البحوث الاجتماعية والجنائية حدد سبل المواجهة
المصالحات العرفية فعالة.. ومطالب بسن إجراءات لدعمها
التوعية الدينية تلعب دوراً بارزاً في الحد منها
الظاهرة يتجاوز تأثيرها المستوى الفردي إلى الجمعي
شكوى من تناول الدراما السطحي.. وتمجيد البطل
أوصينا بإنشاء لجنة قومية لمكافحة الثأر
التطبيق الميداني شمل محافظات ألمنا وأسيوط وسوهاج وقنا
حوار- عبد العزيز أحمد
تنتشر ظاهرة الثأر في الكثير من المجتمعات العربية، وفي مصر تتركز هذه الجريمة بصورة أكبر في الصعيد، والتي تعتبر من ميراث الجاهلية، وتفتح أبواب الفساد، وامتدت منذ عقود طويلة دون تغليب العقل والحكمة وتحريم الأديان السماوية إزهاق الأرواح أو القصاص بشكل فردي لضمان العدل. وقد عكفت الدولة المصرية في السنوات الأخيرة على وضع حلول جذرية واستنهضت المؤسسات ذات الصلة لمواجهة هذه الآفة المؤرقة للسلم المجتمعي والتي تخلق حالة من عدم الاستقرار والأمان في تلك المناطق.
الدكتور سامح المحمدي، أستاذ القانون الجنائي ورئيس شعبة بحوث الجريمة والسياسة الجنائية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، وتحت إشراف الدكتورة هالة رمضان، مدير المركز، قام بتنفيذ بحث شامل في ٤ محافظات بصعيد مصر، حول جريمة الثأر وتناولها من كافة النواحي وأبعادها القانونية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية والدينية.
وقد خرج بالعديد من النتائج والتوصيات، وخلال السطور التالية التقت اللواء الإسلامي د. سامح المحمدي لإلقاء الضوء على مدى خطورة هذه الظاهرة، وكيفية مواجهتها والحلول العلمية والعملية لها.
إلى تفاصيل الحوار …
● بداية.. ما أهمية موضوع البحث وهدفه؟
يسعى البحث للتوصل إلى آليات للتدخل وسبل للمواجهة الفاعلة للحد من مشكلة الأخذ بالثأر فى صعيد مصر. وذلك من خلال التعرف على كل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والنفسية والإعلامية المحيطة بالثقافة المرتبطة بجرائم الثأر، وكذلك المستجدات التى طرأت عليها ومدى تأثير التغيرات المحلية والعالمية.
● ما المنهجية التي اعتمد عليها البحث؟
ينتمى البحث الراهن إلى فئة الدراسات الوصفية التحليلية، واعتمدت الدراسة على أسلوب المسح الاجتماعى، وجمعت ما بين التحليل الكمى لبيانات استمارة الاستبار والتى تم تطبيقها على عينة عشوائية ممثلة للجمهور العام فى محافظات الدراسة، وكذلك التحليل الكيفى للمادة المجموعة من خلال دليل مقابلة أطراف الخصومات الثأرية فى مجتمع الدراسة، وكذلك مجموعات النقاش البؤرية.
● ومع من تحديداً التقيتم؟
ضمت نخبة سكان القرى محل الدراسة من العُمد، والمشايخ، ورجال الأزهر، ورجال الكنيسة، ورجال التربية والتعليم، والرائدات الريفيات، والعاملين بمراكز الشباب، والعاملين بقصور الثقافة، ورجال المصالحات العرفية، وأئمة المساجد، والعاملين بالوحدات المحلية، والعاملات بالمجلس القومى للمرأة، وكذلك بعض الأعيان من قرى الدراسة.
نطاق البحث
● وما المحافظات التي شملها نطاق البحث ليتم التركيز عليها، وأسباب انتشارها؟
تم التطبيق الميدانى بمحافظات: المنيا، وأسيوط، وسوهاج، وقنا؛ باعتبار تلك المحافظات الأكثر فى نسبة انتشار مشكلة الثأر بها، وتمثلت أهم أسباب زيادة جرائم الثأر فى صعيد مصر، كالنزاع على الأراضى والممتلكات، ومشاجرات أدت إلى القتل، وإثارة بعض الفتن بين العائلات بواسطة أطراف خارجية، وخلافات أسرية، والتنمر على أقارب الضحية، وحوادث قدرية، والانتقام للعرض تسهم الطبيعة الجغرافية الجبلية فى صعيد مصر فى انتشار جرائم الثأر، وهو ما يتماشى مع الاتجاه الأيكولوجى فى تفسير الجريمة، فضلًا عن أوقات الفراغ الطويلة التى يعانى منها غالبية الأفراد فى صعيد مصر..
● وما أسباب استمراريتها، ؟
يرتبط استمرار جرائم الثأر بأعراف وعادات وتقاليد متجذرة، بالإضافة إلى الخوف من الوصم الاجتماعى، والجهل.
كما يُعتبر الثأر من أقوى الأعراف الاجتماعية تأثيرًا فى مجتمع صعيد مصر، حيث يحتفظ بسلطته رغم مرور الزمن. ومهما بلغت شدة العقوبات القانونية فإنها لن تُعد بديلًا كافيًا لهذا العرف، إذ يمثل الثأر موروثًا ثقافيًا راسخًا، مما يجعل تغييره صعبًا دون تكامل الجهود المجتمعية.
الأبعاد القانونية
● ما أبرز المسارات التي يتم اتخاذها عند حل المنازعات الثأرية؟
تتنوع تفضيلات حل المنازعات الثأرية بين اللجوء إلى القضاء الرسمى أو الاعتماد على لجان المجالس العرفية، ويفضل بعض أفراد العينة أن يأخذ صاحب الثأر ثأره بنفسه.
كما يفضل الكثير من المواطنين الطرق القضائية الرسمية لحل هذه النزاعات، حيث يُنظر إلى جرائم الثأر على أنها جرائم جسيمة تتطلب تدخل القانون لتحقيق العدالة والردع لجميع الأطراف.
فيما فضلت أكثر من نصف عينة الدراسة اللجوء إلى لجان المصالحات العرفية فى حل المنازعات الثأرية، نظرًا لدورها الفاعل فى التوصل إلى حلول سلمية مقبولة للطرفين، وما تتميز به من سرعة فى اتخاذ القرارات النهائية.
● وهل ترون أن للمصالحات العرفية بصمات وتأثيرا في هذه المسألة؟
أثبتت المصالحات العرفية فعاليتها فى تحقيق الأمن الاجتماعى، إذ أظهرت النتائج أن أغلب الأطراف المتصالحة تمكنوا من استعادة حياتهم الطبيعية، وشعروا بالأمان بعد انتهاء النزاع. كما تطورت العلاقات بين بعض الأسر المتصالحة، ليصبح بينها علاقات طيبة رغم العداء السابق.
أبعاد اقتصادية
● هل هناك تأثيرات أخرى تم رصدها بخلاف الأثر الاجتماعي لهذه الجريمة؟
تؤدى النزاعات الثأرية إلى انخفاض الإنتاج الزراعى نتيجة عزوف العديد من العائلات عن العمل فى أراضيهم الزراعية خوفًا من التعرض للخطر أثناء تواجدهم فى الحقول، مما يؤدى إلى انخفاض دخل تلك العائلات، بالإضافة إلى تدهور حالة الأراضى نتيجة عدم العناية بها، كما تضطر الأسر المتورطة فى الثأر إلى إغلاق مشاريعها أو تقليل أنشطتها التجارية بسبب الصراعات المستمرة، مما يزيد من خسائرها.
وبالطبع تؤدى الظروف الاقتصادية المتدهورة إلى تزايد الحاجة للاقتراض من أجل تغطية تكاليف النزاعات، مثل التكاليف المرتبطة بالتصالح أو الهروب من المنطقة.
● إلى أين يتجه هؤلاء؟
تؤدى تهديدات الثأر إلى اضطرار بعض الأسر للهجرة إلى مدن أخرى أو حتى خارج البلاد بحثًا عن الأمان، مما يتسبب فى خسارة المجتمعات المحلية لكوادر بشرية مهمة كان يمكن أن تسهم فى تنمية هذه المناطق، كما تُزيد هذه الهجرة أيضًا من الضغط على الموارد فى المناطق التى تستقبل هذه الأسر.
التأثير الإعلامي
● من خلال بحثكم المعمق، مصادر المعرفة وماذا تتابع عينة البحث على المستوى الإعلامي؟
تعتمد النسبة الأكبر من عينة الدراسة فى تعرضها لوسائل الإعلام على متابعة التليفزيون، تلى ذلك منصات التواصل الاجتماعى، ثم الراديو، وفى المرتبة الأخيرة جاءت الصحف.
● وهل كان لهم مطالب بهذا الشأن؟
ركزوا على أهمية دور الإعلام فى نشر مفهوم "التسامح" وتعزيز التوعية بأهمية اللجوء إلى الطرق القانونية والقضاء فى قضايا الثأر. كما شددوا على ضرورة مناقشة موضوع الثأر من منظور دينى، مع إبراز تحريم الأديان السماوية كافة لقتل النفس. وأشاروا إلى ضرورة تسليط الضوء على الآثار السلبية للأخذ بالثأر، من خلال توضيح أن الثأر يُفضى إلى الخراب، وأن الجانى لن ينجو من العقاب، بل سيتحمل أيضًا تبعات فقدان عائلته ومستقبل أولاده.
● وهل رصدتم تقصيرا على مستوى الدراما؟
هناك عدد من النقاط السلبية فى الأعمال الدرامية التى تناولت قضية الثأر مثل المبالغة وسطحية التناول الإعلامى للقضية، وتقديم القاتل فى صورة البطل، والقيام بعرض بعض الخطط والأفكار التى يمكن أن تدفع البعض للتقليد والمحاكاة، خاصة عند إغفال تقديم نماذج للصلح، وتصوير القتل والعنف كأفعال بطولية دون عقاب، لما له من تأثير سلبى على الشباب والنشء.
الأبعاد النفسية
● ما طبيعة مشاعر عينة البحث في تلك الأحوال وتقييمها؟
تعرض غالبية المبحوثين للمعرفة المباشرة بحدوث وقائع ثأرية، وقد شعر غالبيتهم بمشاعر سلبية عقب معرفتهم بتلك الوقائع، بينما شعر البعض بمشاعر إيجابية تمثلت فى السعادة والفخر.
● طبيعة الحياة اليومية لمن انجرف لمثل هذه الجرائم؟
يعيش الأفراد فى حالة دائمة من الترقب والخوف المزمن من التعرض للاعتداء أو القتل، مما يترك أثرًا نفسيًا عميقًا على الأسرة بأكملها، ويولد شعورًا مستمرًا بعدم الأمان فى حياتهم اليومية.
كما تواجه العائلات المتورطة ضغوطًا اجتماعية تدفعها إلى القيام برد فعل انتقامى لتجنب الوصم السلبى من المجتمع المحلى، مما يجعل الأفراد عالقين بين التقاليد الاجتماعية التى تفرض الثأر ورغبتهم فى السلام والأمان.
أهم التوصيات
● ما أبرز التوصيات التي أفرزها البحث؟
كان لهذا البحث العديد من المخرجات الهامة، منها: تشكيل لجنة قومية لمكافحة الثأر بصعيد مصر تقوم على أساس تكامل الجهود بين الجهات المختلفة وفق خطة عمل علمية واضحة، وإنشاء برامج توعوية للأسر بصعيد مصر تتناسب وخصوصيتهم الثقافية لكيفية التربية الوالدية الصحيحة والتربية الأخلاقية، القائمة على قيم التسامح والاحترام وحل النزاعات بالطرق السلمية، أهمية التوسع فى إقامة المشروعات الاقتصادية خاصة بالقطاعات كثيفة التشغيل، فهى تُعد من إحدى الآليات الناجحة لمواجهة المنازعات الثأرية.
وكذلك ضرورة الاهتمام بتطوير الخدمات التعليمية والصحية لتوفير عناصر بشرية منتجة ومبدعة تسهم بشكل فعال فى رفع معدلات النمو الاقتصادى.
ونشر التوعية بأهمية تعليم الإناث لضمان تحقيق مستقبل أفضل لأسرتها وللمجتمع ككل باعتبارها شريكًا أساسيًّا فى صنع التنمية.
تشجيع الشباب على إقامة المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر؛ وتدريبهم على كيفية إدارة مثل هذه المشروعات.
العمل على تعديل القيم المرتبطة بالثأر، مع الأخذ فى الاعتبار أن عملية تعديل القيم المسيطرة فى الصعيد سوف تحتاج لوقت طويل، مع استمرارية جهود التعديل.
يفضل بث الحملات التوعوية فى التليفزيون، ومواقع التواصل الاجتماعى باعتبارها الأكثر متابعة، مع التركيز على دور إذاعة القرآن الكريم.
عرض قصص المصالحات فى حالات الخصومات الثأرية فى الأعمال الدرامية، والرفع من قيمتها وصبغها بصورة ذهنية إيجابية لدى المتلقى.
ضرورة تحقيق العدالة الناجزة فى قضايا القتل، وسرعة الفصل فى القضايا المدنية التى تتعلق بالنزاع على الحدود وملكية الأراضى.
مناشدة المشرع المصرى تقنين أوضاع آليات العدالة الرضائية وأدواتها المتمثلة فى لجان المصالحات العرفية، والعمل على سن إجراءات لتفعيل قراراتها، والأخذ بعين الاعتبار القرارات والأحكام التى تصدرها.
العمل على وضع ضوابط إجرائية سديدة لتمكين الأطراف من الطعن والاستئناف على قرارات وأحكام لجان المصالحات العرفية فى حال الاعتراض عليها، وأن يكون ذلك أمام لجان من خارج المحافظة؛ لبسط مزيد من الشفافية والمصداقية على أحكامها.



