بقلم: د. إبراهيم نجم
المستشار العام لمفتى الجمهورية
يأتى مسلسل «رأس الأفعى» فى سياقٍ أوسع من مجرد عملٍ درامى موسمى؛ فهو حلقةٌ جديدة فى مشروعٍ متدرج تخوضه الدولة المصرية وأجهزتها الثقافىة والإعلامية لكشف حقيقة جماعة الإخوان المسلمين، لا بوصفها مجرد تيار سياسى منافس، بل كتنظيم سرّى ذى بنية عقائدية منحرفة، واستراتيجية عنفٍ وتسلّل طويلة المدى، تستتر برداء الخطاب الدينى وتستثمر فى جهل الجماهير وبساطة عوام المسلمين.
تبدو إعادة قراءة التجربة الدرامية الراهنة من منظورٍ دينيّ ضرورةً ملحّة، لا سيما إذا أدركنا أن الجماعة بنت شرعيتها الموهومة – عقوداً طويلة – على خطابٍ دينيّ مُصادَر، قدّمت من خلاله نفسها للناس على أنها «جماعة ربانية»، و«حاملة المشروع الإسلامي»، و«الطليعة المؤمنة»، في الوقت الذي كانت فيه تنظِّم أحزمةً ناسفة، وخلايا عنف، وتتعامل مع أجهزة استخباراتٍ معادية، وتستبيح دماء المسلمين بحججٍ واهية وتأويلاتٍ فاسدة.
من هنا يصبح السؤال الرئيس: ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الدراما – بوصفها أداةً من أدوات القوة الناعمة للدولة – في تعرية هذه الخرافات الإخوانية، واسترداد المجال الديني من أيدي المتاجرين بالدين؟ وما الذي يجعل جماعة الإخوان ترتعد فعلاً من مسلسلٍ مثل «رأس الأفعى» حتى قبل عرضه؟ وكيف يمكن قراءة شخصية محمود عزت – دراميّاً وفكريّاً – بوصفها نموذجاً مكثّفاً لانحراف المشروع الإخواني بعد ٢٠١٣؟
الدراما بين «الخطاب الدينى» و «الخطاب الفنى»
من المهم في البدء أن نقرّر أن الفن – ومن ضمنه الدراما – ليس نقيضاً للدين من حيث الأصل، بل هو أداة ووسيط. الحكم الشرعي يتعلق بالمضمون والمقاصد والآثار، لا بالشكل المجرد. فإذا وظِّفت الدراما لخدمة الحق، وكشف الباطل، وتحذير الناس من أهل الغلو والانحراف، وإحياء قيمة العدل وحفظ الدماء والأوطان، فإنها تدخل في باب «الكلمة الطيبة» والوسيلة النافعة، التي تأخذ حكم مقصدها. في التجربة المصرية خلال العقد الأخير، اتّجهت الدولة – عبر مجموعة من الأعمال – إلى توظيف الدراما لخدمة ما يمكن تسميته «السردية الوطنية»، أي الرواية التي تشرح للناس حقيقة ما جرى في مصر من ٢٠١١ إلى ما بعد ٢٠١٣: من استخدام الدين ستاراً للتمكين السياسي، إلى استدعاء الفوضى، إلى تسليح الشباب تحت دعاوى «الجهاد» و«الشرعية» و«دفع الصائل»، حتى صار الدم المصري أرخص ما يكون في خطاب الجماعة.
في هذا المناخ، جاء مسلسل «رأس الأفعى» ليقف عند لحظة حرجة ودقيقة في تاريخ ما بعد ٣٠ يونيو: لحظة تحوّل الجماعة – رسمياً وعملياً – إلى تنظيم إرهابيّ كامل الأركان، تحت قيادة شخصية غامضة ومتشعّبة مثل محمود عزت. اختارت الدراما أن تذهب إلى «البؤرة السوداء» في التنظيم: القيادة التي ظلت لعقود تعمل من وراء ستار، تحرّض وتخطّط، وتلبس لبوس الداعية والشيخ المربّي، بينما هي في الحقيقة رأس شبكة عنفٍ وسرّية ومالٍ مشبوه وعلاقاتٍ خارجية معقّدة. هنا تتحقق مصلحة شرعية واضحة: كشف حقيقة من يدّعي تمثيل الإسلام، وفضح من يستتر بآيات الجهاد والولاء والبراء ليبرّر التفجير والاغتيال، وإعادة تعريف «المتحدّث باسم الدين» في وعي الجمهور، بحيث لا ينخدع الناس بكل من حفظ آية أو رفع شعاراً دينياً.
لماذا تخاف الجماعة من الدراما أكثر من خوفها من الخطاب الدينى التقليدى ؟
على مدار سنوات، واجهت جماعة الإخوان خطاباً دينيّاً نقديّاً واضحاً من العلماء والمؤسسات الرسمية، وفنّد هؤلاء العلماء – في كتبٍ ومحاضرات وبيانات – انحرافات الجماعة في مسائل السمع والطاعة والتنظيم السري والتكفير السياسي واستخدام العنف، وبيّنوا خطورة «التنظيم داخل الأمّة» و«البيعة للتنظيم» و«الإمام البديل» الذي تزاحم به الجماعة ولاية الأمر الشرعية في الدولة.
لكن الجماعة رغم انزعاجها من هذه الجهود، ظلت قادرة – عبر آلتها الإعلامية الضخمة وخلاياها الدعوية – على الالتفاف على هذا النقد؛ فتطعن في العلماء، وتتهمهم بموالاة السلطة، وتستثمر في جهل قطاعات من الشباب، وتستغل العاطفة الدينية لتقديم نفسها كـ«ضحية» تُحارب لأنها «تحمل الإسلام». الدراما – بخلاف ذلك – تضرب في نقطةٍ مختلفة تماماً: إنها تشتغل على «الوجدان» و«المخيّلة»، وتقدّم صورة حيّة للحقيقة، لا مجرّد تحليلات فكرية. المشاهد العادي حين يرى على الشاشة شخصية مثل محمود عزت وهو يخطّط، ويعطي الأوامر، ويُصدر الفتاوى الشفوية بتبرير التفجير والاغتيال، ويرسم خرائط التمويل والتهريب، ثم يتلو في نهاية المشهد آيةً من القرآن أو حديثاً عن الصبر والابتلاء؛ سيشعر تلقائياً بالقبح والتناقض، أكثر مما لو قرأ عشر مقالات نقدية عن الإخوان. هذا «الانكشاف الوجداني» أخطر على الجماعة من النقد العلمي البارد؛ لأن الجماعة بنت مشروعها على صناعة صورة ذهنية رومانسية عن «الداعية المجاهد»، المتواضع، الزاهد، المبتسم، الذي يوزّع الكتيبات في المساجد، ويجلس للشباب في حلقات التربية. حين تأتي الدراما لتكشف الوجه الآخر لهذا «الداعية»، باعتباره مسئولاً عن شبكات قتل وعنف، وواجهة لتسلّط فئة على رقاب الأمة، يتكسّر النموذج الدعائي في ذهن المشاهد، ويُصاب خطاب الجماعة في قلبه. ولذلك رأينا – وما زلنا نرى – حالة الهلع الإخواني من الأعمال الدرامية التي تتناول تاريخ التنظيم، بدءاً من «الجماعة» لوحيد حامد، وصولاً إلى «الاختيار» وما بعده، حتى وصل الذعر اليوم إلى ذروته مع «رأس الأفعى»، لأنه لا يتناول مرحلة تاريخية بعيدة أو شخصية ماتت وانتهت، بل يتناول قلب التنظيم في لحظة راهنة، ويفكك شخصية الرجل الذي أدار الجماعة عملياً بعد سقوط حكمها، وربط فكر سيد قطب بتنفيذ العنف في الشارع المصري.
رؤية «المتحدة» من منظور ٍ دينىّ - مؤسسى
إذا حاولنا قراءة رؤية مجموعة المتحدة للخدمات الإعلامية من منظور ديني ومؤسسي، وجدنا أننا أمام مشروعٍ أقرب إلى «فقه الواقع» في ثوبٍ فني. الشركة – في مجمل إنتاجها – لم تكتفِ بالتوثيق البارد للأحداث، وإنما سعت إلى بناء سردية متماسكة توضح للناس: من العدو؟ وما طبيعة المعركة؟ ومن يدفع ثمن الفوضى والإرهاب؟ ومن المستفيد من تزييف الوعي؟
هذا كله يدخل في عمق واجب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لكن بأدوات هذا العصر؛ فالمعروف اليوم ليس مجرد الصلاة والصوم في الوعي العام، بل أصبح من المعروف – بمفهومه الواسع – حفظ الوطن، وصيانة المجتمع من دعاة الفتنة، وحماية الشباب من الاستقطاب التنظيمي، وفضح من يتلاعب بآيات القرآن لإسقاط الدولة وتخريب العمران. من هنا يمكن القول إن «المتحدة» – حين تنتج عملاً كـ«رأس الأفعى» – لا تمارس مجرد سياسة إعلامية، بل تتحرك في إطار واجبٍ وطني وشرعي؛ لأنها تسهم في:
1. تفكيك خطاب التكفير السياسي والولاء التنظيمي الذي زرعته الجماعة في عقول أتباعها.
2. إعادة تعريف «الشرعية» في الوعي العام بأنها شرعية دولةٍ ومؤسساتٍ ودستور، لا شرعية «مرشد» وتنظيم وسمع وطاعة.
3. إنقاذ الأجيال الجديدة من الوقوع في فخ السردية الإخوانية التي تستدرّ العاطفة باسم الدين.
4. دعم مؤسسات الفتوى والعلم الشرعي، بإتاحة أرضية اجتماعية متقبِّلة لخطابها، بعد أن تتكفّل الدراما بكسر «هالة القداسة» عن التنظيم ورموزه.
بهذا المعنى، لا يمكن فصل مشروع الدراما الوطنية عن مشروع تجديد الخطاب الديني وترشيد التدين في مصر؛ فهما – وإن اختلفت أدواتهما – يتحركان في الاتجاه نفسه: حفظ الدين من التوظيف السياسي، وحفظ الدولة من الاختراق باسم الدين.
شخصية محمود عزت بين «البيعة السرية» و«فقه الدم»
لعلّ أبرز ما يميز مسلسل «رأس الأفعى» – من زاويةٍ دينية – أنه لا يقدّم محمود عزت مجرد «شرير درامي» تقليدي، بل يقدّمه نموذجاً مُجسِّداً لما يمكن تسميته «العقل الإخواني القطبي» بعد ٢٠١٣.
محمود عزت لم يكن وافداً جديداً على الجماعة؛ بل هو من جيل الستينيات الذي تشكّل وعيه في ظل صدام الجماعة مع الدولة، وتشرّب أدبيات سيد قطب في الحاكمية والجاهلية والمفاصلة، وعاش تجربة السجن، ثم خرج ليحمل هذا الميراث إلى المؤسّسة التنظيمية في مستوياتها العليا.
خلاصة هذا التكوين الفكري تتجلّى في جملةٍ محورية: الولاء للتنظيم فوق كل ولاء، و«البيعة السرية» مقدَّمة على أي انتماء آخر، حتى لو كان الوطن نفسه. هنا تقع الجناية الكبرى: تحويل مفهوم «السمع والطاعة» من دائرة الجماعة المجتمعية المتعاونة على البر والتقوى، إلى ولاءٍ مطلق لقيادة سياسية/تنظيمية، تُصادِر حقّ الفرد في الاجتهاد السياسي، وتطالبه بأن يسلّم عقله وضميره لها باسم «السمع والطاعة» و«البيعة على السمع في العسر واليسر والمنشط والمكره».
في سياق ما بعد ٢٠١٣، استُخدم هذا المفهوم لتبرير ما هو أخطر: تكفير خصوم الجماعة، أو نزع الإنسانية عنهم، ثم استحلال دمائهم تحت عنوان «دفع الصائل»، و«الجهاد ضد الانقلاب»، و«القصاص للشهداء». هنا لم يعد الخلاف سياسيّاً، بل تحوّل إلى «فقه دم» كامل، يتسلسل من التكفير المعنوي إلى الاستحلال العملي للدم والمال والعرض.
مسلسل «رأس الأفعى» حين يقترب من شخصية محمود عزت، يضع المشاهد أمام هذا التداخل الخطير بين «الخطاب الديني» و«التخطيط الأمني». نرى رجلاً يحفظ النصوص، ويستدعيها في خطاباته لعناصره، لكننا نراه في الوقت نفسه ينسّق عمليات اغتيال وتفجير، ويدير شبكات تهريب أموال، ويتواصل مع أجهزة خارجية. هذه الازدواجية تفضح الانحراف من الداخل: فالقضية ليست قضية «تديّن»، بل قضية «تديّن وظيفي» مُسخَّر لخدمة مشروع سياسي تنظيمي مغلق.
من الناحية الشرعية، يمكن النظر إلى ما قام به عزت – ومن على شاكلته – على أنه صورة من صور «الخوارج المعاصرين»، وإن اختلفت الشعارات؛ فجوهر الخوارج – كما تقرّر في التراث – هو: رفع شعار الدين، واستحلال الدم الحرام، وتكفير الجماعة، والخروج على جماعة المسلمين وإمامهم. وهذا ما وقع فيه الإخوان عمليّاً حين حملوا السلاح بعد ٣٠ يونيو، وفتحوا الباب أمام كل متطرف ليتخذ من «الشرعية» و«الجهاد» غطاءً لسفك الدماء.
توثيق هذه المرحلة – فنياً – هو في حقيقته توثيق سياسي وشرعي في آن واحد؛ لأنه يقدّم للأجيال القادمة صورة واضحة عن جناية «التديّن الحركي» حين ينفصل عن أهل العلم، ويتحوّل إلى تنظيم مغلق، وبيعة تمحو الانتماء للأمة والوطن.
اللحظة الحرجة بعد ٢٠١٣ ولماذا كان محمود عزت «قاتلاً» فيها ؟
بعد ثورة ٣٠ يونيو، دخلت مصر منعطفاً بالغ الحساسية. الدولة تسعى لاستعادة تماسكها، ومؤسساتها الأمنية تخوض حرباً مفتوحة مع الإرهاب في سيناء وداخل الوادي، والمجتمع منقسم بين من اكتشف خطورة مشروع الإخوان، ومن لا يزال مخدوعاً في خطابهم. في هذه اللحظة، كان يمكن للجماعة أن تختار مراجعةً حقيقية، تعترف فيها بأخطائها وتعود إلى مربع الدعوة السلمية والعمل المدني.
لكن القيادة التي أمسكت بخيوط التنظيم – وعلى رأسها محمود عزت – اختارت الطريق النقيض تماماً:
- أعادت بناء الهيكل التنظيمي على قاعدة السرّية التامة.
- فعَّلت ما يُسمّى داخل الجماعة بـ«اللجان النوعية» و«الكتائب»، لتكون الأداة التنفيذية للأعمال المسلحة.
- عملت على تسليح وتعسكر بعض المجموعات الشبابية، تحت فتاوى تلبس على هؤلاء الشباب مفاهيم «الجهاد» و«دفع الظلم».
- ضخّت الأموال إلى مسارات مشبوهة، لتحريك خلايا عنف، وإطلاق الشائعات، وتمويل إعلام خارجي معادٍ لمصر.
في هذا السياق، كانت شخصية عزت «قاتلة» للأمل في أي حلٍّ سلمي، لأنها نقلت الجماعة من خانة «الشريك السياسي المختلف» – مهما كان خطأه – إلى خانة «التنظيم المسلّح»، وفتحت الباب واسعاً أمام انضمام عناصر متطرفة أكثر إلى المشهد، تحت عنوان «نصرة الإخوان المظلومين».
من زاوية دينية، يمكن القول إن هذه اللحظة شهدت اكتمال تحوّل الإخوان – عمليّاً – إلى تيارٍ يحمل كثيراً من سمات الخوارج: استحلال دم رجال الجيش والشرطة والقضاء، استهداف المدنيين، التعامل مع الخصوم بوصفهم «كفاراً» أو «عملاء»، استدعاء فتاوى قديمة من سياقاتٍ تاريخية مختلفة لتبرير العنف المعاصر. هنا تتجلّى أهمية تجسيد هذه اللحظة – دراميّاً – من خلال شخصية محمود عزت: لأن العمل الفني يجعل المشاهد يرى، لا يسمع فقط، كيف تحوّل «المرشد الخفي» إلى رأس أفعى حقيقي، وكيف ضاعت فرص المراجعة والعودة بسبب تغلّب منطق التنظيم على منطق الدعوة، ومنطق الانتقام على منطق المصلحة الشرعية والوطنية.
نحو وعى دينى جديد بمخاطر «التنظيمات المؤدلجة»
إذا أردنا أن نخاطب القارئ في مجلة دينية علمية، فلا بد من التأكيد على أن قضية الإخوان ليست قضية تاريخ سياسي فحسب؛ بل هي جزء من ملف أوسع اسمه «التنظيمات المؤدلجة المتسلطة على الدين». هذه التنظيمات – بمختلف عناوينها – تشترك في سمات:
- تحويل الدين إلى مشروع سياسي مغلق.
- بناء ولاء بديل للأمة والدولة.
- إنشاء قيادة موازية للإمامة الشرعية.
- استدعاء النصوص وتوظيفها انتقائياً لخدمة المشروع.
- إضفاء قداسة على التنظيم ورموزه.
مسلسل «رأس الأفعى» يقدّم نموذجاً ملموساً لهذه السمات من خلال شخصية محمود عزت، وممارسات التنظيم بعد ٢٠١٣. وما ينبغي أن نستحضره – ونحن نقرأ هذه التجربة – أن الفقه الإسلامي في باب «أهل البدع والأهواء» و«الخروج» و«البغي» قدّم أصولاً عامة يمكن تطبيقها اليوم: ليس الهدف أن نلصق التهم جزافاً، بل أن نميّز بوضوح بين «التديّن الفردي» الذي هو حق لكل مسلم، وبين «المشروع التنظيمي المؤدلج» الذي يتخذ من الدين ستاراً لمخططات تخريبية.
من هنا فإن توثيق هذه التجارب – فكرياً ودرامياً – يُعد جزءاً من «فقه الواقع» الذي لا غنى للعالم والداعية عنه؛ لأن إنكار المنكر لا يكون فقط ببيان حكم الخمر والربا، بل يتضمّن أيضاً إنكار منكرات أكبر أثراً، كمنكر استباحة الدماء باسم الدين، وإقامة تنظيم داخل الأمة ينازعها وحدتها وولاءها.
«رأس الأفعى» بين رسالة الفن وأمانة الدين
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن مسلسل «رأس الأفعى» ليس مجرد عملٍ درامي يتناول شخصيةً مثيرة للجدل؛ بل هو حلقة في سلسلة جهود متكاملة تسعى إلى:
- تفكيك المشروع الإخواني من الداخل، لا على مستوى الشعارات السياسية فقط، بل على مستوى البنية الفكرية والدينية التي يستند إليها.
- استعادة صورة «العالم» و«المفتي» و«المؤسسة الدينية» بوصفها المرجع الحقيقي في فهم الدين، في مقابل «الشيخ التنظيمي» الذي يملي على الشباب أوامر القيادة العليا في ثوب الفتوى.
- تحصين المجتمع – وخاصة الشباب – من الانخداع بإسلامٍ مزيّف، يُتداول في غرف مغلقة، ويتحوّل إلى صكّ غفران يبرّر كل جريمة.
خوف الإخوان من هذا العمل الدرامي مفهوم؛ لأنه يقوّض أهم رأس مال تملكه الجماعة: صورة «الداعية المظلوم» و«المجاهد الطاهر». حين يرى الناس – بالصورة لا بالكلام فقط – كيف تُدار غرف العمليات، وكيف تُعقد البيعات، وكيف تُستحل الدماء، سيتساءلون تلقائياً: أي إسلامٍ هذا الذي يقتل الناس باسم الإسلام؟ وأي «دعوة» هذه التي لا تقوم إلا على أنقاض الأوطان؟
هنا بالضبط تلتقي رسالة الفن بأمانة الدين؛ فكما أن على الفقيه أن يبيّن حكم الله، على المبدع أن يحرس ذاكرة الأمة من التزييف، وأن يقدّم للأجيال القادمة شهادة بصرية على مرحلةٍ حاولت الجماعة أن تكتب تاريخها على هواها.
ومن ثمّ، فإن واجب النخبة الدينية والفكرية اليوم أن تتعامل مع هذه الأعمال الدرامية الجادة بوصفها فرصة، لا خصماً: فرصة لتجديد الخطاب، وللاقتراب من الناس بلغتهم، ولتقديم قراءة شرعية رصينة لهذه التجارب. فإذا تكاملت كلمة العلم مع صورة الفن، أمكن لنا – بإذن الله – أن نطوي صفحة «الإسلام المؤدلج» لصالح إسلام الأمة؛ إسلام الرحمة والعدل وحفظ الدماء والأوطان، بعيداً عن كل «رأس أفعى» يتخفّى خلف النصوص ليلدغ في الظلام.



