في زمن تتسارع فيه التحديات الفكرية والاجتماعية، وتتصاعد فيه محاولات التشويه والهدم، يصبح السؤال الأهم: كيف نحافظ على جوهر الإسلام ونقدمه للعالم بصفائه ورحمته؟
"اللواءالإسلامي" تلتقى د. محمد عبد الرحيم البيومي، الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، الذي يفتح لنا أبواب الرؤية العميقة التي ينطلق منها المجلس في الداخل والخارج، ويحدثنا عن دوره في نشر الفكر الديني المعتدل، ومواجهة التطرف بكافة صوره، ويشرح كيف يمكن للمؤسسات الدينية أن تتفاعل مع قضايا العصر من خلال العلم والإعلام والمشاركة المجتمعية، ويضع خريطة فكرية واضحة المعالم، تبدأ من الكتب والملتقيات والرحلات التوعوية، ولا تنتهي عند استخدام الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الحديثة لنقل رسالة الإسلام بصورتها الرحيمة.
في هذا الحوار، نقترب أكثر من ملامح "الإصلاح الديني الحقيقي"، ونكتشف كيف يمكن أن نجدد في الدين لا أن نجدد الدين نفسه، وكيف أن بناء الإنسان هو السبيل لصناعة الحضارة ومواجهة تيارات العنف والغلو والإقصاء.
د. محمد عبد الرحيم البيومي، يشرح لنا كيف أن تجديد الخطاب الديني لا يعني المساس بجوهر الدين، بل تقديمه بلغة العصر، وأدواته، وعقله.
- بداية.. ما الدور الذي يقوم به المجلس الأعلى للشئون الإسلامية في نشر الفكر الديني المعتدل؟
على المستوى المحلي، يضطلع المجلس بدور رئيس في صياغة وتوجيه الخطاب الديني بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة، إذ يعمل على تعزيز مفاهيم السلم المجتمعي، وترسيخ مبادئ التعايش بين مختلف أطياف المجتمع المصري. ويتم ذلك من خلال إصدار مؤلفات دينية وثقافية تراعي ثوابت الدين ومتغيرات العصر، وتنظيم المجالس العلمية، وعلى رأسها المجالس الحديثية التي تستعرض الصحيح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويُشارك المجلس في ندوات وفعاليات تثقيفية بالتعاون مع وزارات التعليم والشباب والرياضة والثقافة، لإيصال الفكر المعتدل إلى أكبر عدد ممكن من الفئات، خاصة النشء والشباب، بما يسهم في تحصينهم ضد التيارات المنحرفة والغريبة على المجتمع.
أما خارجيا، فإن المجلس يتحرك عبر وزارة الخارجية المصرية، ليُهدي مؤلفاته إلى المؤسسات الدينية الكبرى حول العالم، ويُشارك بفاعلية في المؤتمرات والندوات الدولية، ويوقع بروتوكولات تعاون مع هيئات إسلامية في أوروبا وآسيا وأفريقيا، فالمجلس ليس مجرد مؤسسة تصدر الكتب، بل هو مشروع وطني ودولي لبناء الوعي، وترسيخ معاني الرحمة والعدل والوسطية في زمن تموج فيه الأفكار المتطرفة والتأويلات المنحرفة.
الفهم المنحرف
- في رأيك كيف يمكن للمجلس أن يعزز الفهم الصحيح للدين في المجتمعات الإسلامية، وما آلياته فى مواجهة الفهم المغلوط للنصوص؟
يعمل المجلس من خلال الإدارة المركزية للعلاقات الخارجية على رصد واقع المسلمين حول العالم، لا سيما في المجتمعات التي تعاني من ضعف التواصل الديني أو تأثرها بثقافات مغلوطة، ويقوم بتزويد هذه المجتمعات بكتب ومؤلفات تعكس روح الإسلام السمحة، وتصحح الفهم المنحرف لبعض المفاهيم الجوهرية كالجهاد، والولاء والبراء، والحريات، والمرأة، والتعددية، وإرسال بعثات علمية، وتنظيم ندوات دينية تثقيفية في الخارج، تستهدف المجتمعات المسلمة التي تعيش في الغرب، خصوصًا فئة الشباب المسلم الذي قد يجد نفسه بين سندان الإسلاموفوبيا ومطرقة الخطاب المتشدد.
ويحرص المجلس على أن يكون ما يصدره من مؤلفات أو مواد إعلامية قادرًا على مخاطبة غير المسلمين أيضًا، بلغة تحترم العقل، وتُظهر البعد الإنساني في الشريعة الإسلامية، ما يعزز التفاهم بين الحضارات، ويُسهم في تقليص مساحات الصدام، ويفتح أبواب الحوار.
- ما أبرز العقبات التي يواجهها المجلس في ظل التحولات الفكرية المتسارعة؟
المجلس الأعلى للشئون الإسلامية يدرك تمامًا حجم المسئولية المُلقاة على عاتقه، ودائما ما يفند التحديات التى يجب عليه مواجهتها ومن أهمها التغير السريع في أنماط التفكير لدى الشباب، والانفتاح المذهل على ثقافات متباينة ومتضاربة، بفعل الثورة الرقمية التي جعلت من كل فرد متلقيا ومصدرا في الوقت ذاته للمعلومات، وهذا يفرض علينا أن نطوّر من أدواتنا، ونبتعد عن الأساليب التقليدية الجامدة، والغزو الثقافي والإعلامي يمثل تحديًا آخر، إذ تنتشر عبر وسائل التواصل مفاهيم مشوهة، وأفكار مضللة، تتعمد النيل من الثوابت الدينية، والمجلس يواجه هذه الموجات المتضاربة من خلال إصدار مؤلفات تراعي لغة العصر، والرد على الشبهات، ومواكبة القضايا المستجدة التي تمس عقيدة الفرد وسلوك المجتمع.
أيضًا، تعدد المرجعيات الدينية، وادعاء البعض تمثيل الإسلام دون علم أو تأهيل، يؤدي إلى فوضى فكرية، وخلل في تلقي الخطاب الديني. والمجلس هنا يحرص على أن تكون رسالته نابعة من مصدر علمي موثوق، ولعل التحدي الأكبر هو الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية في زمن العولمة، حيث تُفرض مفاهيم "الإنسان العابر للهوية" و"النسبية المطلقة" و"ما بعد الحقيقة"، وهي أفكار تُقوّض الأديان والأخلاق والقيم الأسرية. وهنا يأتي دور المجلس في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وبناء الإنسان فكريًا وروحيًا، ليكون قادرًا على التفاعل مع العصر دون الذوبان فيه، وعلى التعايش دون التفريط في ثوابته.
القيم المشتركة
كيف يرى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية دوره في نشر السلام وتعزيز القيم الإسلامية على الصعيدين المحلى والدولى؟
يتبنى المجلس رؤية واضحة تنطلق من عمق الفهم الديني للإسلام، باعتباره دين الرحمة والتراحم والتعارف بين البشر، لا دين الصراع أو الإقصاء أو العدوان، ومسئولية المجلس لا تقتصر على الداخل المصري فقط، وإنما تمتد إلى العالم الإسلامي، بل والعالم أجمع، من خلال العمل على تصحيح صورة الإسلام في أذهان غير المسلمين، والتصدي لمحاولات ربطه بالتطرف أو العنف، وهي مسئولية تتطلب خطابا عقلانيا وإنسانيا، لا يتحدث فقط عن الدين، بل يُمارسه واقعًا من خلال تعزيز القيم المشتركة مع الإنسانية كافة.
المجلس يتعاون مع مؤسسات دينية إسلامية كبرى، كالأزهر الشريف، ورابطة العالم الإسلامي، ومنظمة التعاون الإسلامي، وغيرها، لتوحيد الجهود نحو هدف مشترك يتمثل في ترسيخ ثقافة السلام، والتصدي لخطابات الكراهية، ومواجهة الإسلاموفوبيا، وكل أشكال التمييز العنصري والديني.
ويسهم المجلس في إعداد وإرسال الوفود إلى المؤتمرات الدولية، ويُهدي إصداراته إلى المؤسسات الثقافية والفكرية في الخارج بلغات متعددة، وفي الداخل يعمل المجلس على غرس قيم التسامح والتفاهم من خلال الأنشطة المجتمعية التي ينظمها، خاصة التي تستهدف الشباب والأطفال.
- وكيف يكون التعاون مع المؤسسات الدينية فى الدول الإسلامية؟
المجلس يدرك أن التعاون الدولي مع المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي ضرورة لا رفاهية، وأداة استراتيجية لمواجهة الفكر المتطرف، وتقديم الإسلام بصورته الحضارية الجامعة، ولهذا، فإن المجلس يحرص على إقامة شراكات وبروتوكولات تعاون مع جهات دينية مختلفة، من الخليج العربي إلى جنوب شرق آسيا، ومن إفريقيا إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية، لا سيما في الدول التي تعاني فيها الأقليات المسلمة من سوء الفهم أو ضغوط ثقافية، وتتنوع صور التعاون بين المجلس وهذه المؤسسات، لتشمل، تنظيم المؤتمرات الدولية التي تُعقد بشكل دوري في القاهرة أو في عواصم العالم، وتجمع علماء الأمة لبحث قضايا فكرية وإنسانية، وتبادل الخبرات والزيارات العلمية بين قيادات المجلس ونظرائهم في الدول الأخرى، وإهداء الإصدارات والمطبوعات العلمية والدعوية التي تُنتجها لجان المجلس بلغات متعددة، إلى مكتبات الجامعات الإسلامية، والمراكز الثقافية، والمجالس الدينية في الخارج.
عقد ورش تدريبية مشتركة لتأهيل الأئمة والدعاة من الخارج، خصوصًا القادمين من أوروبا وآسيا، وتدريبهم على مفاهيم الوسطية ومهارات التعامل مع الواقع المعاصر، وإرسال بعثات علمية قصيرة المدى لحضور فعاليات دينية وثقافية حول العالم، وتمثيل مصر في محافل فكرية تهدف إلى ترسيخ التعايش ونبذ الكراهية.
والمجلس يسعى إلى توحيد الخطاب الديني الوسطي، وتقديمه بلغة واحدة تُقاوم التشظي، وتُعزز مناعة المسلمين الفكرية، وتُرسخ روح التآخي بين الشعوب، بعيدا عن الاستقطاب الطائفي أو التوظيف السياسي للدين.
التحول الرقمى
- ما خطط المجلس لتحسين الرسالة الإعلامية للدين الإسلامى؟
الاستراتيجية الإعلامية للمجلس حديثة تواكب التحول الرقمي العالمي، وتعتمد على استخدام الإعلام الرقمي كوسيلة رئيسة في نشر الفكر الديني الوسطي، والتواصل مع الفئات الأكثر تفاعلًا، خاصة فئة الشباب، التي لم تعد تستقي معارفها من خطب الجمعة أو الكتب المطبوعة فحسب، بل من الفيديوهات القصيرة، والمنشورات المصممة، والبودكاست، والتطبيقات التفاعلية.
وبدأنا بالفعل في إنتاج محتوى مرئي ومقروء يناسب مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، ويُقدّم من خلال منصاته الرسمية على "فيسبوك" و"يوتيوب" وغيرها، بلغة سهلة، وقالب بصري جذاب، دون الإخلال بجوهر الخطاب الديني وأصالته. وكذلك نقوم بإعداد المواد الإعلامية بلغات أجنبية لتوسيع دائرة التأثير، والتفاعل مع المجتمعات الإسلامية في الخارج.
كما يعمل المجلس على تدريب كوادره من الدعاة والعلماء على مهارات التواصل الإعلامي الحديث، وكيفية إدارة النقاشات الرقمية، والتعامل مع التعليقات والاستفسارات التي ترد من الجمهور عبر المنصات، وهذه الجهود تهدف إلى تحويل الخطاب الديني من خطاب أحادي الاتجاه إلى خطاب تفاعلي حي.
ويولي المجلس أهمية خاصة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، والتقنيات المتقدمة، في تحليل اهتمامات الجمهور، وصناعة محتوى يتفاعل مع القضايا الراهنة، بما يعزز من تأثيره في ساحة إعلامية تعج بالأفكار المتطرفة، أو الخاوية، أو المشوشة.
إن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، من خلال هذه النقلة الإعلامية النوعية، يسعى إلى بناء جسور جديدة مع المجتمع، وخصوصًا مع الأجيال الجديدة، مؤمنًا أن الإعلام ليس مجرد وسيلة للنشر، بل هو مساحة للفكر، ومنبر لتشكيل الوعي، ومجال رحب لإبراز عظمة الدين الإسلامي، وجمال روحه.
كوادر شبابية
- كيف يمكن أن يُحدث ذلك تأثيرا إيجابيا فى وعى الشباب؟
يهتم المجلس اهتمامًا خاصًا بوصول خطابه إلى الشباب، ليس فقط بوصفهم جمهورا متلقيا، بل باعتبارهم شركاء في صناعة الخطاب وقيادة المستقبل، وذلك من خلال إطلاق صفحات رسمية على المنصات الرقمية، تُقدّم محتوى دينيًا مبسطًا، مؤثرًا، يتناسب مع طبيعة كل منصة، سواء عبر الفيديوهات القصيرة، أو الرسائل التوعوية المصوّرة، أو الحوارات التفاعلية، وإنتاج محتوى بصري احترافي يعتمد على التصميم الجذّاب، والرسوم التوضيحية (الإنفوجراف)، والرسوم المتحركة، ومقاطع الفيديو، واستهداف قضايا الشباب الواقعية مثل: الهوية والانتماء، الإلحاد، الشبهات المعاصرة، الطموح، الحب والزواج، القيم الأخلاقية، العلاقة بالأسرة، الضغوط النفسية، والعمل على معالجتها من منظور ديني عاقل يوازن بين الدين والحياة.
تدريب كوادر شبابية داخل المجلس تكون قادرة على التواصل مع أقرانها بلغة الجيل، ويجري تأهيلهم فكريًا وإعلاميًا ليكونوا سفراء الخطاب الوسطي في محيطهم.
إشراك الشباب في الفعاليات الميدانية مثل الملتقيات الصيفية، معسكرات الوعي، اللقاءات الفكرية، ورش العمل الحوارية، والرحلات التربوية، التي تتيح لهم التفاعل المباشر، والتعبير عن آرائهم، في بيئة آمنة ومحترِمة.
الاستفادة من المؤثرين الإيجابيين في وسائل التواصل، والتعاون مع نماذج شبابية ناجحة، لتقديم الدين بصورة معاصرة غير نمطية، بعيدة عن التخويف أو الوصاية.
تجديد الدين
- هل هناك توجه فعلى لإصلاح الخطاب الدينى، وما ملامح هذا الإصلاح؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين ثوابت الدين ومتغيرات الواقع؟
قضية إصلاح الخطاب الديني ليست جديدة، لكنها تكتسب أهمية متجددة في كل مرحلة تاريخية تمر بها الأمة، لا سيما في ظل التحولات السريعة والمتلاحقة التي يشهدها العالم اليوم، والمجلس باعتباره من أبرز الجهات التي تتبنى هذا الإصلاح، يُفرّق بوضوح بين "تجديد الدين" و"التجديد في الدين"؛ فالدين - كما نزل من السماء - لا يحتاج إلى تجديد، لأنه محفوظ بحفظ الله، ومكتمل بأحكامه ومقاصده، أما التجديد في الدين، فهو يتعلق بوسائل الفهم والتبليغ والتفسير والاجتهاد، أي تجديد أدوات الخطاب وآلياته، لا مضمونه أو أصوله.
لذلك, فإن المجلس يضع تصورًا شاملًا لإصلاح الخطاب الديني، يقوم على عدة مرتكزات، أولا: تجديد الوسيلة لا المضمون، أي تقديم القيم الدينية بلغة العصر، ومخاطبة الناس بحسب فئاتهم العمرية والثقافية وبيئاتهم المتنوعة، وثانيا: الانتقال من الخطاب الإنشائي إلى الخطاب العلمي، وثالثًا: محاصرة الفكر المتطرف بالفكر المستنير، ورابعًا: إحياء فقه الواقع والمآلات.
وفي سبيل تحقيق هذا الإصلاح، يعمل المجلس على تأهيل الكوادر الدينية من خلال برامج تدريبية متخصصة، تشمل مهارات الاتصال، وأساسيات علم النفس والاجتماع، وفهم الإعلام، وتحليل الخطاب، حتى يكون الداعية أو العالم قادرا على التعامل مع الواقع بأدواته، دون الانفصال عن الثوابت.
كما يُشجع المجلس على عقد حلقات نقاش و"عصف ذهني" مع الشباب، لإدماجهم في عملية الإصلاح، والاستماع إلى آرائهم وأسئلتهم وهمومهم، وتقديم الدين بصورته النقية التي تحتضن الإنسان، لا التي تُقصيه أو تخوّفه أو تُحمّله ما لا يطيق.
الفكر المتطرف
- ما الاستراتيجيات التى تعتمدها في مكافحة الفكر المتطرف؟ وكيف تتصدى لمحاولات الغزو الثقافى الذى يهدد هوية الأجيال الجديدة ويشكك فى ثوابت الدين وقيم المجتمع؟
يعتمد المجلس في مواجهة الفكر المتطرف والغزو الثقافي على رؤية متكاملة متعددة المحاور، تتجاوز المعالجات التقليدية، وتنطلق من فهم واقعي لطبيعة هذه التحديات، وآليات انتشارها، وجذورها النفسية والاجتماعية والفكرية، ومن أبرز أدوات المجلس واستراتيجياته في هذا المجال؛ المؤلفات التوعوية المبنية على تفكيك الفكر المتطرف، والمحتوى الرقمي المواجه للتطرف، واللقاءات المباشرة مع الشباب، وتنظيم الرحلات والأنشطة التربوية المتوازنة، وتوظيف اللجان البحثية المتخصصة، والتصدي للغزو الثقافي من خلال تعزيز الهوية، ولا يكتفي المجلس بمهاجمة الظواهر الغربية الوافدة، بل يعمل على تعزيز البدائل الثقافية الإسلامية الراقية، التي تُشبع حاجات الإنسان المعاصر دون الانسلاخ عن الهوية.
ويُقدم المجلس برامج ثقافية تُبرز إسهامات الحضارة الإسلامية في العلوم والفنون، وتُعيد بناء الثقة لدى الشباب في مرجعيتهم الفكرية والدينية، فالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية لا يحارب التطرف فقط من الخارج، بل يعمل على تحصين العقول والقلوب من الداخل، عبر نشر المعرفة، وتوفير القدوة، وإتاحة المجال للحوار والتساؤل، وإزالة الحواجز بين الدين والواقع.
وفي مواجهة الغزو الثقافي، لا يُغلق المجلس أبوابه أمام العالم، بل يفتح نوافذ للانفتاح الواعي، والانتقاء الذكي، والتفاعل الحضاري الذي لا يذوب فيه المسلم، ولا يعادي العالم، بل يُثبت ذاته عبر العلم والحوار والإنجاز.
المؤسسات الوطنية
- فى الختام ما الرسالة التي توجهها للمسلمين في الداخل والخارج؟
من واقع المسئولية الدينية والفكرية والوطنية، ندرك أن العالم الإسلامي اليوم يقف على مفترق طرق. تحديات الهوية، ومحاولات التشويه، وسرعة التحولات، وصراعات الفكر والقيم، كلها ضغوط تهدد استقرار المجتمعات، وتفتح الباب أمام الغلو، أو التيه، أو التشكيك، أو الانفصال عن الجذور، ومن هنا، فإن رسالة المجلس، ليست مجرد كلمات تُلقى، بل رؤية تتجدد كل يوم، تستند إلى ثوابت الإسلام ومقاصده العليا، وتتفاعل مع واقع الناس وتطلعاتهم، وتتلخص في كلمات ثلاث، أولا: أن الإسلام دين حياة لا دين جمود، فهو لا ينغلق على النصوص دون فهم، ولا ينفصل عن الواقع تحت ذريعة التحريم، بل جاء ليُعلي من قيمة الإنسان، ويقوده نحو البناء والعمران والرحمة والعدل، والإسلام لا يخاف من العصر، بل يُضيئه، ولا يعادي الحداثة، بل يضبطها بقيمه، ويمنحها روحًا أخلاقية راقية.
ثانيًا: نحن نجدد في الدين، لا نجدد الدين نفسه، وهذا فرق جوهري يؤكد عليه المجلس دائمًا، فالدين محفوظ بنصوصه، ولكن وسائل تقديمه، وطرائق فهمه، وأدوات بيانه، هي التي تحتاج إلى مراجعة وتطوير وتجديد. والمجلس يعمل على هذا التجديد من منطلق علمي ومؤسسي، لا فردي أو عشوائي، ويستند في ذلك إلى إرث الأزهر الشريف، وإجماع علماء الأمة، وحكمة الواقع.
ثالثًا: يدنا ممدودة لكل محب للخير، مؤمن بالسلام، حريص على بناء الإنسان
فلا طائفية، ولا عنصرية، ولا انعزال، فالإسلام لا يعترف بحدود الجغرافيا أمام القيم الإنسانية. من مصر إلى العالم، المجلس يُخاطب كل مسلم يطلب الفهم، وكل إنسان يطلب الحوار. يعمل مع المؤسسات الوطنية، ويتواصل مع المسلمين في أوروبا وآسيا وإفريقيا، ويتعاون مع كل جهة تسعى إلى بناء وعي مستنير.
وللمسلمين في الخارج، يخصهم المجلس برسالة تقدير ودعم، مؤكدًا لهم أنهم جزء أصيل من جسد الأمة، وأن الحفاظ على هويتهم، وثقافتهم، ودينهم، لا يتناقض مع اندماجهم في مجتمعاتهم الجديدة. ويُقدم لهم ما يستطيع من مؤلفات، ودورات، وتواصل حي، حتى لا يشعروا بالاغتراب، أو التضييق، أو الشك.
أما في الداخل، فالمجلس يعتبر نفسه ضميرًا وطنيًا، يقف في الصفوف الأولى دفاعًا عن وعي المجتمع، ويعمل من قلب مؤسسات الدولة، لا بمنأى عنها. يرى أن الأمن القومي يبدأ بالأمن الفكري، وأن الشباب هم المشروع الحقيقي لمستقبل مستقر ومزدهر.
وفي كل ما يفعل، يُؤمن المجلس بأن الدين ليس أداة صراع، بل رسالة سلام. ليس مجرد عبادة، بل أخلاق وعلم وتعايش. لا يعزل المسلم عن مجتمعه، بل يُؤهله ليكون فاعلًا فيه، وقادرًا على النهوض به.
إن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية يُجدد العهد، بأن يظل منبرًا للوسطية، وجسرًا للحوار، وحائط صد في مواجهة كل فكر منحرف أو دخيل. وأن يستمر في تقديم الدين كما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين.



