بقلم: د. حمدي إبراهيم عامر
تمثل الاستقامة منزلة عظيمة من منازل الإيمان، ومقامًا رفيعًا من مقامات السالكين إلى الله تعالى، إذ هي عنوان الصدق مع الله، ودليل ثبات القلب على الحق، وبرهان دوام العبودية في جميع الأحوال والأزمان. وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو أكمل الخلق إيمانًا وطاعة، بقوله:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾
فكان هذا الأمر الإلهي الجامع دالًا على أن الاستقامة ليست أمرًا عارضًا أو موسميًا، بل هي منهج حياة، وطريق نجاة، وسرّ القبول عند الله تعالى.
ومن أعظم ما يكشف أهمية الاستقامة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها جماع الدين، فعن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال:
قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك. قال: "قل آمنت بالله ثم استقم".
فهذا الحديث يبين أن حقيقة الإسلام لا تكتمل بمجرد الإيمان النظري، بل لا بد من الثبات العملي على مقتضاه، وهذا هو جوهر الاستقامة.
وإذا كان شهر رمضان موسمًا عظيمًا للطاعة، تتربى فيه النفوس على الصيام والقيام وقراءة القرآن والذكر والإنفاق، فإن من أعظم علامات قبول العمل في رمضان أن يظهر أثره بعد انقضائه. فليس المقصود من رمضان أن يُنشئ في المسلم طاعة مؤقتة تنتهي بانتهاء أيامه، وإنما أن يدرّبه على الاستقامة الدائمة، وأن يخرّج قلبًا أكثر قربًا من الله، ونفسًا أشد مجاهدة للشهوة، وروحًا أصفى في السير إليه سبحانه.
لقد كان السلف الصالح يرون أن من علامة قبول الحسنة الحسنة بعدها، ومن علامة ردّها المعصية بعدها. ولهذا فإن المؤمن الحق لا يعرف ربَّه في رمضان فقط، بل يعبده في رمضان وبعد رمضان، لأن ربَّ رمضان هو ربُّ سائر الشهور. قال الله تعالى:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
واليقين هنا هو الموت، أي أن العبادة لا تنقطع ما دام في العمر بقية.
ومن صور الاستقامة بعد رمضان المحافظة على الفرائض أولًا، فهي أحب الأعمال إلى الله تعالى، ثم تعاهد النوافل التي اعتادها العبد في رمضان، ولو بالقليل الدائم. فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" متفق عليه.
فالمطلوب بعد رمضان ليس أن يطيق الإنسان كل ما كان يفعله في الشهر الكريم على صورته نفسها، ولكن أن يحافظ على نصيب ثابت من الطاعة؛ كورد يومي من القرآن، وصلاة الوتر، وصيام بعض الأيام، والصدقة ولو اليسير، مع دوام الذكر والاستغفار.
كما أن الاستقامة بعد رمضان تحتاج إلى أمور تعين عليها؛ من أهمها صدق الالتجاء إلى الله تعالى، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهو سبحانه مقلب القلوب ومثبتها. ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:
"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" رواه الترمذي.
ومن أسبابها أيضًا صحبة الصالحين، والبعد عن مواطن الغفلة، واستحضار مراقبة الله تعالى، وتذكر أن العبرة بكمال النهايات لا بجمال البدايات.
كذلك فإن من الفهم الخاطئ أن يظن بعض الناس أن الفتور بعد رمضان أمر لا سبيل إلى دفعه، فيستسلم للانقطاع الكامل عن الطاعة. والصحيح أن النفس قد يعتريها ضعف، لكن المؤمن الكيّس هو من يجاهدها حتى لا تنقطع، فإن أحب الأعمال ما دام واتصل.
والاستقامة لا تعني العصمة من الذنب، وإنما تعني المسارعة إلى التوبة كلما وقعت هفوة، والرجوع إلى الله كلما حصل تقصير. قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]
وفي الختام، فإن قوله تعالى:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾
هو نداء رباني يتجاوز حدود الزمن والموسم، ليصوغ شخصية المؤمن الثابتة التي لا تتبدل بتبدل الشهور.



