«الكِندي».. مشروع رقمي بثلاث لغات يربط 2500 مفكر
«كرسي قنواتي» أبرز المشروعات الفكرية لمكافحة التطرف
ندرة الكوادر وضعف التمويل أبرز التحديات
الحوار بين الأديان يبدأ من المعرفة
في أحد الأزقة الهادئة في شارع الأزهر العريق، يقع معهد الدومينيكان للدراسات الشرقية، ذلك الصرح الثقافي الفريد الذي تأسس منذ أكثر من سبعة عقود ليكون منارة للفكر والحوار والمعرفة.. خلف جدرانه البيضاء، يحتفظ المعهد بواحدة من أغنى المكتبات المتخصصة في التراث الإسلامي على مستوى العالم، حيث تتجاور المخطوطات النادرة مع أمهات الكتب في الفقه والفلسفة والتاريخ، لتشكل مرجعا لا غنى عنه للباحثين والمفكرين من مختلف الجنسيات.
"اللواء الإسلامي" تجولت داخل مكتبة الدومنيكان وتأملت في أرففها الثرية بالمعرفة، حيث التقينا مع الأب ماتيوس دومينجس مدير المكتبة، الحاصل على الدكتوراه في الدراسات العربيّة، والباحث في تاريخ الفكر الإسلاميّ والتصوّف، والذي تركزت أبحاثه على الفلسفة الإسلامية في القرون الوسطى، ليكشف لنا الدور الذي تؤديه المكتبة في تعزيز التفاهم بين الثقافات، والمشروعات العلمية التي تخدم التراث الإسلامي... مزيد من التفاصيل في الحوار التالي:
حدثنا عن دراستك وكيف توليت إدارة مكتبة الدومنيكان؟
أشغل منصب مدير المكتبة منذ شهر مايو ٢٠٢١ وحتى الآن، وكنت شغوفا طوال رحلتي العلمية بعلم المكتبات حيث حضرت عدة دورات تدريبية كان آخرها في باريس.
ورغم أنني برازيلي الجنسية فهذا لم يمنعني من التعامل مع الجاليات العربية حيث استطيع التحدث باللغة العربية، وقررت العيش في القاهرة عن طيب خاطر لما لها من أهمية بالغة في مجال دراستي وبحثي، حيث يتركز مجالي البحثي على تاريخ الفكر الإسلامي وبشكل أدقّ في مجال الفلسفة، وعلم الكلام والتصوف الإسلامي.
حصلت على الدكتوراه في الدراسات العربية، وكان مجال اهتمامي هو كيف استقبل بعض فلاسفة القرنين السادس والسابع هجريا /الثاني عشر والثالث عشر ميلاديا، الطبيعيات والإلهيات لابن سينا، وآخر أبحاثي الذي لم يكتمل بعد هو الأعمال الفلسفيّة لشهاب الدين السهروردي، التي تمثل إسهاما كبيرا في الفكر الإسلامي، حيث أسس لفلسفة جديدة تجمع بين العقل والروح، وفتحت آفاقًا جديدة في فهم الوجود والمعرفة، والذي توفي عام 1191 ميلادية – 587 هجرية.
نشأتها
متى نشأت مكتبة الدومينيكان، وما أبرز أهدافها؟
تأسست مكتبة الآباء الدومينيكان بالقاهرة عام 1953، على يد الرهبان الدومينيكان القادمين من فرنسا، بالتوازي مع إنشاء معهد الدراسات الشرقية (IDEO)، وبهدف رئيسي هو دراسة التراث الإسلامي من مصادره الأصلية، وباللغة العربية، على يد باحثين متخصصين يمتلكون أدوات البحث الفقهي واللغوي والأكاديمي.
وقد بدأت المكتبة كمجموعة صغيرة من المراجع الإسلامية، لكنها اليوم أصبحت تضم أكثر من 150 ألف مرجع علمي، بين كتب ومخطوطات وموسوعات ورسائل جامعية ودوريات، تغطي مجالات الفقه وأصوله، التفسير وعلوم القرآن، الحديث وعلومه التاريخ الإسلامي، التصوف والفلسفة الإسلامي، واللغة العربية المنطق.
والهدف من إنشاء المكتبة هو توثيق التراث الإسلامي وفق مناهج علمية دقيقة، وخدمة الباحثين من الشرق والغرب من خلال توفير مصادر عربية أصلية مصنفة ومفهرسة إلى جانب تعزيز الحوار المعرفي بين الثقافات والأديان.

ما الذي يميز مكتبة الدومينيكان عن غيرها؟
المكتبة متخصصة بالكامل في التراث الإسلامي الكلاسيكي والمعاصر، وليست مكتبة عامة أو دينية فقط، وتعمل ضمن إطار أكاديمي وبحثي مفتوح للباحثين من جميع الخلفيات والديانات، وتعتمد على منهجية فهرسة موضوعية دقيقة، غير متوفرة بهذا المستوى في كثير من المكتبات العربية، وتمتلك قاعدة بيانات إلكترونية ثلاثية اللغة (العربية – الفرنسية – الإنجليزية) تضم أكثر من 137 ألف سجل مفهرس، كما تحظى بشراكات بحثية دولية، وتُستخدم مصادرها في رسائل الماجستير والدكتوراه حول العالم
كنوز الدومنيكان
ما أهم المقتنيات الفريدة في المكتبة؟
تضم ما يزيد عن 150 ألف مرجع علمي، تشمل كتبا نادرة، وموسوعات تراثية، ومخطوطات، وطبعات حجرية، إلى جانب أكثر من 1800 دورية ومجلة علمية، بعضها يعود إلى بدايات القرن العشرين ويصعب العثور عليه في أي مكتبة أخرى.
وتتميز المكتبة كذلك بفهرس إلكتروني متطور، يتيح للباحثين من مختلف أنحاء العالم الوصول إلى بيانات دقيقة عن محتوياتها، باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية.
أما على مستوى المقتنيات النوعية، فتحتفظ المكتبة بعدد كبير من الكنوز الفكرية، منها:
"سير أعلام النبلاء" للإمام الذهبي، من أهم كتب التراجم في التاريخ الإسلامي، وموسوعة "إعلاء السنن"، أحد أكبر المؤلفات الحديثية الفقهية، للعلامة ظفر أحمد العثماني، وكتب الفقه وأصوله، من بينها "حقيبة الفقه النافع"، و"الكافي في شرح الوافي"، إضافة إلى تفاسير القرآن الكبرى، مثل تفسير الطبري، وتفسير ابن كثير، و"رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز" لعز الدين، و"روح البيان" لإسماعيل حقي، و"البحر المحيط" لابن حيان الأندلسي، و"مرآة الأعيان في تواريخ الأعيان" لشمس الدين أبو المظفر، من أبرز كتب التراجم الإسلامية، الطبعات الأولى من مجلة "المقتطف"، وهي من أبرز المجلات العلمية العربية في العصر الحديث، ومؤلفات د. إبراهيم عبد الراضي، التي توثق تطورات التاريخ الإسلامي ومصر الحديثة، إضافة إلى عشرات الرسائل الجامعية (ماجستير ودكتوراه)، التي تعكس حركة البحث العلمي في العالم العربي والإسلامي.

أقدم كتب التفسيرللإمام الطبري

أكبر موسوعة حديثة فقهية
جسر ثقافي
ما أهمية وجود مكتبة متخصصة في التراث الإسلامي داخل مؤسسة تابعة للكنيسة الكاثوليكية؟
هذا يعكس إيمانًا عميقًا بأن الحوار الحقيقي يبدأ من المعرفة، فمنذ تأسيس المعهد في أربعينيات القرن العشرين، كان هدف الآباء الدومينيكان هو فهم الإسلام من الداخل، عبر لغته ومصادره، لا من خلال أحكام مسبقة.
مكتبة المعهد هي امتداد لهذا المشروع العلمي، إذ تهدف إلى توفير بيئة بحثية مفتوحة ومحايدة تسمح لدارسي الإسلام، مسلمين وغير مسلمين، بالوصول إلى أمهات الكتب والمراجع الأساسية بلغاتها الأصلية.
الرسالة الأساسية للمكتبة هي أن تكون جسرًا للمعرفة، لا منبرًا للوعظ، ما يجعلها فريدة في العالم، وتسهم بفعالية في تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات، عبر دعم البحث العلمي المشترك، وتشجيع اللقاءات بين دارسين من خلفيات دينية وفكرية متباينة، يجمعهم الاحترام للتراث وطلب الحقيقة، وقد أثنى الإمام الأكبر شيخ الأزهر على هذا التوجه في مناسبات عدة.
تحول رقمي
في السنوات الأخيرة خطت المكتبة نحو التحول الرقمي.. فما ملامح تلك الجهود؟
بالفعل بذلنا جهودا كبيرة لتسهيل الوصول إلى المعرفة وتوسيع دائرة الانتفاع من مقتنياتها العلمية، ويأتي في صدارة هذه الجهود مشروع “الكندي” (AlKindi)، وهو قاعدة بيانات ببليوغرافية فريدة من نوعها، أطلقتها المكتبة منذ عام 2007، وتعد اليوم من الأدوات الأساسية للباحثين في الدراسات الإسلامية وتتميز بواجهة بحث بثلاث لغات (العربية، الفرنسية، الإنجليزية).
وتضم هذه القاعدة أكثر من 137 ألف سجل ببليوغرافي مفهرس تغطي الكتب، المقالات، الرسائل الجامعية، والدوريات، كما تُوثّق أعمال أكثر من 2,500 مؤلف ومفكر إسلامي، مع ربطها بالمدارس الفكرية والموضوعات الدقيقة، ما يتيح للباحثين تحليلاً علميًا متقدمًا وفهمًا أعمق لحركة التأليف الإسلامي عبر العصور.
تسعى مكتبة الدومينيكان إلى تحقيق توازن بين خدمة الباحث الرقمي، من خلال مشاريع الفهرسة الإلكترونية، وبين الحفاظ على جودة التجربة المعرفية التقليدية، وذلك بإتاحة الوصول إلى الطبعات النادرة والمؤلفات المحققة التي يصعب العثور عليها في أي مكان آخر.
وعلى المدى البعيد، تعمل المكتبة على رقمنة مجموعة مختارة من الكتب والمراجع النادرة، مع التركيز على توفير نسخ رقمية عالية الجودة تراعي حقوق النشر والأمان الرقمي، في إطار مشروع طموح لحفظ التراث الإسلامي وإتاحته للأجيال القادمة.
أقدم موسوعة لتفسير القرآن الكريم
شراكات دولية
ما أبرز الفعاليات والأنشطة التي تقوم بها المكتبة؟
ينظم المعهد بالتعاون مع المكتبة عددا من الفعاليات العلمية والفكرية الدولية والمحلية، التي تخدم الحوار بين الثقافات، والبحث في التراث الإسلامي، ونقل المعارف الأكاديمية الدقيقة، ومن أبرز هذه الأنشطة محليا ندوات أكاديمية دورية، بحضور باحثين متخصصين ومراكز بحثية أجنبية، هذا بجانب ورش عمل حول أنظمة الفهرسة الببليوغرافية والبحث في المصادر الإسلامية، كما تشارك المكتبة في مؤتمر IDEO ، لمناقشة قضايا التراث والعقلانية الإسلامية، باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية.
أما خارج مصر، تشارك المكتبة في مشاركات بحثية دولية في مؤتمرات عالمية عن الفكر الإسلامي وحوار الأديان،، بالإضافة إلى مساهمات في رقمنة المكتبات العربية حيث شاركت المكتبة في رقمنة مجموعات تراثية في مكتبات المغرب وتونس ولبنان، بالتعاون مع اليونسكو.
مواجهة التطرف
ما الهدف من إطلاق مشروع "كرسي قنواتي" وكيف يسهم في مواجهة التطرف؟
يمثل “كرسي قنواتي” (2023–2027) أحد أبرز المشاريع الفكرية التي أطلقها معهد الدراسات الشرقية للآباء الدومينيكان في القاهرة، بدعم من قسم حقوق الإنسان ببعثة الاتحاد الأوروبي، يهدف هذا المشروع إلى مكافحة التطرف الديني من خلال تعزيز ثقافة الحوار بين الأديان وترسيخ قيم العيش المشترك.
يحمل الكرسي اسم العلامة د. جورج قنواتي، أحد أعلام الفكر الإسلامي المسيحي في القرن العشرين، ويأتي امتدادًا لرسالته القائمة على الانفتاح المعرفي والتقارب الإنساني
ويهدف الموضوع إلى دعم الأبحاث الرصينة في التراث الإسلامي الكلاسيكي (فقه، تفسير، عقيدة، فلسفة وتقديم منح بحثية سنوية لباحثين شباب من الشرق والغرب وتقديم منح بحثية سنوية لباحثين شباب من الشرق والغرب وتقديم منح بحثية سنوية لباحثين شباب من الشرق والغرب وإعادة وصل الجيل الحالي بإرث الأب قنواتي، بوصفه رمزًا للفكر المتسامح.

حدثنا عن زيارة شيخ الأزهر مقر معهد الدومينيكان؟
في عام 2018، زار د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، مقر معهد الدومينيكان بالقاهرة، والتقى بباحثيه، وخلال الزيارة أشاد شيخ الأزهر بمشروع “قنواتي” وبجهود المعهد في توثيق التراث الإسلامي، مؤكداً أن التراث الإسلامي ملك للإنسانية كلها، وأن التعاون بين المؤسسات البحثية والكنسية في دراسة هذا التراث أمر محمود يدعو إليه الإسلام ذاته.
حواجز لوجيستية
ما أبرز التحديات التي تواجه المكتبة؟
رغم القيمة العلمية الفريدة التي تقدمها مكتبة ومعهد الدومينيكان في فهرسة التراث الإسلامي وخدمة الباحثين، فإنها تواجه عددًا من التحديات الكبرى، أبرزها ندرة الكوادر المتخصصة في الفهرسة الإسلامية، والتمويل المستدام لمشروعات الرقمنة، حيث تعتمد جزئيًا على تمويلات خارجية من الاتحاد الأوروبي ومؤسسات أكاديمية فرنسية، بجانب صعوبة الوصول إلى بعض المكتبات الشريكة في العالم العربي بسبب الاختلاف في السياسات أو ضعف البنية التقنية، وأخيرا الحاجة إلى توسيع الوعي المجتمعي بأهمية الفهرسة المتخصصة.
كيف ترى دور المكتبة في تعزيز الحوار الثقافي والديني؟
الحوار شرط أساسي لفهمنا المتبادل ومعيشتنا المشتركة، ونقرأ التراث الإسلامي بهدف الفهم، لا النقد، ونرى أن فهم الإسلام من مصادره الأصلية وبمنهج علمي غير تبشيري، هو أحد أهم وسائل بناء الثقة المتبادلة بين الثقافات والأديان. ولهذا، فإن أغلب العاملين في المعهد يتقنون العربية، ويتخصصون في فقه، وتفسير، وحديث، وعلوم القرآن، وذلك من خلال مشاركتنا في تنظيم ندوات علمية يشارك فيها باحثون من الأزهر وجامعات إسلامية، وإصدار بحوث أكاديمية تعزز الصورة الحقيقية عن الإسلام في مراكز البحوث الغربية، بهدف مكافحة الصور النمطية.
لماذا أصبحت مكتبة الدومينيكان محطة لا غنى عنها في رحلة الباحثين؟
ما يميز مكتبتنا ليس فقط قِدم الكتب، بل ندرتها الحقيقية؛ لأننا غالبًا الجهة الوحيدة التي تقتني طبعات فريدة لأمهات كتب التراث الإسلامي، خصوصًا في مجالات مثل الطب والفلسفة.
ولدينا، على سبيل المثال، طبعات نادرة من كتاب "القانون في الطب" لابن سينا، لا تتوافر في مكتبات كثيرة بالعالم، ولذلك يأتينا باحثون من أوروبا خصيصًا لهذا الغرض، لأنهم لا يجدون هذه المصادر في بلدانهم.
ونحرص على متابعة الإصدارات العلمية الموثوقة في مجال تحقيق النصوص، ما يساعدنا على اختيار الطبعات الدقيقة والمراجع الرصينة، كما نولي اهتماما خاصا بالتكامل؛ فلا نكتفي بنسخة من كتاب ما، بل نحرص على اقتناء الكتب التي يُحيل إليها المؤلفون داخل النصوص، وهذا أمر لا يتحقق بسهولة في كثير من المكتبات، حتى العالمية منها.

أثمن المجلات الفرنسية للدراسات العربية والإسلامية.



