بقلـم: د. سليمان جادو شعيب
باحث ومحاضر، وعضو المنظمة العالمية لخريجي الأزهـر
إن الهجرة النبوية حدث جليل من أبرز أحداث الإسلام ذكرًا، وأعظمها شأنًا، وأعمقها معنى، وأبعدها أثرًا؛ بما تحمله تلك الهجرة في طياتها من أحداث جسام وآيات بينات، ودلالات عميقة، ومواقف سامقة، ودروس وعبر متجددة بتجدد الأيام والقرون، وسوف تظل علامة فارقة في تاريخ الإسلام والمسلمين، وحدثًا فريدًا شاخصًا في الأذهان، ماثلًا في القلوب تحيا به أمة الإسلام ما بقيت إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها.
حقًا، لقد كانت الهجرة النبوية الشريفة نقطة تحولٍ في تاريخ البشرية، حيث غيَّرت مجرى التاريخ، ومسار الدعوة الإسلامية وانتشارها، واستطاع رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ومعه أتباعه وصحبه الأخيار رضوان الله عليهم، يقيمون دولة الإسلام الخالدة على أسس متينة، ودعائم وأركان قوية، على المثل العليا والمبادئ الفاضلة، ينشرون في ربوعها الأمن والاستقرار، والرفاهية والرخاء.
إن الدعامة الأولى، والركيزة الأساسية، التي قامت عليها الهجرة النبوية الشريفة، واستندت إليها وانطلقت منها وإليها، الإخلاص لله سبحانه وتعالى، فقد كانت طلبًا لرضون الله عزَّ وجل، وإعزازًا لدينه، وتمكينًا له، وطاعة له ولرسوله، ولم تكن الهجرة أبدًا لمطمع أو غاية وطلبًا لدنيا، ولا طمعًا في جاه، ولا رغبة في ملك ورئاسة، ولا تطلعاً لسيادة...إلخ، ولذا أكمل الله تعالى للمسلمين هجرتهم، وأنزل السكينة عليهم، وأيدهم بجنود لم يروها. قال تعالى:" إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم"(التوبة: 40).
ولقد جعلت هذه الهجرة العقلاء من أهل مكة – برغم حملات التشويه الظالم التي كان يشنها الطواغيت ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم – يفكرون في حقيقة الأمر، ويدركون أن المهاجرين من مكة هم أصحاب حق حملوه وآثروه على حطام الدنيا من ديار وأموال، فاستحقوا أنْ يقف كل رجل شهم بجانبهم، يؤمن بصحة فكرتهم.
أما أهل المدينة فقد ازداد إيمانهم بهذه القضية، وأخذوا يدخلون في دين الله أفواجًا لنصرة التوحيد ورسالة الإسلام القائمة على العدل ومحاربة الظلم، ويعدون العدة جميعًا من أجل أن تسود راية التوحيد في مكة كما سادت في المدينة، وظلوا يجلبون لها الأنصار حتى دخلوا مكة فاتحين.
ولا ريب في أن الهجرة النبوية الشريفة عمل مجيد، وفعل رشيد محمود، بدأ به تاريخ الإسلام، وإليها ينسب دائمًا العام الهجري. فقد كان الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – مقيمًا بمكة المكرمة، حيث ولد بها، وقد بُعِث رسولًا منها إلى الناس كافة، داعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا، وقد لبث بها صلوات الله وسلامه عليه ثلاثة عشر عامًا، منفذًا مرسوم الرسالة، المبين في قوله تبارك وتعالى: "يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا" (الأحزاب: 45 -47).
وكانت هجرة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – فاتحة خير للمدينة، حيث طهرها الله تعالى بهجرته من كيد اليهود بعد أن نقضوا عهودهم ومواثيقهم التي عاهدوا رسول الله –صلى الله عليه وسلم – وعاهدوا المهاجرين والأنصار عليها، وقد امتلأت كتب السيرة والتفسير والتاريخ، بالعديد من مواقف اليهود وجدالهم حول الإسلام والقرآن الكريم ورسالة محمد، وخاضوا في حملات منكرة في كل ذلك وغير ذلك.
لقد قام مجتمع الهجرة بالمدينة تقوده عقيدته وأخلاقه وأحكام دينه، فتؤلف بين أفراده بالمؤاخاة وارتبطت القلوب بعضها ببعض، في ثباتٍ نفسي رفيع لا يعادل الترابط فيه شيء آخر فكان مجتمعًا تطهر من نزوات الطيش وثغرات الجهل، وفساد العصبيات القبلية، واستقرت فيه الفضائل. واشربت بها عقول المسلمين ووجدانهم بالمدينة فكانوا هداة صالحين وبهم تمَّ البناء، وفيهم كمُل الدين، وأصبحت المدينة قاعدة لمجتمع مهاجر فار بدينه إلى حيث كان الأمن والأمان، والهداية والاستقرار.
ولقد تأسس بالهجرة النبوية الشريفة مجتمع كامل فاضل، قائم على القيم والمثل والمبادئ الكريمة، ولذا فقد كانت الهجرة النبوية تحولًا بالمسلمين من الشتات إلى الوحدة، ومن الضعف إلى العزة والقوة، وارتفعت بها راية الإسلام، وكان النصر والتمكين حليفها، ولقد صاروا بها على قلب رجلٍ واحد، وبعدت عنهم الأنانية، فذهبوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ينصاعون لدعوة الله سبحانه وتعالى، ويلبون نداء القرآن، لا تلهيهم تجارة ولا بيع، ولا حرث ولا نسل عن وحدة الكلمة، يتحاورون أملًا في إحقاق الحق لا امتراءً بالباطل ولا انتصارًا للجنس واللون فانتصروا من بعد ظلموا.
وبكل تأكيد كانت الهجرة النبوية الشريفة خطوةً فريدةً سامقة، في طريق الدعوة إلى الله، ورفع لواء الإسلام خفاقًا عاليًا، كما كانت فاتحةَ خيرٍ ونصر وبركة على الإسلام والمسلمين، وما تزال دروسها النبيلة الجليلة حاضرة للناس جميعًا حتى يومنا هذا، متجددة العطاء لا ينقطع أثرها وثمارها، ولا تنتهي بركاتها وعظمتها مهما توالت السنون وتعاقبت الدهور.
فما أحوجنا – معشر المسلمين – ونحن نعيش في هذا العصر المتسارع والمتلاطم بالأحداث والمتغيرات العالمية، إلى أن نتذكر تلك الأمجاد التليدة، وأن نستلهم من حادث الهجرة النبوية، تلك النفحات الإلهية والدروس والعِبَر الربانية التي أحاطت بالنبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، في هجرته من مكة إلى المدينة، يحدونا الأمل في أن نجعلها بكل احتفاء واهتمام، مصدر وحي للإيمان الصادق، والإخاء والحب العميق بين المسلمين، وأن نجعل منها أيضًا دليلًا حيًا للإيثار الكريم والبطولة الفريدة، والتضحية الرائعة والتنظيم العلمي الدقيق، وبذلك يتحقق فينا قول ربنا عز وجل: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" (آل عمران:110).



