- نحن بصدد تنفيذ مشروع مقابر، وبصفتنا المالكين للمشروع، وقبل الشروع فى إجراءات التراخيص والتنفيذ، نرغب فى الوقوف على الضوابط الشرعية الواجب مراعاتها عند إنشاء المقابر وتجهيزها بما يضمن توافق المشروع مع أحكام الشريعة الإسلامية وآداب الدفن وأحكام الجنائز.
- كرم الله تعالى الإنسان وفضله على سائر المخلوقات، بأن شرع له بعد مماته قبرًا يواريه، وكنًا يستتر فيه؛ صيانةً لحرمته وحفظًا لأمانته، حتى لا تنتشر رائحته، أو تنهشه السباع أو الجوارح، أو ينبشه سارق، أو ينتهكه معتدٍ، فقال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55]، وقال جل شأنه: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21].
اقرأ أيضًا: اتباع النساء للجنائز
أما عن الضوابط الشرعية عند إنشاء المقابر، فالأصل فى القبر أن يُعَمَّق فى الأرض محل الدفن، وأقل ذلك أن يكون على قدر قامة الإنسان العادي الذي يرفع يده فوقه، أي: مترين وربع المتر تقريبًا، كما يراعى فى تهيئة القبر وإعداده طول الميت، وأن يكون عرضه على قدر نصف طوله، وإن زاد على ذلك فهو حسن.
قال العلامة شيخي زاده: [(ويحفر القبر) وهو مقر الميت، طوله على قدر طول الميت، وعرضه على قدر نصف طوله، وعمقه إلى السرة، وقيل: إلى الصدر، وإن زاد عليه فهو أفضل، فلو كان على قدر قامته فهو أحسن].
وقال العلامة ابن عابدين: [(قوله: مقدار نصف قامة إلخ)، أو إلى حد الصدر، وإن زاد إلى مقدار قامة فهو أحسن، كما فى «الذخيرة».، فعلم أن الأدنى نصف القامة، والأعلى القامة وما بينهما، «شرح المنية». وهذا حد العمق، والمقصود منه: المبالغة فى منع الرائحة ونبش السباع، وفى القهستاني: وطوله على قدر طول الميت، وعرضه على قدر نصف طوله].
وذلك إذا كان نظام الدفن المتبع على صورة «الشق»، فيكون بتعميق محل الدفن فى الأرض على قدر قامة الإنسان العادي الذي يرفع يده فوقه، أي مترين وربع المتر تقريبًا، ثم يحفر فى أرضها على قدر وضع الميت على جنبه بطوله، بحيث يكون على جنبه الأيمن وصدره إلى القبلة، ثم يوسد فى قبره ويده لجنبه، ثم توضع اللبنات أو الحجارة فوق الشق، ثم يخرج الحافر، ثم يهال عليه التراب.
وإذا كان على صورة «اللحد»، فيتحقق بأن يقوم الواقف داخل الحفرة المعمقة فى الأرض بحفر مكان فى جانب القبر من جهة القبلة على بعد ثلثي طوله من الأرض، يسمح بدفن الميت فيه، ويعمقه بحيث يمكن إرقاد الميت فيه على الهيئة السابقة، ثم يغطي الجانب المفتوح باللبن أو الحجارة، ثم يخرج الحافر ويهيل التراب، مع التنويه إلى أن هاتين الطريقتين إنما تصلحان فى الأرض الصلبة.
فإن لم تصلح الأرض لأي منهما، فلا مانع من أن يكون الدفن بأي طريقة أخرى، بشرط أن تحقق المطلوب شرعًا فى القبر، كما سبق بيانه؛ لتحقق المطلوب به من الدفن الشرعي، وحكمته من مواراة جسد الميت والحفاظ عليه من أن يتعرض للأذى والامتهان، وهذا هو المفتى به، وعليه العمل فى الديار المصرية منذ زمن بعيد، حيث أجازوا الدفن فى الفساقي -جمع فسقية، وهي حجرة صغيرة مبنية تسع الميت، سواء كانت تحت الأرض أو فوقها؛ نظرًا لرطوبة الأرض ورخاوتها بسبب مجاورة الأنهار وكثرة المياه الجوفية.
وهذا مأخوذ من تعامل الفقهاء مع دفن الموتى فى الأراضي الرخوة أو الندية تعاملًا مصلحيًا، حيث نظروا فيه إلى المصلحة بفعل ما يدفع الأذى عن الميت؛ فجوَّزوا اتخاذ الوسائل وعمل الإجراءات التي تزيد إحكام القبر وإغلاقه، فقالوا بجواز الدفن فى تابوت، سواء كان حجرًا أو خشبًا أو حديدًا، وبجواز وضع القصب أو البلاط بدلًا من الطين، وبجواز وضع الأحجار التي تحفظ القبر من الاندراس والنبش، وبجواز توسيع القبر أو تعميقه أو رفع بنائه كلما احتيج إلى ذلك، ومع اختلافهم فى المفاضلة بين الشق واللحد، فقد أجازوهما جميعًا.



