في مسرحيته الشهيرة "الحسين ثائرًا" أبدع الكاتب عبد الرحمن الشرقاوي في وصفه للحمولات المعرفية للكلمة التي يتلفظ بها الإنسان، باعتبارها ميثاقًا على الرجل العربي الحرّ الشريف؛ فالرجل الذي طلب إلى الإمام الحسين أن يُعلن مبايعة يزيد بن معاوية، حقنًا لدمائه ودماء أسرته، يُغريه بأن البيعة مجرد كلمة يقولها المرء ثم ينفلت من تبعاتها؛ ولم يكن هكذا الإمام الحُسين، رضي الله عنه، فهو من أهل بيت لا يرضون الدنيّة في دنيا ولا دين ولو كانت بكلمة: "أتعرف ما معنى الكلمة.. مفتاح الجنة في كلمة.. دخول النار في كلمة.. وقضاء الله هو الكلمة.. الكلمة لو تعرف حرمة.. زاد مذخور.. الكلمة نور.. وبعض الكلمات قبور.. وبعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري.. الكلمة فرقان بين نبيّ وبغيّ.. بالكلمة تنكشف الغمّة.. الكلمة نور ودليل تتبعه الأمة.."؛ وإن كان الإمام الحسين قد فقد حياته وحياة أهل بيته أجمعين، إلا زمرة قليلين، لإمساكه عن قول كلمة في بيعة غاشم، فإنه قد أحيا النخوة في هذه الأمة وقدَّم درسًا للأجيال التالية لإدراك ما قد تُحدثه كلمة لاهية في موطن جدّ من أذى ماحق في تفكير أجيال كاملة.
وهذا الفهم العميق للكلمة هو ما يجب أن تسعى الدولة إلى ترسيخه بين الشباب الذين تخلب ألبابهم "كلمات" تافهة على الميديا فيصدّقونها دونما تثبت، ويلوكونها فيما بينهم كأنها حق واقع، وهي ضلال ناقع، وقد يتخذون مواقف ضد وطنهم بسببها.. وإذا كانت الشائعات تبدأ بالكلمات فإن التوعية بخطورة الكلمة واجبٌ وطني على المؤسسات الإعلامية، كما هو واجب على باقي مؤسسات الدولة بإظهار الحقائق أولًا بأول ونشرها على القنوات والصحف الرسمية منعًا للتكهنات والظنون، وإغلاقًا لنيران الفتنة التي قد تُشعلها "كلمة" من جاهل لا يعرف ما معنى "الكلمة".
***
ربما لا تعرف الأمم المتحدة، في قرارها المشهور رقم 3190 لعام 1973 بإدراج اللغة العربية ضمن اللغات العالمية الرسمية، أن لغة الضاد أكبر من هذه المنظمة نفسها، بل ومن معظم الدول التابعة لها؛ وقديمًا كان المستشرقون يعجبون من هذه اللغة التي وُلدت كاملة الأعضاء متناسقة التكوين، بلا فترات طفولة ورضاع، وسط مجتمعٍ بدوي لا يعرف كثيرًا من أسباب الحضارة، ثم تزداد رِفعة ورُقيًّا مع تقدم مجتمعاتها واختلاف بيئاتها؛ وكأن حروفها لا تعترف بغير السعي إلى الأمام وسيلة للبقاء، بعكس ما بات يعتقده أبناؤها الآن، إذ لا يكتفون بهجرانها وإنما يسخرون ممن يُتقنها دونما خجلٍ بعدما هربت من العُروق الدماء.. ولا عجب إن مرَّت الاحتفالات السنوية باللغة العربية مرور الكرام، أو مرور اللئام، لا فرق؛ فقد أصبحنا في زمن العُجمة والرطانة، وكأننا نُحقق مقولة ابن خلدون في المقدمة حول تقليد المغلوب للغالب.
الأمم كلها تشدّ على لغاتها بأضراسها، هربًا من دخول المتاهة وملاقاة "الميناتور" المتوحش، حسبما تقول الأسطورة الإسبانية، ومن ثم الاندياح في عالم متعولم يقضي فيه القوي على الضعيف، وتُسيطر عليه الثقافة الموجهة، وليس العالمية، وهو حقها لتحافظ على كيانها من الاهتزاز وليس الاندثار، سواء في ذلك العامل البسيط والأستاذ الجامعي؛ لأن كلا الفريقين يُدرك أن اللغة هي الهوية، وأن الخلخلة في الهوية خلخلة في الوجود؛ لذلك أصبحت اللغة مسألة مصيرية عند تلك الأمم التي لم تتقدم من فراغ؛ ولن يجيبك أحد إن طلبت مساعدة بالفرنسية وأنت في ألمانيا، أو بالإسبانية وأنت في إنجلترا.. أما أمتنا الخالدة فتجتهد في كل الأمور التي تُسهم في هدم لغة الضاد دونما وازع من عقلٍ أو ضمير، رغم أن لغتنا العربية هي نفسها التي تحفظ وجودنا وكياننا من الاندثار، وليس العكس.
***
في شوارعنا تتشوّه أبصارنا بالحروف الأجنبية الصريحة والمُعرّبة التي تعتلي لافتات المحلات الكبرى؛ وفي مدارسنا لا ينفكّ التلاميذ يرطنون بلغات أخرى استعلاء على أصدقائهم وإثباتًا لأحقيتهم في دخول زمرة المرتاحين وذوي الجاه؛ وحتى بين أهلنا بالقرى لم يعد نشازًا أن تسمع كلمات أجنبية بين رطانات عربية، بعدما جرت على ألسنتهم مئات الكلمات الدالة على منتجات أجنبية سكنت بين عقولنا وأصبحت واقعًا نتعايش معه؛ وإلا فإن اتهامات بالجهل والرجعية جاهزة لتجلد ذواتنا المتمسكة باللسان العربي الذي نزل به القرآن.. وهي آفات تجب مواجهتها بقوانين "حامية" لكل من يتجرأ على إهانة لغة الضاد؛ وأولها قانون "حماية اللغة العربية" التائه في أضابير البرلمان ومجلس الوزراء منذ عدة سنوات، دونما أملٍ في انبلاج قريب!
اللغة أهم أدوات التفكير وأول مراقي الحضارة، ولا حضارة بلا لغةٍ عفيةٍ متجددةٍ، تستطيع الإفلاتَ من المتاهة، ومن ضراوة ذلك الوحش القابع فيها ليلتهم كل ما يقع بين أنيابه من ضحايا فقدوا عقولهم حين تخلوا عن لغتهم وأسباب قوتهم.



