بقلم: د. عامر أحمد عامر
قد ينصرف فهم كثير من الناس إلى أن قوة البدن هي المقصودة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير..." (أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، رقم 2664، 8/56، عن أبي هريرة). ولا شك أن المعنى في الحديث قد يشملها، لكن الأهم من قوة البدن، وقد يكون المقصود الأول من القوة في الحديث قوة النفس، قوة العزيمة، قوة الإرادة، قوة الشخصية.
هكذا فهم شراح الحديث: "والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها ومحافظة عليها ونحو ذلك".
ورآها بعضهم قوة في الإيمان والصبر على تحمل أذى الخلق والحرص على نفعهم وتعليمهم الخير: "أي في الاعتقاد بالله وفي التوكل عليه، وقيل: أراد به: مَن صبر على مجالسة الناس وتحمُّل أذاهم وعلَّمهم الخيرَ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف الذي يفرُّ من الناس ولا يخالطهم، لعدم تحمُّل أذاهم، ولا ينفع إلا نفسَه".
وفيما يلي أهم معالم الشخصية القوية في ضوء القرآن والسنة:
صاحب الشخصية القوية كثير الصمت قليل الكلام، لا يتكلم إلا فيما يعنيه، فيما ينفعه، فيما يدفع عنه أو عن الآخرين ضرًّا، أو يجلب له أو لهم نفعًا، فيما يعلمه ويفهمه، ولا يهرف بما لا يعرف، لا يعرف الثرثرة الفارغة؛ لأنه يعلم أنه: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، ويتلو في كتاب الله: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}، ويعرف أن رسوله صلى "كان يحدث حديثًا لو عده العادُّ لأحصاه"، كتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم.
أما ضعيف الشخصية فكثير الكلام، بالحق تارة، وبالباطل تارات، وغالب كلامه بالحق لا يراد به إلا الباطل، يحب أن يجذب أسماع الناس إلى حديثه، ويلفت أنظارهم إليه، وينتشي بذلك، محاولًا جبر النقص الذي يشعر به، يرى لنفسه أحقية الصدارة، فما تراه يجلس مجلسًا إلا تصدره، وقد يكون فيه من هو أحق منه، مستعرضًا بطولاته الخارقة، وانفراداته المزعومة، وعبقريته الموهومة.
صاحب الشخصية القوية لا يكترث كثيرًا برأي الناس فيه، ولا كلام الناس عنه، ولا نظر الناس إليه، ولا يطلب دعمًا نفسيًّا من أحد، ولا ينتظر ثناء من أحد، لأنه لا يتعلق بأحد، ولا يعمل من أجل أحد، ولا في مرضاة أحد، فلا ينتظر أن يصفق له مصفق، ولا أن يمدحه مادح، ولا يعنيه أن يقدحه قادح، مادام يثق أنه يسير وفق منهج ربه سبحانه وتعالى وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، لأنه معلق القلب برب الناس سبحانه وتعالى، واضعًا نصب عينيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم"، فيؤدي الحقوق التي عليه، ولا ينتظر جزاء إلا من الله سبحانه وتعالى.
فإن لاقى استحسان الخلق وثناءهم فتلك عاجل بشرى المؤمن، وإلا فلا يضيره، وهو في الوقت نفسه لا يعرض عن كلامهم كلية، لكنه يأخذ منه ما ينفعه، ليصلح به نفسه، ويعالج به عيوبه، ويطرح منه ما لا يراه يناسبه.
أما صاحب الشخصية الضعيفة فيبحث جاهدًا عن ثناء الناس وإعجابهم، فإن خلا تخلى عن المكارم والمحاسن، وإن لم ينل استحسان الناس وإعجابهم نكص على عقبيه، وقرر عقاب من حوله بإيقاف ما يفعله، وجعل يسب الحظ العثر الذي أوقعه بين من لا يقدرون مواهبه ويعرفون له حقه.. فهل ترى هذا فعل ما فعل لله حقًّا؟!.. وللحديث بقية.



