معاذ وبلال وابن مسعود.. سفراء النور من مدرسة النبوة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

في ذكرى مولد سيد البشرية، النور الذي أضاء الكون ليلة وضعه، رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ، نستلهم من صحابته رضوان الله عليهم بعضا مما تعلموه من المعلم الاول صلى الله عليه وسلم ، ونسوق للقارئ بعضا من مواقف  هؤلاء الرجال الذين تشبعوا وملأوا الدنيا علما نقلا عن محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ، منهم معاذ بن جبل وسعد بن أبي وقاص وبلال بن رباح وهذا عبدالله بن مسعود الصوت العذب الذي يمتع من يسمعه يتلو كتاب الله وغيرهم الكثير رضوان الله عليهم.

معاذ بن جبل.. إمام العلماء وسفير النبوة إلى اليمن
قال عنه النبي: "أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل"، وكان من الذين بعثهم النبي إلى اليمن ليعلموا الناس الدين، وكان مثالًا في الفقه والعلم والتواضع.
ولد معاذ في المدينة المنورة، وكان من الأنصار الذين بايعوا النبي في بيعة العقبة الثانية، وهو شاب مشرق الوجه، براق الثنايا، يأسر القلوب بهدوئه، ويأخذ بالألباب حين يتحدث. ومنذ تلك اللحظة، أصبح من السابقين الأولين، ومن أعمدة الدعوة الإسلامية.
حين أرسله النبي إلى اليمن، سأله: "بم تقضي يا معاذ؟"، فأجاب: "بكتاب الله"، ثم بسنة رسوله، وإن لم يجد، قال: "أجتهد رأيي ولا آلو". فتهلل وجه النبي وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله". كانت تلك اللحظة شهادة نبوية على نضج عقل معاذ، وشجاعته في الاجتهاد، وعمق فقهه.
في مسجد المدينة، وفي أول خلافة عمر بن الخطاب، جلس معاذ بين الصحابة، وكان مرجعهم في الحديث والفقه، رغم صغر سنه. يقول عائد الله بن عبد الله: "دخلت المسجد فوجدت مجلسًا فيه بضع وثلاثون، كلهم يذكرون حديثًا عن رسول الله، وفيهم شاب شديد الأدمة، حلو المنطق، وهو أشب القوم سنًا، فإذا اشتبه عليهم شيء ردوه إليه".
هاجر معاذ إلى الشام، وعاش فيها معلمًا وفقيهًا، حتى استخلفه عمر بن الخطاب على الشام بعد وفاة أبي عبيدة بن الجراح. ولم يمضِ عليه سوى أشهر حتى لقي ربه، وهو محب لله منيب إليه. وكان عمر يقول: "لو استخلفت معاذ بن جبل، فسألني ربي: لماذا استخلفته؟ لقلت: سمعت نبيك يقول: إن العلماء إذا حضروا ربهم، كان معاذ بين أيديهم".
وفي لحظة ودّ نبوية خالدة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". فكان معاذ ممن حفظوا هذا الدعاء، وعاشوا به، وماتوا عليه.
وتعد سيرة معاذ بن جبل مشعل يضيء دروب الفقه والعقل، ودليل على أن العلم حين يقترن بالإيمان، يصنع رجالًا لا تنطفئ ذكراهم.


بلال.. صوت الإسلام 
في سجل الخالدين، يسطع اسم رجل نحيل، شديد السمرة، كثّ الشعر، خفيف العارضين، لم يكن يملك من الدنيا شيئًا، لكنه امتلك من الإيمان ما لا يُشترى، ومن الصدق ما لا يُقهر. إنه بلال بن رباح، مؤذن الإسلام، وصوت الحرية الذي دوّى في أرجاء مكة، متحديًا الأصنام والنار والحجارة.

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلقبه بـ"سيدنا"، وهو لقب لا يُمنح إلا لعظيم. وإذا كان عمر، الفاروق، يصف رجلاً بذلك، فاعلم أن هذا الرجل بلغ من المجد ما لا يُقاس بالمقاييس الأرضية. ومع ذلك، كان بلال إذا سمع الثناء، يخفض رأسه ويقول باكيًا: "إنما أنا حبشي.. كنت بالأمس عبدًا".
بلال لم يكن قبل الإسلام سوى عبد يرعى الإبل مقابل حفنات من التمر. لكن الإسلام، الذي لا يقيس الناس بألوانهم ولا أنسابهم، رفعه إلى مقامٍ لا يبلغه إلا الصادقون. لقد صمد بلال أمام تعذيب أمية بن خلف، الذي ألقاه على الرمال الملتهبة، ووضع الصخرة على صدره، وأمر الصبيان أن يجرّوه في شعاب مكة، وهو يردد: "أحدٌ.. أحدٌ".
هذا الصوت الذي أزعج الأصنام، صار بعد سنوات يُرفع من فوق الكعبة يوم فتح مكة، حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذن من أعلاها، في مشهدٍ تاريخيٍّ يُجسّد انتصار العقيدة على الجاهلية، والحرية على الرق.
بلال لم يكن مجرد مؤذن، بل كان رمزًا عالميًا للكرامة الإنسانية. يقول الكاتب خالد محمد خالد: "من كل عشرة مسلمين، سبعة يعرفون بلالًا". لقد عرفه الأطفال في أقاصي آسيا، وفي أعماق أفريقيا، وفي أوروبا والأمريكتين.
عرفوه لأنه لم يكن مجرد رجل، بل كان درسًا حيًا في حرية الضمير، وفي أن الإيمان الحق لا يُشترى، ولا يُباع، ولا يُكسر.

 

عبد الله بن مسعود.. الغلام المعلم
في زمنٍ كانت فيه الكلمة تُقمع، والصوت يُكتم، وقف غلامٌ نحيل الجسد، شديد الأدمة، لا يملك من الدنيا سوى يقينه، ليكون أول من جهر بالقرآن في مكة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنه عبد الله بن مسعود، سادس من أسلم، وأحد أعلام الصحابة الذين حملوا نور الرسالة، ونسجوا من الإيمان معجزات خالدة.
كان أول لقاء له بالنبي صلى الله عليه وسلم حين كان يرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط، فطلب منه النبي لبنًا، فأجاب: "إني مؤتمن". فأتى له بشاة حائل، فمسح النبي ضرعها ودعا، فدرّ اللبن، وشرب هو وأبو بكر. ثم قال له النبي: "إنك غلام معلَّم"، وهي نبوءة تحققت حين صار فقيه الأمة، وعميد حفظة القرآن.
عبد الله بن مسعود لم يكن يملك عشيرة تحميه، ولا جاهًا يرفعه، لكنه امتلك قلبًا لا يخاف، ولسانًا يصدح بالحق. حين اجتمع الصحابة يتساءلون من يقرأ القرآن جهارًا على قريش، قال: "أنا". رغم تحذيرهم له، مضى إلى المقام، وقرأ سورة الرحمن بصوتٍ عذبٍ، أربك سادات قريش، فانهالوا عليه ضربًا، لكنه عاد إلى أصحابه يقول: "ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن".
لقد كان ابن مسعود معجزة من معجزات الإسلام، إذ صنع منه الدين العظيم رجلًا لا يُقهر، رغم فقره وضآلة جسده. يقول عن نفسه: "أخذت من فم رسول الله سبعين سورة، لا ينازعني فيها أحد". وكان النبي يوصي أصحابه أن يقتدوا به، ويقول: "من أحب أن يسمع القرآن كما أنزل، فليسمعه من ابن أم عبد".
وفي لحظة مؤثرة، طلب منه النبي أن يقرأ عليه القرآن، فقرأ من سورة النساء، حتى بلغ قوله تعالى: "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا..."، فبكى النبي وقال له: "حسبك يا ابن مسعود".
عبد الله بن مسعود لم يكن مجرد راوٍ للقرآن، بل كان حاملًا لروحه، ومجسدًا لمعانيه. عاش متواضعًا، وقال: "ما أحد أعلم بكتاب الله مني، ولو أعلم أحدًا تمتطى إليه الإبل أعلم مني، لأتيته".
إنه نموذج خالد لرجل صدق ما عاهد الله عليه، وسار على درب النبوة، فملأ الدنيا علمًا، ونشر سماحة الإسلام في ربوع الأرض.

 

ترشيحاتنا