بقلم - أ.د. محروس بُريّك
إذا بالغَت العَرَب في الوصف عكسَت التشبيه؛ ادعاء منها بأن وجه الشبه أظهر وأقوى في المشبه الذي صار مشبها به؛ نحو قول الشاعر:
وبدا الصّباحُ كأنّ غُرّتَهُ وجهُ الخليفة حين يُمتدَحُ
وقول الآخر:
أحنُّ لهم ودونهمُ فَلاةٌ كأنَّ فسيحَها صدرُ الحليمِ
فشبه الصباح بجبين الخليفة على جهة التشبيه المقلوب؛ ادعاء بأن صفة الإشراق في جبين الخليفة هي الأصل، وأنها صارت فى الصباح فرعا، فهى فى جبين الخليفة أظهر وأقوى منها فى الصباح. وكذلك شبه الشاعر الآخر اتساع الصحراء بصدر الإنسان الحليم، على طريقة التشبيه المقلوب أيضا؛ ادعاء بأن صفة الاتساع أظهر وأقوى في صدر الحليم منها فى الصحراء المترامية الأطراف.
وقد جعل ابن جنى هذا الضرب من التشبيه ضمن باب (غلبة الفروع على الأصول)، وأشار إلى أنه فصل من فصول العربية طريف، تجده فى معانى العرب، كما تجده في معانى الإعراب. وأكّد أنك لا تكاد تجد شيئا من ذلك إلا والغرض فيه المبالغة.
لكن القرآن حين يعبر بالتشبيه المقلوب لا يجيء بالكلام مبالغة وادعاء، بل تصويرا لما يجيش في نفوس المتكلمين من خواطر وما يعتمل فى عقولهم من أفكار؛ ذلك أن القرآن يصدر عن مشكاة الحق، والشعر يصدر عن مرامى الخيال؛ بيان ذلك أن القرآن في نحو قوله تعالى: (قالوا إنما البيعُ مثلُ الربا) البقرة: (275)، يكسر أفق التوقع فيجيء بالصورة على جهة التشبيه المقلوب؛ مراعاةً منه لحال المتكلمين من آكلي الربا، وبيانا لمدى شيوع الحرام فى مجتمع الجاهليين حتى صار الربا- وهو الحرام- أصلا، والبيع- وهو الحلال- فرعا، وصارت صفة الحِل في الربا- في اعتقاد المُرَابِين- أظهرَوأقوى منها في البيع !! ومما يضفى على هذه الصورة القرآنية طرافة أن في التعبير بالتشبيه المقلوب محاكاة لانقلاب المعايير في مجتمع الجاهلية.
ولأن قولهم (إنما البيع مثل الربا) قد جاء على جهة الحصر بــ(إنما) جعل القرآن هذا القول علة في تخبطهم وانتكاسهم فهم (لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُوم الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ) البقرة: (275)؛ وهم لم يجعلوا البيع فرعا والربا أصلا على جهة الادعاء والمبالغة كما كان الحال في التشبيه المقلوب في أشعار العرب، بل كان ذلك منهم على جهة اليقين فجاء قولهم معبرا عما يعتمل في نفوسهم وأفئدتهم، فجيء بالكلام على جهة الحصر بــ(إنما) إشارة إلى مدى تمكن ذلك المعنى المقلوب من أفئدتهم وعقولهم.
وتلك سُنة متبعة في كل المجتمعات على مرالأزمان، فإذا تعود الناس الحرام واستمرئوه جعلوه أصلا، وأنكروا الحلال واستنكروه وعَدُّوه فرعا، حتى إنك لو دخلت قرية يمشي فيها الناس على أيديهم، لصرت مثار السخرية والاستهزاء لأنك تمشي على قدميك !



