قراءة فى كتاب تراثي

" البيان والتبيين "  للجاحظ

 د . محمد سالمان
د . محمد سالمان

بقلم : د . محمد سالمان

يُعدّ كتاب " البيان والتبيين " واحدا من أعظم مؤلفات الجاحظ، وهو يلي كتاب الحيوان من حيث الحجم ويربو على سائر كتبه. وإذا كان كتاب الحيوان يعالج موضوعاً علمياً فإن كتاب البيان والتبيين يهتم بمعالجة موضوع أدبي. ولكن الجاحظ في هذين الكتابين، شأنه في جميع كتبه، ينحو منحى فلسفياً. فهو لا يقتصر في كتاب الحيوان على أخبار الحيوانات وخصالها وطباعها فقط، بل تطرّق إلى موضوعات فلسفية أخرى، كالجواهر والأعراض ، والمجوسية والدهرية الخ. و كذلك كان في كتاب البيان والتبيين فهو لم يكتفِ بعرض منتخبات أدبية من خطب وأمثال ورسائل وأحاديث وأشعار، بل حاول وضع أسس علم البيان وفلسفة اللغة .

  التزم الجاحظ هذا المنهج وقصد إليه قصداً ليجنّب القارئ الملل بتنويع الموضوعات. وقد عبّر عن ذلك بقوله: وجه التدبير في الكتاب إذا طال أن يداوي مؤلفه نشاط القارئ له، ويسوقه إلى حظّه بالاحتيال له، فمن ذلك أن يخرجه من شيء إلى شيء، ومن باب إلى باب، بعد أن لا يخرجه من ذلك الفن، ومن جمهور ذلك العلم .

  فرّق الجاحظ بين "البيان" (القدرة العامة على التعبير) ،و بين "التبيين" (إيضاح القصد بشتى الوسائل، كاللفظ والإشارة)، وحاول الربط بينهما وبين العقل .

  تحدّث الجاحظ عن مفهوم البيان وأنواعه، وآفات اللسان وعيوبه ، والبلاغة والفصاحة. كما تناول الخطابة ،وطبقات الشعراء، ثم  تكلّم عن أصل اللغة ونشأتها ،وقيمة الشعر. و أورد منتخبات من كلام الأنبياء ، خطباً ومقطعات وأحاديث ورسائل وأشعاراً، نسبها إلى مختلف طبقات الناس من عقلاء وحمقى ، نسّاك ومتهتكين، وأعراب ومتحضّرين، رؤساء وسُوقة .

  كتاب " البيان "  موسوعة أدبية وبلاغية ضخمة، ويُعد مرجعاً أساسياً في البلاغة العربية والنقد الأدبي ، ويهدف إلى تعليم القارئ كيف يبلغ المعنى ويُفصحه مع مراعاة مقتضى الحال ، مع التركيز على قدرة العرب الفطرية على الارتجال والبديهة والبيان اللفظي كالخطابة ،وغير اللفظي (الإشارة، الخط).  و لم يعتنِ الجاحظ بالجانب اللفظي ممثلا فى الخُطب والأشعار والرسائل عن طريقة الجمع  والتدوين فقط إنما عن طريق مناقشة عناصرها وغاياتها ليردّ بذلك على من ينتقص من قدرة العرب الإبداعية في المجال الأدبي ، كما تعدى إلى مفهوم الإشارة فقد خصّص الرجل مساحة للحديث عن لغة الإشارة كشريك رئيس للفظ في الدلالة على المعنى، وهو مفهوم مُبتكر في عصره. كذلك ربط الجاحظ بين أمية العرب وقدرتهم على الكلام الجيد، مؤكداً أن كلامهم وليد البديهة والارتجال والإلهام لا عن الكدّ والتكلّف والصنعة .

  كذلك اتبع الجاحظ  منهجاً فريدا يعتمد على  الشكّّ والاستقراء، مع الميل للاستطراد ، كما استخدام الاقتباسات ، والوصف الدقيق، مع تجنّب الزخرفة المفرطة، وهو ما يميّز أسلوب الجاحظ في معظم كتبه .

  الكتاب أصل من أصول الأدب العربي و مصدر رئيس لطلاب اللغة والباحثين في البلاغة والنقد الأدبي ،و له تأثير بالغ في من جاء بعده في مجال البيان والبلاغة، كما أن الكتاب يعكس فكر الجاحظ الموسوعي وتفاعله مع ثقافات عصره.

و لذلك يقول أبو هلال العسكري في "الصناعتين " عند الكلام على كتب البلاغة : وكان أكبرها وأشهرها كتاب البيان والتبيين، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ. وهو لعمري كثير الفوائد، جمّ المنافع، لما اشتمل عليه من الفصول الشريفة، والفِقر اللطيفة، والخُطب الرائعة، والأخبار البارعة، وما حواه من أسماء الخطباء والبلغاء، وما نبّه عليه من مقاديرهم في البلاغة والخطابة وغير ذلك من فنونه المختارة، ونعوته المستحسنة. إلا أن الإبانة عن حدود البلاغة وأقسام البيان والفصاحة، مبثوثة في تضاعيفه، ومنتثرة في ثناياه، فهي ضالة بين الأمثلة، لا توجد إلا بالتأمل الطويل، والتصفح الكثير .

  أما ابن خلدون فيسجّل لنا رأي قدماء العلماء  فيقول : وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين: وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرّد ،و كتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب الأمالي لأبي علي القالي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها . كذلك امتدح الكتاب ابن رشيق القيرواني في كتابه " العمدة " .

قراءة فى كتاب تراثي

" البيان والتبيين "  للجاحظ

بقلم : د . محمد سالمان

 

  يُعدّ كتاب " البيان والتبيين " واحدا من أعظم مؤلفات الجاحظ، وهو يلي كتاب الحيوان من حيث الحجم ويربو على سائر كتبه. وإذا كان كتاب الحيوان يعالج موضوعاً علمياً فإن كتاب البيان والتبيين يهتم بمعالجة موضوع أدبي. ولكن الجاحظ في هذين الكتابين، شأنه في جميع كتبه، ينحو منحى فلسفياً. فهو لا يقتصر في كتاب الحيوان على أخبار الحيوانات وخصالها وطباعها فقط، بل تطرّق إلى موضوعات فلسفية أخرى، كالجواهر والأعراض ، والمجوسية والدهرية الخ. و كذلك كان في كتاب البيان والتبيين فهو لم يكتفِ بعرض منتخبات أدبية من خطب وأمثال ورسائل وأحاديث وأشعار، بل حاول وضع أسس علم البيان وفلسفة اللغة .

  التزم الجاحظ هذا المنهج وقصد إليه قصداً ليجنّب القارئ الملل بتنويع الموضوعات. وقد عبّر عن ذلك بقوله: وجه التدبير في الكتاب إذا طال أن يداوي مؤلفه نشاط القارئ له، ويسوقه إلى حظّه بالاحتيال له، فمن ذلك أن يخرجه من شيء إلى شيء، ومن باب إلى باب، بعد أن لا يخرجه من ذلك الفن، ومن جمهور ذلك العلم .

  فرّق الجاحظ بين "البيان" (القدرة العامة على التعبير) ،و بين "التبيين" (إيضاح القصد بشتى الوسائل، كاللفظ والإشارة)، وحاول الربط بينهما وبين العقل .

  تحدّث الجاحظ عن مفهوم البيان وأنواعه، وآفات اللسان وعيوبه ، والبلاغة والفصاحة. كما تناول الخطابة ،وطبقات الشعراء، ثم  تكلّم عن أصل اللغة ونشأتها ،وقيمة الشعر. و أورد منتخبات من كلام الأنبياء ، خطباً ومقطعات وأحاديث ورسائل وأشعاراً، نسبها إلى مختلف طبقات الناس من عقلاء وحمقى ، نسّاك ومتهتكين، وأعراب ومتحضّرين، رؤساء وسُوقة .

  كتاب " البيان "  موسوعة أدبية وبلاغية ضخمة، ويُعد مرجعاً أساسياً في البلاغة العربية والنقد الأدبي ، ويهدف إلى تعليم القارئ كيف يبلغ المعنى ويُفصحه مع مراعاة مقتضى الحال ، مع التركيز على قدرة العرب الفطرية على الارتجال والبديهة والبيان اللفظي كالخطابة ،وغير اللفظي (الإشارة، الخط).  و لم يعتنِ الجاحظ بالجانب اللفظي ممثلا فى الخُطب والأشعار والرسائل عن طريقة الجمع  والتدوين فقط إنما عن طريق مناقشة عناصرها وغاياتها ليردّ بذلك على من ينتقص من قدرة العرب الإبداعية في المجال الأدبي ، كما تعدى إلى مفهوم الإشارة فقد خصّص الرجل مساحة للحديث عن لغة الإشارة كشريك رئيس للفظ في الدلالة على المعنى، وهو مفهوم مُبتكر في عصره. كذلك ربط الجاحظ بين أمية العرب وقدرتهم على الكلام الجيد، مؤكداً أن كلامهم وليد البديهة والارتجال والإلهام لا عن الكدّ والتكلّف والصنعة .

  كذلك اتبع الجاحظ  منهجاً فريدا يعتمد على  الشكّّ والاستقراء، مع الميل للاستطراد ، كما استخدام الاقتباسات ، والوصف الدقيق، مع تجنّب الزخرفة المفرطة، وهو ما يميّز أسلوب الجاحظ في معظم كتبه .

  الكتاب أصل من أصول الأدب العربي و مصدر رئيس لطلاب اللغة والباحثين في البلاغة والنقد الأدبي ،و له تأثير بالغ في من جاء بعده في مجال البيان والبلاغة، كما أن الكتاب يعكس فكر الجاحظ الموسوعي وتفاعله مع ثقافات عصره.

و لذلك يقول أبو هلال العسكري في "الصناعتين " عند الكلام على كتب البلاغة : وكان أكبرها وأشهرها كتاب البيان والتبيين، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ. وهو لعمري كثير الفوائد، جمّ المنافع، لما اشتمل عليه من الفصول الشريفة، والفِقر اللطيفة، والخُطب الرائعة، والأخبار البارعة، وما حواه من أسماء الخطباء والبلغاء، وما نبّه عليه من مقاديرهم في البلاغة والخطابة وغير ذلك من فنونه المختارة، ونعوته المستحسنة. إلا أن الإبانة عن حدود البلاغة وأقسام البيان والفصاحة، مبثوثة في تضاعيفه، ومنتثرة في ثناياه، فهي ضالة بين الأمثلة، لا توجد إلا بالتأمل الطويل، والتصفح الكثير .

  أما ابن خلدون فيسجّل لنا رأي قدماء العلماء  فيقول : وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين: وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرّد ،و كتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب الأمالي لأبي علي القالي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها . كذلك امتدح الكتاب ابن رشيق القيرواني في كتابه " العمدة " .