بعض القول

الحكمة الغائبة

حازم عبده مدير تحرير اللواء الإسلامي
حازم عبده مدير تحرير اللواء الإسلامي

قبل أن يبزغ فجر الجمعة الماضي، كانت الطائرات والمسيرات الإسرائيلية تدك أهدافها بدقة متناهية، على بعد أكثر من ألفي كيلو متر فى العمق الإيرانى، منتهكة سماء الأردن والعراق وربما سوريا ولبنان وغيرهما أيضاً، نفذت عمليات اغتيال بحق قادة وعلماء ومسئولين بالإسم و برقم الشقة و الغرفة، وبغض النظر عن الرد الإيراني الصاروخي المفتقد لكثير من الدقة، فإن المحصلة هي أن منطقتنا سقطت فى أتون نيران لن تبقي ولن تذر.
إسرائيل تريد أن تقدم نفسها شرطياً وحاكماً للشرق الأوسط، تريد أن ترث الاستعمار القديم فى إدارة المنطقة والتحكم فيها، بعدما نجحت بإيدي الأغبياء فى المنطقة وبدعم أمريكي لا تخطئة أعين العميان من تدمير قوى إقليمية كانت تمثل عقبة كبرى فى طريقها كالعراق التي تسلمها صدام حسين دولة موحدة قوية فسلمها أشلاء متنافرة متناحرة، وكذلك سوريا التي سقطت فى جوف آل الأسد دولة عظيمة وتركوها بقايا شعب وبقايا أرض، ولبنان مزقها ملوك الطوائف وأخرجوها من المعادلة، وبقية القوى كما نرى فلا ليبيا ولا سودان ولا يمن.
المتابع لتطورات الأحداث فى المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023 وما حدث من إخراج المقاومة الفلسطينية- بشكل أو بآخر - من المعادلة، ثم إخراج حزب الله وتحييده، ثم إسقاط نظام الأسد الابن فى سوريا، وتبادل المناوشات لأول مرة بين إيران وإسرائيل فى أبريل 2024 ، والاشتباكات الحوثية الإسرائيلية. يدرك أن الحكمة غابت من المشهد وأن المنطقة يعاد صياغتها ورسم معالمها من جديد على هوى الدولة الصهيونية لا على هوى أصحاب البلاد الأصليين.
إن الحرب الدائرة بين إسرائيل لا أقول وبين إيران،  وإنما بين دول المنطقة بأسرها، دون استثناءات، مهما كانت الصداقة، فإسرائيل لا تعرف إلا أنها تمتلك القوة التي تجعلها السيد، أكدت ما تم الكشف عنه فى الحرب الروسية الأوكرانية وهو وفاة النظام الدولي الذى نشأ عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، فلم يعد هذا النظام قادراً على حفظ الحدود الدنيا من الأمن والسلم الدوليين، وعلى الدول العريقة ذات الحكمة أن تتحرك لوقف هذا العبث بالعالم. 
تدرك مصر حجم الكارثة التى يمكن أن تلج إليها المنطقة، فمنذ اليوم الأول أدانت العدوان الإسرائيلي على إيران وانتهاك سيادتها، وتقود مصر حراكاً دبلوماسياً عالمياً يليق بها وبثقلها من أجل وقف هذا العبث، برؤية شاملة للتوصل لاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران عبر الوسيط العماني، وكذلك التوصل لحل للقضية الفلسطينية وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني فى غزة والضفة وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.
«إن قوة إسرائيل وصلفها وعدوانها يكمن فى الدعم الأمريكي اللامحدود والغياب العربي اللامحدود، لذا  إذا كنا نريد إنهاء الصراع ووقف تدمير المنطقة وإنقاذ أجيالنا الجديدة من التشرد، لا بد من إنهاء الغياب العربي اللا محدود لجعل الدعم الأمريكي للكيان الغاصب محدوداً بما يكفى لردعها ومنعها من إحراق المنطقة» هذا ما قاله المفكر الراحل د. عبدالوهاب المسيري،، قبل أكثر من ثلاثة عقود، لذا فعلى حكماء المنطقة استعادة الحكمة الغائبة قبل أن نصبح جميعاً داخل كرة اللهب التي تصنعها إسرائيل على عينها لحرق المنطقة بأسرها.