بقلم: د. أحمد الطباخ
إنه السن الذي ليس بعد البلوغ إليه عذر لمقصر أو مفرط، بل بلغ عتياً أن يسدر في غيه، وقد بلغ الستين. فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم:
"أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير" (سورة فاطر).
قد ترجم الإمام البخاري في باب: من بلغ الستين سنة، أن الله قد أعذر إليه في العمر لقول الله تعالى: "أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير". يعني: الشيب وقد قضى شبابه وحياته طيلة الستين عامًا، وهو في لهوه وملذاته وشهواته، واشتعل رأسه شيبًا، وهو ما يزال في شهواته. وقد رأينا من بلغ من العمر عتياً وهو يفعل أفعال الصبيان دون حياء من الله، وقد شاب شعره وحان أجله ولم يعتبر.
وقد فسح الله الطريق إليه، فمن عمره الله ستين سنة لم يبق له عذر، لأن الستين قريب من معترك المنايا، وهو سن الإنابة والخشوع، وترقب المنية ولقاء الله تعالى. ففيه إعذار بعد إعذار: الأول بالنبي ﷺ، والموتان في الأربعين والستين.
قد روي عن النبي ﷺ أنه قال في موعظته: "ولقد أبلغ في الأعذار من تقدم في الإنذار، وإنه لينادي منادٍ من قبل الله تعالى أبناء الستين: 'أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير'". وذكر الترمذي الحكيم من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كان يوم القيامة نودي أبناء الستين، وهو العمر الذي قال الله: 'أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر'...".
ويرى ابن عباس أن سن الأربعين هو تفسير الآية محتجًا بقول الله تعالى: "حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة". ففي الأربعين تناهى العقل، وما قبل ذلك وما بعده منتقص منه. وقال مالك: "أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم ويخالطون الناس، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس، واشتغلوا بالقيامة حتى يأتيهم الموت".
وهذا هو عين العقل، حيث كابد من انقضى عمره فيحتاج إلى زاد الآخرة بعد أن جمع من زاد الدنيا ما أشبع، فما أحراه أن يتزود بالتقوى وقد شارف على الآخرة.
وماذا ينتظر من علاه الشيب وبلغ الستين بعد أن تمتع من متع الدنيا ما اشتهته نفسه؟ ولا شيء في التمتع بالحلال منها. ولكن المصيبة أنهم يتشببون وينسون شبيبتهم، ويفعلون أفعال الصبيان، فمنهم من يخالط من النساء من هي في سن أبنائه، ومنهم من يرقص ويغني ويفعل أفعالًا لا تليق بشيبته ويعصي الله عز وجل. وقد قال النبي ﷺ: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من تجاوز ذلك".
وأما كمال العقل، فبه تعرف حقائق الأمور، وتفصل بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب فيما عند ربه، فهو نذير.
وأما سيدنا محمد ﷺ، فبعثه الله بشيرًا ونذيرًا إلى عباده قطعًا لحججهم، قال الله تعالى: "لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل". فذوقوا عذاب جهنم لأنكم ما اعتبرتم، ولا اتعظتم. فما لكم مانع من عذاب الله؟ فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور.



