شهد الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين تحولات متسارعة وصراعات معقدة، جعلته ساحة مفتوحة للتدخلات الدولية والإقليمية. في قلب هذه التحولات برزت مصر باعتبارها الدولة المركزية ذات الثقل الجغرافي والديمغرافي والعسكري، القادرة على إعادة التوازن حين يميل الكفّة لمصلحة قوى معادية.
وفي المقابل، مثّلت قطر منذ مطلع الألفية الجديدة ظاهرة مثيرة للجدل في الإقليم، عبر انخراطها في سياسات داعمة لقوى الإسلام السياسي وتوظيفها الإعلام كسلاح للنفوذ، وهو ما جعلها –بحسب كثير من المحللين– جزءًا من شبكة أوسع تُسهم في إذكاء الفوضى. ومع استمرار الصراع العربي–الإسرائيلي، لم تعد المخاطر مقتصرة على الإرهاب العابر للحدود، بل اتسعت لتشمل التحديات الأمنية المرتبطة بإسرائيل نفسها، سواء عبر الاعتداءات المباشرة أو من خلال تحالفاتها مع قوى داخلية وإقليمية.
أولاً: قطر بين النفوذ والاتهام بدعم الإرهاب
منذ العام 1995 ومع وصول الأمير السابق حمد بن خليفة آل ثاني إلى الحكم، اختارت قطر طريقًا مغايرًا في سياستها الخارجية. فالدولة الصغيرة ذات الإمكانيات المالية الضخمة وجدت في الإعلام (قناة الجزيرة) والدعم المالي لجماعات الإسلام السياسي أدوات لفرض حضور إقليمي يتجاوز مساحتها الجغرافية. وخلال أحداث ما سُمّي بالربيع العربي 2011، تحولت الدوحة إلى عرّاب للتيارات الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما دفع الكثير من العواصم العربية إلى اتهامها بلعب دور تخريبي.
وقد انعكس ذلك بوضوح في الأزمة الخليجية 2017، عندما قررت مصر والسعودية والإمارات والبحرين قطع العلاقات مع قطر، متهمين إياها بتمويل الإرهاب والتدخل في شؤون الدول الداخلية. هنا برزت القاهرة باعتبارها الصوت الأكثر وضوحًا في كشف مخاطر الدور القطري، ليس فقط على الأمن الوطني المصري، وإنما على استقرار الإقليم برمته.
ثانياً: مصر بعد 2013 – استعادة الدولة ومواجهة الإرهاب
منذ ثورة 30 يونيو 2013 وصعود الرئيس عبد الفتاح السيسي، دخلت مصر مرحلة جديدة هدفها استعادة الدولة الوطنية من فوضى الإرهاب. فقد خاضت القوات المسلحة والشرطة المصرية معارك ضارية في سيناء ضد جماعات متطرفة مرتبطة بداعش والقاعدة، وفي الوقت نفسه تبنّت القاهرة خطابًا سياسيًا يربط بين أمن مصر وأمن المنطقة.
هذا الموقف انعكس في استراتيجية مصرية واضحة تقوم على تجفيف منابع الإرهاب ماليًا وفكريًا، وهو ما قاد إلى مواجهة مباشرة مع السياسات القطرية.
تدعيم مؤسسات الدولة الوطنية في الإقليم (ليبيا، السودان، سوريا)، إدراكًا أن انهيار هذه الدول يصب في صالح الإرهاب وإسرائيل معًا.
الحفاظ على الجيش المصري كأقوى جيوش المنطقة، باعتباره الضمانة الحقيقية للتوازن مع إسرائيل ومنع تمدد الجماعات الإرهابية.
ثالثاً: إسرائيل والتهديد المستمر
رغم اتفاقية السلام المصرية–الإسرائيلية الموقعة عام 1979، فإن سلوك إسرائيل في المنطقة ظل مصدر قلق دائم. فهي تمارس اعتداءات متكررة على غزة ولبنان وسوريا، وتحاول فرض واقع جديد عبر التوسع الاستيطاني وتهويد القدس. هذه السياسات لم تعد مجرد قضية فلسطينية، بل تهديدًا للأمن القومي العربي كله.
لذلك تدرك القاهرة أن أي فراغ استراتيجي في المنطقة سيُستغل إسرائيليًا، لذلك سعت دائمًا إلى لعب دور الوسيط بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، وفي الوقت ذاته عززت تعاونها الدفاعي مع جيوش عربية عدة لموازنة النفوذ الإسرائيلي. كما أن مصر، بخلاف كثير من القوى الإقليمية، ما زالت تنظر إلى الصراع العربي–الإسرائيلي باعتباره جوهر الاضطراب في الشرق الأوسط.
رابعاً: قطر وإسرائيل.. تقاطعات مشبوهة
المفارقة أن قطر، التي تدّعي دعم القضية الفلسطينية، احتفظت بعلاقات دبلوماسية وتجارية غير مباشرة مع إسرائيل، تحت ذريعة المساعدات الإنسانية لغزة. غير أن هذه المساعدات غالبًا ما كانت تُدار بطريقة تسمح لتل أبيب بالتحكم في تدفق الأموال، ما جعلها أداة ضغط أكثر من كونها دعمًا حقيقيًا.
هذا التداخل بين قطر وإسرائيل أثار تساؤلات حول طبيعة الدور القطري: هل هو دعم للمقاومة كما تروّج الدوحة؟ أم أنه غطاء لإبقاء الأوضاع في غزة تحت السيطرة الإسرائيلية؟ هنا وجدت القاهرة نفسها مضطرة للقيام بدور موازن، عبر دعمها المتواصل للمصالحة الفلسطينية–الفلسطينية، ومحاولاتها فك الارتباط بين المقاومة وإملاءات الدوحة أو غيرها.
خامساً: مصر وحماية الشرق الأوسط
تلعب مصر اليوم دور "الموازن الإقليمي"، فهي من جهة تواجه الإرهاب الذي تسلّلت شبكاته عبر الحدود مع ليبيا وغزة والسودان، ومن جهة أخرى تتصدى لمحاولات إسرائيل فرض واقع أحادي في المنطقة.
يتجلى هذا الدور في عدة مستويات:
عسكريًا: تطوير قدرات الجيش المصري بالأسلحة الحديثة (الرافال، الميسترال، الفرقاطات)، ما يجعل مصر قادرة على حماية حدودها البحرية والبرية والجوية.
دبلوماسيًا: انخراط القاهرة في ملفات شائكة مثل الأزمة الليبية، الصراع السوداني، المصالحة الفلسطينية، والتنسيق مع القوى الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، الصين).
فكريًا وإعلاميًا: عبر مواجهة خطاب الإسلام السياسي الذي غذّته قطر وأدواتها الإعلامية، والتأكيد على قيم الدولة الوطنية وسيادة القانون.
سادساً: نحو رؤية مستقبلية
إذا كان الماضي القريب قد أثبت أن قطر ساهمت في تفاقم أزمات المنطقة عبر دعم جماعات مسلحة، فإن المستقبل يفرض على الدول العربية الكبرى، وفي مقدمتها مصر، صياغة رؤية جديدة لحماية الشرق الأوسط. هذه الرؤية تقوم على تعزيز الأمن القومي العربي المشترك بعيدًا عن التحالفات الظرفية.
وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية مركزية لا يجوز اختزالها في مساعدات مالية مشروطة.
ومحاصرة أدوار القوى الصغيرة التي توظف المال والإعلام ضد استقرار الإقليم.
ومواجهة الإرهاب فكريًا وتنمويًا، لا أمنيًا فقط، من خلال التنمية المستدامة والتعليم ونشر الاعتدال الديني.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن مصر ليست مجرد دولة ضمن المنظومة العربية، بل هي "العصب" الذي يحول دون انهيار الشرق الأوسط في فوضى الإرهاب والتقسيم. ومع تصاعد التحديات المرتبطة بدور قطر وسياسات إسرائيل التوسعية، يزداد ثقل الدور المصري باعتباره الضمانة الحقيقية لأمن المنطقة. إن حماية الشرق الأوسط لن تكون ممكنة إلا عبر مركزية الدور المصري، الذي يجمع بين القوة الصلبة (العسكرية) والناعمة (الدبلوماسية والفكرية).
ومن هنا، يصبح الرهان على القاهرة رهانًا على استقرار الإقليم، وعلى قدرة الشعوب العربية في مواجهة أخطر تهديدين: الإرهاب وإسرائيل حيث لم تتوانى الأخيرة خلال الأسبوع الماضي عن توجيه ضربات عسكرية لبنايات ضمت اجتماع لقادة تنظيم حماس داخل حليفتها الدولة القطرية (الذي نسب إلى أحد مسؤوليها تصريحات تؤكد أن أمريكا وإسرائيل هي من طلبت السماح لحماس والمقاومة الفلسطينية من أجل انشاء مكاتب تمثلهم في العاصمة الدوحة) مما يؤكد على صحة الرؤية السياسية المصرية تجاه إسرائيل واطماعها الاستعمارية الاستيطانية وعدم احترامها لأي تحالفات أو مواثيق أو أعراف دولية.



