الحق المبين

تفكيك وهم الصدام بين الإسلام والانتماء الوطني (2)

د. أسامة الأزهرى
د. أسامة الأزهرى

بقلم: د. أسامة الأزهرى

وزير الأوقاف

حين نعود إلى صفحات التاريخ بوعيٍ منصف، تتكشف لنا حقائق راسخة طالما غُيِّبت أو أُسيء فهمها، وفي مقدمتها فكرة الوطن في الوعي الإسلامي الأصيل. ومن هنا، يصبح استحضار مواقف العلماء الكبار مدخلًا ضروريًا لفهم كيف تشكَّل هذا الوعي قبل أن تعبث به التأويلات اللاحقة.
وفي هذا السياق، يبرز موقف الإمام الشيخ محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية، بوصفه نموذجًا كاشفًا لعقلية العالم الأزهري قبل ظهور جماعات الإسلام السياسي. هذا الإمام الجليل، الذي ينتمي إلى قرية المطيعة بمحافظة أسيوط، كان مثالًا فريدًا في الجمع بين رسوخ العلم وصدق الانتماء الوطني، حتى قال عنه علماء الأزهر: كأنه من علماء القرون الأولى تأخر به الزمن.

اقرأ أيضاً| الحق المبين .. الفهم السطحي للنصوص!

بلغ الشيخ الغاية في علوم الفقه وأصوله، والكلام والمنطق، وترك مؤلفات دقيقة تدل على سعة أفقه، منها كتابه في التوفيق بين ما قاله علماء الهيئة وما جاء في القرآن، وهو عمل يعكس عقلًا منفتحًا قادرًا على الجمع بين النص والعلم. كما لم يكن بعيدًا عن الشأن العام، فكان عضوًا في لجنة وضع دستور 1923، في دلالة واضحة على وعيه بأن الوطن كيان راسخ يسبق الاستعمار ويتجاوزه.
ويتجلى هذا الوعي بوضوح في موقفه عقب ثورة 1919، حين حاول الاحتلال البريطاني الالتفاف على الثورة عبر لجنة "ملنر"، التي سعت إلى استمالة القيادات الوطنية ودعوتهم إلى التهدئة، وكان الأزهر الشريف في قلب هذه الثورة، وكان موقف الشيخ حاسمًا حين أفتى بمقاطعة اللجنة، فاستجاب له الأزهر والوطنيون جميعًا.
وحين سعت اللجنة إلى التأثير عليه في منزله، دار حوار كاشف أمام التاريخ؛ إذ حاولوا تصوير الاحتلال بوصفه حماية نافعة، لكنه رفض هذا التوصيف، مؤكدًا أن ما يُسمَّى حماية هو في حقيقته احتلال وعدوان صريح، ثم طرح سؤالًا بالغ الذكاء: هل تقبل بريطانيا أن تُفرض عليها حماية من دولة أخرى؟ فجاء الرد بالنفي، ليؤكد الشيخ، في هدوء الواثق، أن مصر كذلك، أعرق حضاريًّا وأحق بالاستقلال، وأن الوطن أقدم من الاستعمار وأرسخ منه.
كان هذا الحوار شاهدًا على عقلية تجمع بين العلم والبصيرة السياسية، حتى إن هذه الإجابات لو نُسبت إلى سياسي مخضرم لبدت منسجمة مع خبرته. وقد انعكس أثر هذا الموقف سريعًا، إذ أشاد به سعد زغلول في برقية من منفاه، معتبرًا أن هذه الإجابات كانت أبلغ أثرًا وأشد وقعًا من المقاطعة نفسها.
هذا النموذج لا يقف عند حدود واقعة تاريخية، بل يكشف عن أصلٍ فكريٍّ عميق؛ وهو أن فكرة الوطن وحدوده وسيادته ليست بدعة استعمارية، بل وعيٌ أصيل في العقل الأزهري، نشأ قبل الاستعمار واستمر بعده؛ فقد كان النظر إلى الوطن بوصفه قيمة من صميم التدين، وأن حمايته واجب شرعي لا ينفصل عن الإيمان.
غير أن هذا الوعي لم يستمر بنفس الصفاء في بعض المراحل اللاحقة؛ إذ ظهرت تيارات خاصمت التاريخ، وشككت في الحضارة المصرية، واصطنعت تعارضًا وهميًّا بين الدين والوطن، بينما كان علماء الأزهر يرون في الاعتزاز بالوطن جزءًا من كمال الدين، لا نقيضًا له، ويؤكدون أن الانتماء الوطني لا يتعارض مع الانتماء الديني، بل يعززه ويثبته.
وقد تجلَّى هذا الفهم في امتلاك الشيخ المطيعي ثلاثة مستويات من الوعي: وعيًا بالوطن، ووعيًا بطبيعة الخصم، ووعيًا بالسياق التاريخي والسياسي، وهو ما مكَّنه من إدارة الحوار بكفاءة ووضوح. ولو قورن هذا الخطاب بما قد يصدر عن بعض الاتجاهات المتشددة، لظهر الفارق جليًّا بين خطاب راسخ في العلم والواقع، وآخر منفصل عنهما.
وإذا عدنا إلى التاريخ الإسلامي في مصر، وجدنا هذا الفهم ممتدًا عبر القرون؛ ففي القرن الثاني الهجري، أفتى الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة بإعادة بناء الكنائس التي هُدمت، معتبرين ذلك من عمران البلاد، وأنه جرى بعلم الصحابة والتابعين دون نكير، وهو ما يعكس وعيًا مبكرًا بأن استقرار الوطن وعمرانه يشمل جميع مكوناته، وأن الحفاظ على نسيجه الاجتماعي جزء من مقاصد الشريعة.
وقد عبَّر هذا المعنى أيضًا أحد كبار أقباط مصر بقوله: «وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن»، وهي عبارة تختزل إدراكًا عميقًا لمعنى الوطن وأولويته، وتكشف عن وحدة الوعي الوطني عبر مكونات المجتمع المختلفة.
ولم يكن هذا الفهم وليد لحظة عابرة، بل نتيجة تراكم علمي ومعرفي طويل، ظهر في تراث الرحلات والجغرافيا عند المسلمين، حيث دُوِّنت حدود الأقاليم وخصائصها بدقة لافتة. ومن أبرز ذلك كتاب «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي، الذي وصف حدود مصر بصورة تقارب ما هو معروف اليوم، بما يؤكد رسوخ فكرة الحدود الجغرافية في الوعي الإسلامي منذ قرون.
كما أن التجارب السياسية الحديثة، مثل قيام الجمهورية العربية المتحدة، عكست هذا الإدراك، إذ قامت على اتحاد بين دولتين، لكل منهما حدوده وهويته، لا على إلغاء الكيانات أو تذويبها، وهو ما يعكس استمرار هذا الوعي في العصر الحديث.
ومن ثم، فإن الزعم بأن مفهوم الوطن وحدوده صنيعة استعمارية هو ادعاء لا يسنده تاريخ ولا علم، بل تكذِّبه شواهد ممتدة في الفقه والتاريخ والحضارة، وتؤكد أن الوطن كان وسيظل جزءًا أصيلًا من وعي هذه الأمة، ومن تكوينها الحضاري والديني.
وإلى لقاءٍ قادم بإذن الله تعالى.