أنشطة وبرامج تعليمية لتثقيف الجمهور وتدريب الباحثين
سوء البيئة وغياب الرقمنة أبرز المشكلات
نتمنى عودة المخطوطات المهاجرة
المخطوطات هي الوعاء الذي يحفظ العلوم ويربط بين الأجيال ليظل التاريخ شاهدًا على حضارةٍ خالدة أغنت الإنسانية بالعلم والفكر، ومكتبة الإسكندرية هي إحدى خزائن التراث العربي والإسلامي في العصر الحديث، بما تحمله من علوم وفنون ولغات دوّنتها أنامل علماء الأمة عبر القرون، حيث تضم ما يقرب من 5 آلاف مخطوط أصلي يغطي مختلف فروع المعرفة.
وفي زمن تتسارع فيه التكنولوجيا كان لابد من مواكبة التطور الهائل حيث تم تأسيس مركز ومتحف المخطوطات بمكتبة الإسكندرية عام 2001، والذي يتألف من سبعة أقسام ويضم 76 من أفضل الباحثين والمختصين، ليكون بمثابة درع الحماية لهذا التراث الفريد لحفظ ذاكرة الأمة بأحدث الطرق والأساليب لتوفير نسخ رقمية من المخطوطات بعد صيانتها وترميمها ليبقى حيًا بين أيدي الباحثين والأجيال القادمة وخاصة المخطوطات الإسلامية.
"اللواء الإسلامي" حاورت د. مدحت عيسى مدير مركز ومتحف المخطوطات بمكتبة الإسكندرية، ليحدثنا عن أهمية علم المخطوطات، وكيفية حفظ هذا الإرث الضخم وإتاحته للباحثين رقميًا، ونستعرض معه مقتنيات المتحف من مخطوطات وكتب نادرة.. وإلى نص الحوار:
• بداية.. حدثنا عن علم المخطوطات وأهميته في حفظ التراث؟
•• علم المخطوطات يُعنى بدراسة كل ما كُتب بخط اليد، وبالطبع لم يكن له وجود قبل اختراع الطباعة، لكن بعد ظهور المطبوعات برز مصطلح "مخطوط" ليفرق بين ما كُتب يدويًا وما طُبع آليًا، وهذا يفسر لماذا غالبية المخطوطات التي نعرفها اليوم ترجع للفترة بين القرن الثاني الهجري والقرن الثالث عشر الهجري، إذ بعد ذلك بدأ انتشار الطباعة، فقلّ الاعتماد على الكتابة اليدوية.
وتُعدّ المخطوطات الوعاء الذي حفظ العلوم لقرون متتالية، فقد قامت المخطوطات قديمًا بالدور الذي تؤديه الكتب المطبوعة حديثًا، وهي التي نقلت إلينا تراثًا علميًا وثقافيًا ضخمًا، ولولاها لضاع الكثير من هذا العلم على البشرية، وإذا نظرنا إلى مسيرة العلم عبر التاريخ، نجد أنه انتقل من حضارة إلى أخرى، من المصريين القدماء إلى اليونانيين، ثم إلى العرب، وكل أمة ساهمت في تطويره في زمانها، فالعلم قد يوصف أنه عربي أو يوناني ولكن في النهاية هو تراث إنساني ملك لكل الإنسانية.
بداية التأسيس
• متى تأسس مركز ومتحف المخطوطات بمكتبة الإسكندرية؟
●● تأسس مركز ومتحف المخطوطات بمكتبة الإسكندرية عام 2001 كوحدتين مستقلتين هما المركز والمتحف بهدف حفظ التراث المخطوط والكتب النادرة، ومع اتساع نطاق العمل وتداخل المهام جاء قرار دمج الهيكلين الإداريين في عام 2023 ليكونا وحدة إدارية موحدة تُعنى بالحفاظ على هذا الإرث وتعزيزه بحثيًا وثقافيًا.
ويضم المركز 76 باحثًا وموظفًا من أصحاب الكفاءات المتخصصة، من بينهم حملة الماجستير والدكتوراه، والمترجمين والمفهرسين وأخصائيي العلاقات العامة الذين يسهمون في دعم مختلف المسارات العلمية والثقافية.
ويتألف من سبعة أقسام متخصصة، وهي المخطوطات الأصلية، والكتب النادرة والمجموعات الخاصة، والصيانة والترميم، والدراسات والفعاليات الأكاديمية، والحفاظ والضبط البيئي، والتبادل والأرشيف، وقسم الفهرسة والتحقيق، ويعمل فيه فريق من 76 باحثًا ومختصًا من أصحاب المؤهلات العليا.
● يحتوي المتحف على كنز ثمين من المخطوطات والكتب النادرة.. فما أبرز المقتنيات داخل المتحف؟
●● يتميّز المتحف باستخدامه للإضاءة الخافتة لحماية المخطوطات من التلف الناتج عن الإضاءة القوية، ويحتوي على كنوز معرفية ومخطوطات نادرة توثق مسيرة الحضارة الإنسانية، وتعد مخطوطة "البستي"، أقدم مخطوطة بالمتحف، وأقدم المخطوطات العربية في العالم، وهى جزء من تفسير القرآن كُتب عام 368 هـ (978م)، ومخطوطة "كتاب الرسالة" للإمام الشافعي، والتي تُعد أقدم ما دُوّن في علم أصول الفقه، ومخطوطة "المدونة في فقه المالكية" من أنفس المقتنيات وهى عبارة عن 4 مجلدات مكتوبة على الرق "جلد الماعز"، كُتبت في تواريخ مختلفة من عام 499 إلى 530 هجرية، وأيضا "رسالة العلوم الحديثة" عام 1225 هـ وتضم الخرائط المناخية وخريطة فلكية للكون.
ويعرض المتحف قطعتين نادرتين من كسوة الكعبة المشرفة ضمن مقتنيات طلعت باشا، ومخطوطات طبية نادرة مثل "الموجز في الطب" لابن النفيس، و"المنصوري" للرازي، ومخطوطة فلكية لتحديد القبلة ومواقيت الصلاة، ونسخة من "شمس المعارف" التي تناولت السحر والعلوم الخفية، وفي مجال الرياضيات توجد مخطوطة "تحرير أصول الهندسة" لأقليدس، وتُعد من النسخ الأصلية النادرة.
وفي قسم المصريات بالمتحف، يُعرض كتاب الموتى الفرعوني الذي يرجع إلى 1500 ق.م، إلى جانب بردية "آني"، وتضم نسخة طبق الأصل لطريقة دفن الموتى، ونسخة من موسوعة "وصف مصر" التي أعدها أكثر من ١٦٠ عالمًا رافقو الحملة الفرنسية بقيادة نابليون، وطُبعت في باريس عام 1821.
وفي عرض نادر داخل المتحف للأديان السماوية الثلاثة، ولُفافتين أصليتين من التوراة من القرن 18، ونسخة من توراة "فرارة" الإيطالية (1553)، والنسخة السينائية المكتشفة بسيناء، كما يعرض الإنجيل الأول المطبوع عام 1456، ونسخة من كتاب الفاتيكان، إلى جانب مخطوطات دينية مسيحية تعود إلى القرنين 16 و17، بينما يتألق قسم الإسلاميات بمصاحف مزخرفة بمساحيق الأحجار الكريمة ومرصعة بماء الذهب، ومصاحف قرآنية بخط اليد تعود للقرنين 11 و12 الهجري.
كما يوجد بالمتحف مخطوطة "سنن ابن ماجة" من أهم كتب الأحاديث النبوية، ومخطوطة "الكواكب الدرية" للبوصيرى، وهي أشهر قصائد المديح النبوي وكتبت سنة 1051 هجرية، وبردية "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" أهم الموسوعات الكبرى في الطب البديل والعلاج بالنباتات والأعشاب، ومخطوطة "الحجة" لأبى على الفارسى الحسن، وكتبت في القرن الخامس الهجري وتضم إرشادات لقراءات القرآن قراءة صحيحة.
ويحتوي المتحف على وثائق نادرة مثل وثائق قناة السويس باللغتين الفرنسية والعربية، وتقارير مركز الاستخبارات الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، والبرديات العربية بمكتبة فيينا حوالي "١٧٣٥٠ بردية" بالإضافة إلى النسخ الأولى من الجرائد والمجلات مثل الأهرام من ١٨٧٦ إلى ٢٠٠١ والهلال من ١٨٩٢ إلى ١٩٩٦ والوقائع المصرية من ١٩٦١ حتى ٢٠٠١، كما يشمل مجموعة شرائح ضوئية لأعمال بيكاسو ومزارات عالمية وأماكن تاريخية في عدة دول وألبوم الفنون الأرمينية.
● كيف كانت تُكتب وتُزخرف المصاحف في العصور الإسلامية المختلفة؟
●● بدأت الزخرفة مع كتابة النص القرآني، تعبيرًا عن التقديس والتقدير لكلام الله، لم تكن هناك زخرفة في المخطوطات قبل المصحف الشريف، وبعض الخطاطين أقسموا ألا يكتبوا بأيديهم إلا القرآن الكريم، وظهرت أسر كاملة تخصصت في كتابة المصاحف، والتزموا بطقوس روحانية (كالطهارة والوضوء)، أما المدارس التي اهتمت بالزخرفة وهي المدرسة العباسية تمثلت في استخدام الخط الكوفي، وزخارف هندسية ونباتية بسيطة، وبدايات التذهيب، أما المدرسة الأندلسية والمغربية استخدمت الخط المغربي، وزخارف ملونة مستوحاة من الطبيعة، والمدرسة المملوكية اهتمت بالتذهيب، واستخدام الألوان الغنية وإطارات مزخرفة، والمدرسة العثمانية استخدمت خط النسخ والثلث بإتقان، وزخارف دقيقة ومدارس متخصصة في فنون المصحف، والمدرسة الصفوية "الإيرانية" استخدمت زخارف نباتية ومنمنمات دقيقة.
5 آلاف مخطوط
• في ظل التحول الرقمي المتسارع.. ما خطة المركز لحفظ المخطوطات رقميًا وإتاحتها للباحثين؟
●● تحتوي المكتبة على 5 آلاف مخطوط أصلي تغطي مختلف فروع المعرفة مثل الفنون والعلوم واللغات وغيرها، ولحماية هذا الإرث الثقافي من الضياع تم إدخال التكنولوجيا الحديثة في المكتبة والتي أسهمت بشكل كبير في دراسة وفهرسة وتحقيق المخطوطات، سواء من خلال الرقمنة أو عبر تحليل الورق والأحبار والجلود، كما ساعدت في إتاحة المخطوطات عبر المنصات الإلكترونية، مما سهّل على الباحثين الوصول إليها والاستفادة منها في أبحاثهم، إلى جانب توفير برامج متخصصة تُسهم في قراءة النصوص المخطوطة وتحليلها.
وأطلقت المكتبة مشروع "الأرشيف الرقمي للمخطوطات" بهدف إنشاء نسخ رقمية كاملة لأكثر من ستة آلاف عنوان من المخطوطات الأصلية المحفوظة بالمكتبة، بهدف إتاحة المحتوى للباحثين بسهولة، والحفاظ على هذه الكنوز النادرة لأطول فترة ممكنة من خلال ظروف بيئية محكمة.
كما تعمل المكتبة على تنفيذ مشروع طموح بعنوان "جمع المئة ألف مخطوط"، ويهدف إلى توثيق أكبر عدد ممكن من النسخ الرقمية والميكروفيلمية من مخطوطات العالم، وقد تجاوز عدد المخطوطات المصورة حاليًا 150 ألف مخطوط رقمي، ما يمثل إضافة ضخمة للبحث العلمي ولحفظ التراث الإنساني.
● من وجهة نظرك.. ما التحديات التي تواجه المخطوط في الحفظ والصيانة؟
●● يأتي في مقدمة هذه التحديات غياب بيئة الحفظ المناسبة في كثير من المكتبات، حيث لا تُراعى المعايير الأساسية مثل درجة الحرارة، والرطوبة، والتهوية، والإضاءة، مما يؤدي إلى تلف العديد من المخطوطات بشكل نهائي.
أما التحدي الثاني فيكمن في عدم وجود فهارس ورقية أو إلكترونية، الأمر الذي يُبقي آلاف العناوين حبيسة الأرفف دون أن يعرف عنها الباحثون شيئًا والثالث هو افتقار أغلب المؤسسات التي تمتلك مخطوطات إلى معامل متخصصة في الترميم، وهو ما يعوق جهود إنقاذ النصوص المتضررة من التلف أو الإهمال.
وأخيراً، غياب الرقمنة أحد أبرز التحديات أيضًا، إذ يؤدي عدم توفر نسخ رقمية إلى تداول النسخ الأصلية بشكل مباشر، ما يعرضها للتلف المتكرر. في المقابل، تتيح الرقمنة حفظ النسخ الأصلية في الخزائن، مع توفير نسخ رقمية يمكن تداولها بأمان على أقراص أو عبر منصات إلكترونية.
مشروعات الترميم
● ما أبرز المشروعات التي نفذها المتحف فيما يتعلق بترميم وصيانة المخطوطات الإسلامية؟
•• نفذ متحف المخطوطات عدة مشروعات بارزة في صيانة وترميم التراث الإسلامي، من بينها ترميم مخطوطات دار الآثار الإسلامية بالكويت ٢٠١١، وتطوير مكتبة الأزهر الشريف ٢٠١٤، وترميم سجلات قناة السويس الأصلية، ومجموعة مخطوطات السيدة زينب لوزارة الأوقاف 2017، ومخطوطات الديوان الأميري ٢٠١٤، ومخطوطات البطريركية اليونانية، بالإضافة إلى المهام الدورية لترميم المخطوطات الإسلامية بالمكتبة.
وهناك مشروعات قائمة في الوقت الحالي حيث نعمل على نشر الفهارس التي لم تُنشر من قبل مثل "فهرس علوم اللغة"، وايضاً الفهارس الخاصة بالمخطوطات العلمية الخاصة بالطب والصيدلة والحديث وتحوليها على هيئة كتاب، وكذلك ترجمة مقدمات المستشرقين خاصة المستشرقين الألمان لأن المدرسة الألمانية في الاستشراق مدرسة عميقة ورصينة وتتسم بكثير من الإنصاف.
وهناك اهتمام كبير بعملية التعاون العلمي المشترك بين مكتبة الإسكندرية وبين المكتبات العالمية مثل مكتبة الكونجرس والمكتبة الوطنية في باريس ومعهد المخطوطات العربية بالقاهرة ومكتبة الأزهر المختصة بالمخطوطات ودار الكتب المصرية وغيرها كثير من المؤسسات.
● وماذا عن البرامج والخدمات التي يقدمها المركز للباحثين والجمهور؟
●● يقدم المركز حزمة من الخدمات تشمل توفير نسخ رقمية من المخطوطات على (CD)، ودعم البحوث التاريخية بتوفير النسخ الأولى من الصحف والمجلات، وتنظيم جولات إرشادية داخل المتحف، إلى جانب دورات تدريبية تغطي مجالات التراث المخطوط كالفهرسة، والترميم، والتوثيق والحفظ البيئي، ويستفيد منها باحثون من داخل مصر وخارجها.
كما يوفر مجموعة من الدورات التدريبية والندوات ضمن فعاليات ينظمها على مدار العام حيث تهدف الدورات التدريبية إلى تدريب باحثي الماجستير والدكتوراه عمليًا في فهرسة وتحقيق المخطوطات، وتكوين فرق من المحققين والمفهرسين مختصين بالتراث الإسلامي، بالإضافة إلى إيجاد متخصصين في الفنون الإسلامية كالتذهيب والتجليد والزخرفة، وأيضًا تدريب طلاب الدراسات العليا على الاستعداد لسوق العمل في مراكز التراث ودور النشر، أما الندوات فتعمل على تثقيف الجمهور بتاريخ الحضارة الإسلامية وتعريف الطلاب بتاريخهم وأهم العلماء المسلمين الذين أثروا في العلم والفكر الإنساني، بالإضافة إلى تكثيف الجهود والإمكانات لصالح التوجه البحثي وترجمة بحوث التراث الإسلامي.
ويعرض المتحف للزوار فيلماً وثائقياً لعمليات ترميم المخطوطات، من تعقيم الورق القديم إلى استكمال الأجزاء الناقصة، باستخدام تقنيات دقيقة وتحت إشراف خبراء متخصصين، وعرض المخطوط قبل ترميمه وبعدها، وبالنسبة للإصدارات العلمية للمركز فهي تساهم في نشر أبحاث المركز، وتشجيع الباحثين على النشر في الدوريات العربية والدولية، وتبادل الخبرات مع المؤسسات الأكاديمية العربية والدولية، ومن أهم إصداراتنا كتاب "كيمياء السعادة" للغزالي ٢٠١٩ ، و"ميتافيزيقيا ابن سينا" لحسين الزهري ٢٠١٨ ، و"الحسن بن الهيثم بين الشرق والغرب" ٢٠١٧، وأيضًا فهرس مخطوطات بلدية الإسكندرية ٢٠١١.
برامج تعليمية
● يهتم متحف المخطوطات بالنشء من خلال أنشطته.. فما أبرز تلك الأنشطة؟
●● ننظم برامج تعليمية وتفاعلية فعاليات تستهدف الفئة العمرية الصغيرة، تشمل ورش عمل ومحاضرات مثل "إسهامات العلماء العرب والمسلمين"، و"تاريخ كسوة الكعبة"، إلى جانب عروض مسرحية مثل "ما تيجي نلعب" للتعريف بأهم انجازات العلماء مثل ابن الهيثم وابن سينا، وينفذ "برنامج المتحف المتنقل" بالتعاون مع المدارس لتقديم محاضرات وورش تثقيفية لعلم المخططات.
كما نقدم لهم أنشطة صيفية مثل "رحلة في بلاد الأندلس والبساط السحري، وكليلة ودمنة وألف ليلة وليلة" وكذلك فعاليات مخصصة للاحتفال باليوم العالمي للطفولة واليوم العالمي للغة العربية ويوم المخطوط العربي ويوم صناعة الورق، وأنشطة نصف العام الدراسي مثل "الطب عند العرب"، و"تراثنا العربي".
● كيف انتقلت المخطوطات الإسلامية والعربية إلى الغرب؟
●● انتقال المخطوطات العربية والإسلامية إلى الغرب تم بوسائل متعددة، بعضها كان مشروعًا تم في إطار التعاون العلمي والثقافي، حيث كانت المخطوطات تُرسل للدراسة أو الترميم، غير أن هناك وسائل غير شرعية تمّت خلال فترات الاستعمار، حيث نُقلت آلاف المخطوطات من العالم العربي والإسلامي إلى الدول المستعمِرة مثل بريطانيا وفرنسا، وهو ما يفسر امتلاك هذه الدول اليوم مجموعات ضخمة من المخطوطات العربية، وهناك محاولات حاليا من الدول العربية لاسترداد هذه المخطوطات، خاصة النادرة منها، على غرار الجهود المبذولة لاستعادة الآثار، نظرًا لما تحمله من قيمة تاريخية وثقافية لا تُقدّر بثمن.
ولكن من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن كثيرًا من هذه المخطوطات تم حفظها بشكل جيد في الغرب، ولولا ذلك ربما ضاعت أو تعرضت للتلف، كما لا يمكن إغفال دور المستشرقين الأوائل الذين كان لهم الفضل في تحقيق ونشر عدد كبير من المخطوطات العربية، مما ساعد في حفظ هذا التراث وإتاحته للباحثين حول العالم.
التراث الفلسطيني
● يتعرض التراث الفلسطيني إلى السرقة والتدمير بسبب الاعتداءات الإسرائيلية.. فكيف ترى ذلك؟
●● في أوقات الحروب تعد حماية الثقافة والتراث ضرورة أساسية للحفاظ على الهوية الاجتماعية والحضارة الانسانية في تلك البلاد، وتمثل الاعتداءات العنيفة التي جرت مؤخرا على الأراضي الفلسطينية انتهاكًا صارخًا للاتفاقيات الدولية وللقيم الإنسانية التي تدعو لاحترام الثقافات المتنوعة والتراث، وأدعو المؤسسات الكبرى لدعم الجهات الفلسطينية المعنية بحماية المخطوطات، من خلال الفهرسة والتوثيق كخطوة أولى للحفاظ على هذا الإرث الحضاري.
● قمتم بتأليف العديد من الكتب في مجال علم المخطوطات أبرزها "ضبط النص بين المخطوط والمطبوع".. فما ملامح هذا الكتاب والمنهج الذي يتبناه؟
●● يعرض هذا الكتاب خبرتي في تدريس علم المخطوطات، ويوضح كيفية قراءة النصوص المخطوطة وضبطها، وتمييز خصائصها اللغوية، وهي مهارات دقيقة لا يتقنها إلا المتخصص.
كما أتناول فيه دور النساخ في العصور السابقة، حين كانت المخطوطات تنسخ يدويًا قبل ظهور الطباعة، لقد كانت النسخ اليدوية مهنة قائمة بذاتها تُعرف بصنعة “الوراقة” أو "النساخة" التي تطلبت مهارات عالية ودقة متناهية، وحافظت على التراث وأسهمت في نشوء صناعات معرفية.
وينقسم الكتاب إلى فصلين عن قواعد الكتابة ونشأة اللغة وخصائصها، ويضم ثلاثة ملاحق عن الألفاظ الشائعة، وصور المخطوطات والنقوش، وأنواع الخطوط العربية.



