغرب مشروع الشرق الأوسط الكبير ومن المعروف أن الغرب دائما مستعمر وعندما يغادر مستعمر يأتى غيره ،ومن وجهة نظرى كدارس ومدرس علوم استراتيجية فإن المستعمر الجديد هو أمريكا على رأس الغرب، صحيح الغرب شريك لكن على رأسهم أمريكا التى تستهدف المنطقة ومن هنا أقر الكونجرس الأمريكى مشروع الشرق الأوسط الكبير عام 1984 على اعتبار أنه سيكون منهجا للسياسة الأمريكية فى المنطقة العربية وبهذا تم تقنين المشروع وبدأوا تنفيذه سنة 94 عندما صرح بوش الأب بأنه لكى ينفذ مشروع الشرق الأوسط الجديد لابد من حل مشكلة الشرق الأوسط الكبير وعقد مؤتمر لندن بعد حرب تحرير الكويت ، و يعد تدمير العراق في2003م أول خطوة فى المشروع، وفى 2004 أعلنت كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة أنه حان وقت التنفيذ الفعلى للمشروع بالقوة وحصدت نتائجه 2011م الذى سمى بالربيع العربي «الكارثي» ونعيش تبعياته حتى الآن ، ومن هنا ظهر ما يسمى الحرب من الجيل الرابع.
• ذكرت أن تدمير المجتمع عن طريق الحرب والعمليات النفسية .. فهل يوجد فرق بينهما ؟
الاثنان واحد لكن الاختلاف فى التوقيت ، العمليات النفسية هى نفس أدوات الحرب النفسية بالظبط لكنها مستمرة طوال الوقت دون انقطاع على الصديق والمحايد والعدو، فحرب العمليات النفسية تعتمد اعتمادا كليا على الشائعات..وبهذا نكون وصلنا للشائعة بعدما سردنا مشروع الشرق الأوسط الكبير وأدوات وكيفية التنفيذ، فالتنفيذ قائم على الشائعة وهو تدمير المجتمع من داخله و ليس باستخدام القنابل أو الصواريخ.
• أيهما أكثر خطورة الشائعات الداخلية أم الخارجية؟
•• الخطورة واحدة مع الأخذ فى الاعتبار النظر إلى هدفها، إذا كان هدفها عاجلا «مباشرة» مثل شائعة القمح وانهيار العلاقة بين الشعب والجيش فهى خطر سواء من الداخل أو الخارج، أما إذا كان استراتيجيا بمعنى أمامها فترة إذن فلدى فرصة لعمل الإجراءات اللازمة.
المزج بين الحروب
• هل هناك حروب أخطر من حروب الجيل الرابع على الشعوب؟
•• المزج بين الحروب .. مثلا الحرب فى أوكرانيا حرب تقليدية لكنه يستخدم فيها الحرب من الجيل الرابع «الشائعات والضغط على المجتمع»، فمع بداية الحرب صرح الرئيس الروسى فلاديميربوتين بوقف إمدادات الغاز والطاقة عن الأوروبيين بهدف التلويح لهم بضرورة وقف مساعدتهم لأوكرانيا ما يجعلهم مضطرين للتهجير هربا من برد الشتاء القارص.. إذن هناك شائعات وحرب نفسية، هذا غير استخدام السوشيال ميديا ونظم المعلومات فى الحرب، فمثلا إسرائيل تحارب حزب الله حربا تقليدية «قوات ،دبابات، عساكر، طيران ، صواريخ وغيره»، واستخدمت حروب الجيل الرابع فى ضرب أجهزة البيجر «الجهاز اللاسلكي» الذى كان مع حزب الله فهذا من أكبر عمليات الحرب النفسية لأن هذا الجهاز هو وسيلة اتصال بين عناصر الحزب والقيادة لأن حزب الله ليس جيشا فالجيش لدينا «قائد فصيلة وقائد كتيبة ولواء وفرقة» فالأوامر تكون متسلسلة فتصل للمواطنين شفويا، أما هذا يعد مثل الإرهاب أى أن تنظيمه مثل التنظيمات بالتالى عندما يتم ضرب هذا الجهاز فكل فرد على علم بأنه معرض للانفجار بسببه فيتركه ، ومن ثم تنقطع وسائل التواصل مع قادتهم وبالتالى عندما يتم ضرب 4000 فرد مرة واحدة إذن حدثت عملية هدم فى نفسيات العناصر وأصبح الحزب مشلولا ولم يقوى على العمل لمدة شهرين، فهذا هو المزج.
تحصين العقول
• برأيك ما الحل لمواجهة تلك النوعية من الحروب؟
•• الرئيس عبد الفتاح السيسى قال نحن نخوض معركة الوعى لأن جوهر حروب الجيل الرابع تدمير المجتمعات عن طريق الشائعات التى تستهدف فكر الفرد، وهذا المخطط نجح فى بعض الدول بإسقاطها من الداخل وتدمير شعوبها ووقف مخططات التنمية بها، فمعركة الوعى قائمة على حجم الوعى والإدراك لدى المواطن بعاداته وتقاليده وأهدافه وحبه لوطنه ومدى انتمائه للشائعة المنتشرة ، إذن الشائعة لم يضعها عسكرى مثلما كنا نرمى منشورات على العدو بل يضعها متخصصو علم اجتماع على دراية بالمجتمع جيدا وبنقاط ضعفه ومن ثم يقوم بإرسال الشائعة إليه، والحل الوحيد هو تنفيذ معركة الوعي.
القضية الفلسطينية
• كيف ترى دور مصر تجاه القضية الفلسطينية ؟
•• مصرالدولة الوحيدة التى تعمل لصالح القضية الفلسطينية، لأن أى عمالة عسكرية يصاحبها اتجاهات سياسية أثناء الحرب كى يحدث تشتت للشعب ، فمن ضمن ما قيل «من الذى سيحكم غزة بعد وقف إطلاق النار حماس أم نخبة من غزة وغير أعضاء فى حماس أو من فلسطينيين 48 أو منتخب من الخارج ومعهم الاتحاد الأوروبي»، فماذا فعلت مصر، رفضت فتح معبر رفح إلا فى وجود السلطة الفلسطينية..إذن ما هو رأى مصر، ومن الذى سيحكم غزة؟..السلطة الفلسطينية بالتأكيد، وبهذا تكون الدولة المصرية أعادت الكيان الفلسطينى وحافظت على حقوقهم وتعمل على منع تهجير الفلسطينيين إلى سيناء وتقف حائط صد لمنع إسرائيل من تنفيذ مخطط التهجير.



